رسالة إلى صديقي المسلم
![]()
إنه آخر عمل قمت بإعداده داخل وطني مصر، وقبل مغادرتي له بنحو شهر. فبعد أن أعددت عملي الأول (المسيح ليس كمثله شيء) ردّاً على افتراءات د. عز الدين (والذي فقدت مخطوطته أثناء محاصرة الأشرار لبيتي)، قمت بإعداد عملي الثاني : (الرد الهادي على افتراءات الشيخ الغزالي)، والذي سوف تتم طباعته في القريب العاجل بمشيئة الرب.
أما هذا الكتاب فقد انتهيت من إعداد مخطوطته داخل إحدى الكنائس بالقاهرة في فجر الخميس الموافق 8 / 4 / 1993، وهي فترة هامة جداً من حياتي، لأنها سبقت سفري إلى هولندا بنحو شهر واحد فقط. وبالرغم من أني كنت متوتّراً جداً آنذاك بسبب الحصار الذي كان مفروضاً عليّ من أعداء الصليب، إلاّ أن الكتاب جاء هادئاً جداً ومترابطاً في بنائه بشكل سلس. ولعل ذلك يعود للسلام الكبير الذي كنت أنعم به وأنا داخل أحضان كنيستي القبطية الأرثوذكسية الباسلة، والتي كنت قد انتقلت للإقامة الكاملة بداخلها بعد مصادرة بيتي، ومنها انتقلت مباشرة إلى هولندا في 9 / 5 / 1993. لذلك فهذا العمل عزيز جداً على نفسي.
والطريف في أمر هذا الكتاب هو أن الأخ الذي قام بنسخه نقلاً عن المخطوطة الأصلية بخط يدي كان شخصاً مسيحياً، ولكنه أنكر المسيح في لحظة ضعف من أجل الحصول على وظيفة مرموقة في الحكومة، ورفض العودة ثانية للمسيح.
وحدث أن التقيت به في مكتب أبونا الحبيب، القمص حزقيال وهبه في كنيسة العذراء بالشرابية – القاهرة - وطلب مني أبونا متابعته روحياً لإعادته ثانية إلى حظيرة المسيح. وبالفعل ظللت وراءه بالمتابعة والإرشاد حتى أقنعته أخيراً بالتصالح مع المسيح والرجوع إليه ثانية؛ بعد تنازله عن عمله الحكومي الذي من أجله أنكر المسيح أمام الغرباء. وحتى أشغل وقت فراغه في تلك المرحلة الانتقالية، فكّرت بتكليفه في نسخ مخطوطة هذا الكتاب بخط يده الجميل.
وبالفعل ظلّ ذاك الأخ المبارك منشغلً بنسخ هذه المخطوطة لمدة شهر. وقد أعلن لي عن تأثّره الإيماني والروحي بهذا العمل. ثم قال لي: " أنا لم أكن أعلم بأنك في مثل هذه الشجاعة والقوة والوضوح. وقد أعطتني درساً بليغاً في كيفية التمسّك بالمسيح حتى النهاية، وعدم السماح الخوف أن يتسرّب إلى قلبي، وعدم الرجوع ثانية للغرباء مهما كانت الظروف. ولكني رغم ذلك أخاف عليك يا أخ صموئيل من المسلمين لئلاّ يقتلوك بسبب هذا الكتاب المسيحي الجريء والذي أثّر بي بشكل كبير".
وقامت سكرتيرتي في الكنيسة في الوطن بنسخ مخطوطة هذا الكتاب على الكمبيوتر. ولكني فقدت تلك النسخة أثناء استعدادي للسفر خارج البلاد. وبقيت في حوزتها النسخة الأصلية، وذلك لصعوبة خروجي بها من الوطن. وبعد وصولي هولندا بنحو أقل من عام، استطاعت سكرتيرتي أن ترسل لي المخطوطة بطريقة آمنة.
وظلت مخطوطة الكتاب في حوزتي طوال هذه السنوات ، رغم تدخل أحد الجهات المسيحية لطباعته ونشره ، وأنجزت بالفعل البروفة النهائية ، مطبوعة ومبوبة ، ولكن رغم ذلك توقفوا عن طباعته لأسباب غير معروفة ، فأدركت إن ربنا لم يسمح بنشر هذا الكتاب بواسطة هذه الجهة .وقد تزامن رفض نشر كتابي مع بروز فكرة إصدار مجلة مسيحية شرقية لتكون ناطقة باسم المسيحيين الشرقيين ولتعبّر عن وجهة نظرهم بحرية كاملة، وحتى لا يكونوا تحت رحمة هؤلاء الاخوة الذين لن ينشروا أي عمل إلا إذا توافق شخص كاتب هذا العمل مع معتقداتهم المناهضة لإيمان الكنيسة الجامعة الرسولية المقدسة، فأدركت الحقيقة المريرة وهي أنهم يرفضون طبع كتبي لأني مسيحي شرقي من الأقباط الأرثوذكس ، وبلغت درجة كراهيتهم لكنيستي أنهم حذفوا من البروفة النهائية الإهداء الذي قدمته إلى آباء كنيستي الأفاضل .
- سامحهم الرب – ولم أتضايق لموقفهم مني ، بل اتجهت للعمل الإيجابي البناء ، فأصدرت العدد الأول من مجلة ( الحق والحياة ) في شهر أغسطس 1996. وتلاه صدور مجموعة من الأعمال الجريئة المميزة، مثل: " قصة إيمان الأخ زكريا عبد المسيح " و" حوار صريح حول الإسلام " و " كان ميتاً فعاش ".
أما مخطوطة " رسالة إلى صديقي المسلم " فقد وضعتها في درج مكتبي. وبقيت موضوعة فيه طوال هذه المدة انتظاراً لمجيء الوقت المناسب الذي يسمح به الرب بإخراج هذا العمل المتواضع إلى النور. ومع تراجع حالتي صحتي في الآونة الأخيرة رأيت أنه قد حان الوقت الآن للانتهاء من طبع ونشر أعمالي المؤجّلة، بادئاً بهذا الكتاب الذي بين يديك الآن. وآمل في القريب العاجل أن أتمكّن من طباعة مخطوطة كتاب " الرد الهادي على افتراءات الغزالي " لأكون بذلك قد انتهيت من طباعة جميع أعمالي المتواضعة كما دوّنتها بدون أدنى حذف أو تعديلات، أو أي تحكّمات من قبل أولئك الذين يختلفون مع إيمان كنيستنا المقدسة.
هولندا في يناير هولندا في يناير
2002

إلى ربّي وإلهي يسوع المسيح الذي تنحني أمامه كل ركبة ويعترف له كل لسان أنه هو الرب.
و إلى جميع قرّاء مجلة الحق والحياة الأحياء من أشقائي المسيحيين الشرقيين، رفقاء الدرب، وشركاء حمل الصليب، والذين لولا محبتهم وتشجيعهم لما كنت واصلت مشواري في خدمة المسيح في المهجر.
والإهداء أيضاً إلى أصدقائي المسلمين الأحباء: مصطفى ومحمود وربيع وحسين، وبقية الصحبة الحلوة!!!
وإلى كل مسلم يسعى إلى معرفة الحق...
إليكم جميعاً أهدي هذا الكتاب، راجياً من الرب أن يجعله سبب بركة للجميع.
الرحمن.. الـذي هـو عـندنا الإبـن الناطـق بكلمتـه
الإله الواحد. آمين.
بسم هذا الإله الواحد الصمد، الموجود بذاته، واجد كل الموجودات، والناطق بكلمته لهداية العباد، والحي بروحه واهب الحياة لكل الكائنات، سبحانه الذي في يده الحياة والممات. هو الله العظيم خالق الكون بقوة كلمته ، صانع كل الأشياء بملء قدرته، المحب للبشر بملء محبته، معطي الحياة لكل ذي نفس. هو الله الرحمن الرحيم، الناشر محبته على العالمين، واهب الرزق للناس أجمعين، غير مفرّق بين جنس أو دين، المشرق شمسه على الأبرار والظالمين، المعطي الطعام للأشرار والصالحين. سبحانه موزّع الهبات لجميع الكائنات ، والساجد له كل العباد، مدبّر الكون، ضابط الكل ، سبحانه الذي لا ينعس ولا ينام.
هو الطاهر القدّوس، عالم الغيب، واهب الحياة للموتى، مبرئ الأبرص، مبصّر الأعمى، مُنطق الأبكم، مُسمع الأصم. سبحانه هو الله ذو الجلال والإكرام.
إلى الأخ الحبيب والصديق الوفي مصطفى، صاحب العقل الناضج، الباحث دوماً عن الحق أينما وُجد وأينما كان. وإلى بقية الصحبة الحلوة: محمود وربيع وحسين، التحية الساعية إلى المعرفة وبلوغ الحقيقة مهما يكن الثمن، سائرين على طريق الصواب غير مبالين بالأشواك وأسنة الرماح وما ينزفونه ويلاقونه في سبيل رحلتهم في البحث عن الحق، مرضاة لرب الحق وحده .
إنه ليسعدني أن ألتقي بكم حول هذا الحوار الهادئ، والذي هو توضيح لما تثيرونه دائماً معي خلال مناقشاتنا الودية عن الأديان بشكل عام والمسيحية بشكل خاص.
قلت لكم رأيي في هذا الموضوع بأن الحق المطلق قد تم إعلانه بوضوح في المسيحية.
ولم ترفضوا رأيي، بل طلبتم أن أشرح القصة من بدايتها. وسأبذل كل الجهد لتلخيصها منذ كلّم الله إبراهيم، وكيف تطوّر دين إبراهيم حتى بلغ حدّ الكمال يوم جاء المسيح بتعاليمه المكملة، ثم ظهور الإسلام بتعاليمه. وتاريخ طويل عبر الأزمان. ومن العسير أن نفهم الأديان دون الرجوع إلى تسلسل حلقات هذا التاريخ وتناول كل مرحلة منه بالدراسة، ولا سيما تلك التي اقترنت بظهور دين جديد، ومعرفة مدى احتياج البشر لتعاليمه ومدى جدواه ونفعه على الإنسان. هل يحمل له الخير والصلاح لفائدته؟ وما هو الجديد الذي أضافه هذا الدين للإنسانية؟ وهل هي إضافات إيجابية بنّاءة، أم سلبية هدّامة؟ وهل حقيقة أن كل الأديان الموجودة حالياً هي سماوية نازلة من السماء لهداية البشر، أم أن بعضها من صنع الإنسان لتحقيق أرباح وأهداف دنيوية؟ ثم ما هو المقياس للحكم على مصداقية هذه الأديان؟
إنها أسئلة كثيرة تدور في الأذهان كلما جاء ذكر حديث الإنسان والأديان. ونشكر الله الذي أوجد في داخل الناس ضمائر تستطيع وضع معايير لاستيضاح كوامن الأشياء وإجلاء عناصرها، فتعرف الفارق بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنور والظلمة، فتستطيع أن تفاضل بينهما – هذا إن بقيت هذه الضمائر نقية ولم تتلوّث بالأكاذيب والضلالات. كما أن عقولنا أيضاً تستطيع أن تعي وتفرّق بين ما هو نور وما هو ظلام، ما هو فوق وما هو أسفل. ويعرف الناضجون يقيناً أن الله كامل قدّوس، يدعو عباده إلى القداسة والكمال والمحبة والصلاح والسلام والحرية والخير المطلق. ويعرفون أيضاً أن للإنسان نقائص قد تجنح به إلى الشر وارتكاب الموبقات.
وشتّان ما بين الله الكلّي الصلاح والإنسان المليء بالنقائص! على هذا المعيار يكون مقياسنا ثم حكمنا على ما هو من الله، وما هو من الإنسان. وقد قال السيد المسيح، وهو يتناول هذا الأمر: "احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة. من ثمارهم تعرفونهم"(متى 15:7 و 16).
ويؤكّد الوحي الإلهي هذه الحقيقة، فيقول: "أيها الأحباء لا تصدقوا كل روح بل امتحنوا الأرواح هل هي من الله لان أنبياء كذبة كثيرين قد خرجوا إلى العالم"
( 1 يوحنا 1:4). نعود إلى مقولة المسيح البليغة: "من ثمارهم تعرفونهم" (متى 16:7).
يا لها من جُملة مفيدة! ويا له من جواب شافٍ نحكم به على مصداقية أصحاب الرسالات والديانات! وقد قال الحكماء أيضاً في هذا الصدد: " لا يأتي من الذئب سلام"، لأنه ذئب. وليس السلام من طباع الذئاب!
نعم، من ثمارهم تعرفونهم.
فإذا جاءنا إنسان وقال إنه رسول مُكلّف برسالة لهداية البشر، وجب علينا دراسة فحوى رسالته وتحليل تعاليمها ومعرفة مدى توافقها مع كمال الله وصلاحه، وإن كانت تحمل إضافات جديدة سامية تسمو بالإنسان وترتقي به إلى مستوى أفضل. وهل تتماشى وتتناسب مع التطور الفكري والروحي الذي بلغه الإنسان حال وصول هذه الرسالة الجديدة أم لا؟ وهل هذا الرسول المرسل يسلك في حياته سلوكاً محموداً، كقدوة حسنة يُحتذى بها لاتّباعها؟ هل هو عفيف؟ هل هو وديع مسالم؟ هل يصبر على المكارة؟ هل يقابل الإساءة بالإحسان؟ هل هو بعيد عن المجد الذاتي والمفاخرة؟ هل هو عازف عن مباهج الدنيا؟ هل هو غير ميّال للنساء؟ هل هو غير محب للملذّات الحسيّة؟ هل هو رجل سلام؟ هل يداه لم تتلطّخا بالدماء؟ هل ينادي بمملكة سماوية قوامها التقوى والصلاح والمحبة والسلام؟ هل يبغض الممالك الأرضية القائمة على المطامع وتحقيق الأرباح وسفك الدماء والإغارة على الآمنين وسبي الأطفال والنساء وسلب الغنائم وممتلكات الآخرين؟
فإذا كانت رسالة هذا الرسول تحمل إضافات جديدة تسمو بالإنسان، وإن كان هذا الرسول صالحاً بالإجمال، وإذا توافرت فيه هذه الشروط وهذه الصفات الحميدة، وجب على الإنسان قبول رسالته وتصديقها، واتّباعها هي وصاحبها، والاقتداء به كمدرسة للفضائل والتعاليم السامية.
أما إذا لم يأتِ هذا الرسول بشيء جديد، ولم تقدّم رسالته أية إضافات لم يسبقه إليها أحد من الرسل السابقين، وإن لم يكن على خلُق خليق بالأنبياء المرسَلين، ولم تتناسب رسالته مع روح عصره ومع ما بلغه الإنسان من تقدم ونضج ديني وروحي وعصري وعقلي، وإذا كانت تعاليمه مبتورة مشوّهة تعود بالإنسان إلى عصور الجهل والتخلّف والعودة للوراء، وجب على أصحاب العقول الناضجة رفض هذه الرسالة المزيّفة، ورفض هذا النبي الكاذب والذي يشهد على كذبه عمله الرديء.
وغنيّ عن التعريف أن الله سبحانه وتعالى لا يرسل الأردياء والقتلة والشهوانيين لهداية البشر.
لذلك فالله لا يرسل إلا الصالحين لهداية الطالحين .
أما إبليس فأنه يرسل الطالحين لإفساد الصالحين !!!
في ذلك العصر كان إبراهيم، أبو الأنبياء وخليل الله، يعيش في أور الكلدانيين – حاران بالعراق. أمره الله أن يترك وطنه وأرضه وعشيرته ويذهب إلى كنعان – فلسطين. فأطاع، واصطحب معه زوجته سارة وابن أخيه لوط. ورحل الثلاثة إلى أرض كنعان في فلسطين. وهناك بشّره الله بولادة اسحق الذي سيكون ابناً للوعد الإلهي، الذي من نسله تخرج كل الأنبياء وتتبارك كل شعوب الأرض. ولكن سارة شكّكت في إمكانية حدوث هذه الولادة، خاصة وهي عجوز وزوجها كهل. مما جعلها تطلب من زوجها أن يتزوج من جاريتها "هاجر" لعله ينجب منها الولد الذي وعد به الله. وأنجبت هاجر ابناً أطلقوا عليه اسم "إسماعيل". وانتهى الأمر بأن أخذت هاجر وليدها وتركت بيت سيّدتها سارة ومولاها إبراهيم وذهبت إلى الصحراء. وبعدها حان وقت إتمام وعد الله لإبراهيم. فحدثت المعجزة، وولدت سارة ابنها الأول والأخير "اسحق". ولما كبر اسحق، تزوج من رفقة، فولدت له عيسو ويعقوب. ولما كبر يعقوب، تزوج وصار له أثنى عشر ابناً، وهؤلاء الأبناء هم الأثنى عشر سبطاً. وكان أشهر هذه الأسباط سبط "يهوذا" الذي نسب إليه اليهود أنفسهم. ومن هذا السبط ظهر المسيح بحسب الجسد. تآمر أبناء يعقوب على أخيهم الأصغر "يوسف"، فألقوه في جب. وبعدها باعوه إلى قافلة باعته بدورها لعزيز مصر. ولكن الله الحنون العادل جعل يوسف هذا أميناً على أرض مصر والشخصية الثانية بعد الفرعون مباشرة. وحدثت مجاعة في كل الأرض عدا مصر. فجاء اخوته يلتمسون من خيرات مصر. وتعرّف عليهم يوسف وأكرمهم، واستدعى بقية اخوته وعشيرته. فأقاموا في مصر وكثروا جداً. وخاف فرعون من تهديدهم لسلامة مملكته، فأمر بتعذيبهم. في ذلك الوقت ظهر بين اليهود "موسى" الذي كلّفه الله بمهمة جمع اليهود وإعادتهم مرة أخرى إلى موطنهم من حيث جاءوا. وخرجوا من مصر بعد عدة معجزات عملها الله معهم لحمايتهم من فرعون وجيوشه المطاردة.
ومكث الشعب اليهودي هائماً في الصحراء مدة أربعين سنة أنزل الله لهم خلالها الوصايا العشر والشريعة. وهو أول قانون إلهي مكتوب أُنزل إلى الناس. ورغم ذلك خالف اليهود تلك الشريعة الإلهية، وعبدوا العجل. مما أنزل غضب الله عليهم، فلم يسمح بدخول أحد من ذلك الجيل إلى أرض كنعان – التي هي اليوم فلسطين، أرض الميعاد. واختار الله موسى إلى جواره. فكان عصر موسى وخروج بني إسرائيل من مصر يدور في الفترة الزمنية (1390- 1350ق م).
وبعد موسى، قاد يشوع بن نون الشعب (1350-1300 ق م). ( أنظر سفر يشوع بن نون في العهد القديم بالكتاب المقدس ) وبعد موت يشوع حكم البلاد قضاة كانت مهمتهم تنفيذ الشريعة وفضّ المنازعات.( أنظر سفر القضاة أول وثان ) لكن بني إسرائيل كانوا يميلون إلى حكم الملوك.فكان أول ملك عليهم هو "شاول".
ثم خلفه "داود". فكان حكم شاول من 1025-1000 ق م. وحكم داود من 1000-965 ق م. وقد قاد هذا النبي العظيم شعبه أفضل ما تكون القيادة.
وكان روحانياً جداً. ترك مزاميره للإنسانية لتستفيد منها كأروع مدرسة للصلاة والمناجاة والحب والالتصاق بالله والثقة والاحتماء به.
وهي أكبر دليل على عمق صلته بالرب. وبعد موته، خلفه ابنه "سليمان"، الذي حكم من 965-931 ق م. ولُقّب بالحكيم نظراً للحكمة التي أخذها من الله. وصارت مملكته قوية. وفي عهده تم بناء الهيكل. ولكنه بالرغم من السنين التي عاشها في المجد وفي الإيمان بالله، إلا أنه تزوج من بنات أجنبيات أملنَ قلبه إلى عبادة الأصنام.
وبسبب هذا السقوط الروحي تفككت مملكته؛ وإن كان قد تاب في آخر أيامه. ويؤكد سفر الجامعة والنشيد حقيقة توبته.
ولما مات سليمان، خلفه ابنه "رحبعام" الذي حكم من 931-913 ق م. ولما لم يكن حكيماً، تدهورت المملكة وانقسمت. فنشأت مملكة أخرى في الشمال عاصمتها السامرة، والتي أغار عليها فيما بعد (سنة 733 ق م) سرجون الأشوري وسباها. أما سبط يهوذا الذي ملك عليه رحبعام هو مملكة يهوذا في الجنوب وعاصمتها أورشليم. ثم جاء البابليون بقيادة نبوخذ نصّر سنة 586 ق م وخرّبوا مملكة يهوذا، وهدموا هيكل سليمان، وأخذوا الشعب اليهودي كسبايا إلى بابل – العراق.
وذاق الشعب اليهودي أشدّ الويلات خلال فترة السبي..حتى سمح لهم أخيراً كورش الفارسي، الذي كان قد استولى على مملكة الكلدانيين، بالعودة مرة أخرى إلى بلادهم. وكان ذلك سنة 443 ق م. أي بعد مضيّ سبعين سنة من السبي. وقادهم في العودة "نحميا"، المدعو "زربابل"، و"عزرا". وتم إعادة تشييد أورشليم مرة أخرى في عام 538 ق م. وبقيت أورشليم خاضعة لحكم مملكة فارس منذ حوالي عام 539 وحتى 330 ق م. وبعدها قام اليهود بحكم أنفسهم. ثم تحطّمت الإمبراطورية الفارسية على يد "الاسكندر" الأكبر سنة 330 ق م. وهو الذي استطاع فرض كامل سيطرته على مصر وسائر الشرق الأوسط. ثم مات الاسكندر عام 323 ق م، وخلفه في الحكم "بطليموس".
ومضى التاريخ حتى وقعت اليهودية تحت سيطرة "سيلوسيدس" الانطاكي. ولكن حدث عام 198 ق م أنّ "أنطيوكس" هزم المصريين، فقام سيلوسيدس الانطاكي بفرض الفلسفة الهيلينية. وحاول تحطيم الديانة اليهودية. وأمر بإعادة الآلهة اليونانية، ومارس ضغوطاً شديدة على الشعب اليهودي الذي تمسّك بعبادته وقام بثورة عارمة بقيادة كاهن الهيكل "متتياس". وتمّت حركة التمرّد هذه بالتدريج إلى أن نجحت أخيراً بتأسيس دولة اليهود المستقلّة. فتم حكمها بواسطة متتياس وأولاده (المكابيين) حتى عام 37 ق م، بعد اجتياح القوات الرومانية للشرق الأوسط.
وبلغت هذه القوات أسوار أورشليم سنة 63 ق م بقيادة القائد الروماني الشهير "بومبي". وتم تنصيب هيرودس أغريباس الأول سنة 39 م، بعد مجيء المسيح بولادته الإعجازية. وبميلاد السيد المسيح انتهى العهد القديم وبدأ العهد الجديد. وكان آخر صوت من ذلك العهد القديم هو صوت "يوحنا المعمدان"، الملقّب ﺑ"يحيى" في القرآن. والذي بشّر بمجيء السيد المسيح، قائلاً عنه: " أنا أعمّدكم بماء للتوبة. ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني الذي لست أهلا أن أحمل حذاءه. هو سيعمدكم بالروح القدس ونار". (مت 11:3 و يو 35:1).وحدث أن "هيرودس (الثاني) أنتيباس" تزوج من امرأة أخيه، واسمها "هيروديا". مما جعل يوحنا ينذر بتجاوزاته غير عابئ بنفوذ الملك. وتدهور الأمر حتى طلبت "سالومي" ،ابنة هيروديا ،من الملك أن يعطيها رأس يوحنا المعمدان!!! واستجاب لها الملك، وأمر بقطع رأسه.
فكان شهيد الحق. ويعتبر يوحنا المعمدان حلقة الوصل بين العهدين: القديم والجديد.
وبعد…
فهذه لمحة خاطفة عن موجز تاريخ اليهود كأول شعب في التاريخ توصّل إلى معرفة الله الحقيقي وآمن بوجوده ووحدانيته.
كما نزل على أرضهم كل الأنبياء. بل وتميّزوا عن بقية الشعوب (بمن فيهم الشعوب العربية) بأنه من نسلهم فقط سيأتي الأنبياء.
ومعاً سنستعرض ما يقوله القرآن في هذا الخصوص:
·
"يا بَنِي إِسْرَائِيلَ أذْكُرُوا
نِعْمَتِي الّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمينَ"
(سورة البقرة 47:2).
· "وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقوبَ كُلاًّ هَدَيْنا" (سورة الأنعام 84:6).
· "وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيّاً" (سورة مريم 49:19 و 50).
· "وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقوبَ وَجَعَلْنا في ذُرِّيّتِهِ النُبُوَّةَ والكِتابَ وَآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا وَإِنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحينَ" (سورة العنكبوت 27:29).
· "وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ" (سورة الأنبياء 72:21 و 73).
وقد يطرأ على أذهانكم سؤال خطير، وهو: لماذا لم يُذكر إسماعيل إلى جانب اسحق وكلاهما من أبناء إبراهيم عليه السلام؟؟؟
ويقول القرآن أيضاً:
· " وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرَائِيلَ الكِتابَ هُدىً وَذِكْرى لأُولي الأَلْبابِ" (سورة غافر 53:40 و 54).
وقد خرج من الشعب اليهودي أعظم البشر من حيث التقوى والإيمان والقداسة. فمنهم على سبيل المثال لا الحصر :
نوح وإيليا وموسى وداود وسليمان وزكريا ومريم ويوحنا – يحيى.
ومن هؤلاء أيضاً جاء السيد المسيح - بحسب الجسد- وأشرق بنوره على العالم الذي كان يجلس في الظلمة منتظراً !!!
وقد عانى الشعب اليهودي مراراً من الوثنيين عبدة الأصنام بسبب إيمانهم بالله الواحد. ولذلك عاملهم الله معاملة خاصة كشعب مختار. حتى القرآن رغم عدائه لليهود بشكل عام، إلا أنه يعترف بهذه الخصوصية. ولا يوجد شعب من الشعوب أخذ مثل هذا المجد العظيم، منذ بدء الخليقة وحتى مجيء المسيح. ولما رفضوا الإيمان بالمسيح، تحوّل مجدهم وآل إلى غيرهم. لقد بدء الله معهم بوصايا بسيطة وسهلة التطبيق نسبياً. فأنزل الوصايا العشر. وهي بمثابة أبجديات الإيمان القويم. واستعمل معهم ذلك الأسلوب التدريجي، ناظراً إلى الطفولة البشرية وتحجّر قلب الإنسان وجمود فكره آنذاك، وتدرّج العبادة من الشكل إلى الجوهر ومن الحرفية إلى الروح. لكن شعب إسرائيل رفض التدرّج والتحوّل والترقّي والنضج عندما رفض شريعة المسيح. وعن هذه الشريعة يقول عباس محمود العقّاد، في كتابه
"حياة المسيح"، ص 129:
" لقد أكمل السيد المسيح شريعة الناموس. فالناموس عهد على الإنسان بقضاء الواجب. أما الحب فيزيد على الواجب ولا ينتظر الجزاء. بهذه الشريعة – شريعة الحب – نقض المسيح كل حرف في شريعة الأشكال والمظاهر. وبهذه الشريعة – شريعة الحب – رُفع الناموس صرحاً يطاول السماء، وثبّت له أساساً يستقر في الأعماق".
بل وحتى شريعة الناموس، السهلة نسبياً، صارت عبئاً على ذلك الشعب !!!
وقد بدأ الناموس بهذه الوصايا العشر التي يعود تاريخها إلى القرن الثالث عشر ق م. أي قبل ظهور الإسلام بنحو 2000 سنة.
وهي من أقدم الوصايا الإلهية المُنزلة للبشر. وتبدأ هذه الوصايا بوحدانية الله المطلقة وعدم السجود والعبادة لغيره. ثم تستعرض بقية الأخلاقيات العامة. وإليكم هذه الوصايا كما أُنزلت:
1- لا يكن لك آلهة أخرى أمامي.
2- لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مّما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض. لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ. لاني أنا الرب إلهك إله غيور افتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضيّ. وأصنع إحساناً الى ألوف من محبيّ وحافظي وصاياي.
3- لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً لأن الرب لا يُبرّئ من نطق باسمه باطلاً.
4- أذكرْ يوم السبت لتقدّسه. ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك. وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك. لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك. لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها. واستراح في اليوم السابع. لذلك بارك الرب يوم السبت وقدّسه.
5- أكرمْ أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك.
6- لا تقتل.
7- لا تزنِ.
8- لا تسرق.
9- لا تشهد على قريبك شهادة زور.
10- لا تشتهِ بيت قريبك. لا تشتهِ امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما لقريبك" (خروج 3:20-17).
وتوالت التشريعات المتطابقة مع تشريعات القرآن، مثل: "إن حصلت أذية تعطي نفساً بنفس، وعيناً بعين، وسنّاً بسنّ" (خروج 22:21 و 23). ثم تم النهي عن أكل الميتة والمخنوق...
إلى آخر التشريعات التي أخذها الإسلام عنهم، مثل رجم الزاني المتزوج وجلد غير المتزوج. وهي تشريعات كانت تناسب عقلية الإنسان البدائي الأول، والذي كان يعيش في عصور ما قبل الميلاد. ومع التطور الذهني للإنسان، بدأ الله يُنزل إليهم وصايا مناسبة تتماشى مع ما آل إليه مستواه من تقدّم ورقيّ. فكان البشر أسبه بطفل يحبو، والله يعامله برفق كما يعامل الأب أطفاله الصغار. وكلما كبر الطفل، علّمه أبوه أشياء جديدة تناسب إدراكه وتجعله معتمداً على نفسه تدريجياً.
وهكذا نرى أن الوصايا المنزلة لليهود اتّخذت عدّة أطوار:
بدأت بوحدانية الله ووجوب العبادة له وعدم الشرك به، ثم تطورت إلى تنظيم المعاملات والحياة العائلية وتهذيب السلوك العام ، مروراً بكيفية الصبر على البلاء والابتلاء واحتمال الضيقات والتجارب، كما جاء في سفر أيوب (القرن العاشر قبل الميلاد). ثم رفعهم الله إلى مستوى الصلاة الروحانية ذات العمق والحرارة القلبية والمناجاة والتمسك بالرب كطوق وحيد للنجاة، كما ورد ذلك بوضوح في مزامير داود النبي التي هي بحق أروع مدرسة للمناجاة والصلاة (القرن الخامس قبل الميلاد).ثم قفز الله بعقولهم وقلوبهم قفزة هائلة حينما عرّفهم سموّ الأدب والفلسفة والحكمة، وأن "رأس الحكمة هي مخافة الله" (مزمور 10:111)، و "إن لم يبنِ الرب البيت فباطلا يتعب البنّاؤون" (مزمور 1:127). ثم ارتفع الله ببصائرهم ليدركوا أن "الكل باطل وقبض الريح، ولا منفعة تحت الشمس" ما دام الإنسان بعيداً عن الله، كما جاء في سفر الجامعة لسليمان الحكيم. وسفرا الأمثال والجامعة في التوراة هما معجزة أدبية بكل المقاييس. ويضاف على هذين السفرين سفر ثالث هو "نشيد الأنشاد"،والذي يُعدّ تطوّراً كبيراً في محاولة فهم العلاقة الحميمة بين الله والبشر. وهو ملحمة شعرية مليئة بالمعاني والرموز العميقة. وهكذا ظلّ الله يرسل للشعب اليهودي وصاياه وتعاليمه وشرائعه بالتدريج.
وخلال ذلك كان يُنبئهم بحدوث الخلاص المنتظر في مجيء المسيح الذي سيحمل كل خطاياهم وخطايا العالم ويُنشئ معهم عهداً جديداً يحتوي على أسمى تعاليم عرفها البشر.
فأوحى إلى أنبيائه أن يتنبّأوا بهذا المجيء العظيم. فتنبّأ داود النبي، وإشعياء، وأرمياء، وحزقيال، وميخا، وزكريا، وملاخي. وتحدّثوا عن مولده الإعجازي من عذراء، وعن فحوى رسالته. وقد تحقّقت كل تلك النبوءات التي قيلت في هذا الصدد، رغم أنها قيلت قبل حدوث هذا المجيء العظيم بمئات السنين
وفي ملء الزمان جاء المسيح .. ,احدث مجيئه دوياً عظيماً .. جاء السيد المسيح بالحب في مواجهة قوة وبطش الرومان .. ومعنا نستعرض ما قاله المفكرون المسلمون في العصر الحديث عن عظمة المسيح ، وذلك قبل أن نورد شهادة الكتاب المقدس ، وشهادة القرآن ، وشهادة التاريخ ذاته :
يقول المفكر الإسلامي الأستاذ : أحمد حسين هيكل في كتابه ( تاريخ الإنسانية ) ص 130 ما يلي :
((( ليس في العالم اليوم إنسان واحد يقرأ ويكتب لم يسمع باسم المسيح ، فالبشرية اليوم في مجموعها تؤرخ بتاريخ ميلاده ، حتى المسلمين الذين كانوا طوال ثلاثة عشرة قرناً يؤرخون بتاريخ هجرة نبيهم محمد … قد اصبحوا في التاريخ الحديث يستعملون التاريخ الميلادي كذلك دون أن يروا أن في ذلك غضاضة ، لأنهم بدورهم يؤمنون بولادة المسيح المعجزة )))) . ثم يورد في صفحة 113 من نفس الكتاب ما يلي :
((( .. وليس كتابنا هذا خاصاً بإثبات شخصية المسيح ، وحسبنا أن القرآن وما قبله أي الإنجيل يتحدث عن وجوده ، ولنا الحقيقة المادية الثابتة، وهي أن وجوده ، أحد معالم الاجتماع الإنساني الذي لآثر ولا يزال يؤثر في مئات الملايين من البشر قرابه عشرين قرناً من الزمان )))
ثم يقول في ص 124 :
((( وعندي أن معجزة المسيح الكبرى التي تصدع العقل البشري وتضطره إلى التسليم بأنطواء شخصه على سر يستعصي على التحليل العلمي هو هذه الحياة المتناهية في الصغر مع عظمة التأثير الذي أحدثته في تاريخ البشر. فكم شهد التاريخ أشخاصاً دعوا إلى الحق والفضيلة والاستقامة والخير ودفعوا حياتهم ثمناً لدعوتهم، ومع ذلك لا يكاد يذكرهم إنسان. وكم امتلأ التاريخ بالملوك العظام والقياصرة والغزاة والفاتحين والعلماء والفلاسفة، ومع ذلك لم يسجّل التاريخ لواحد منهم أثراً باقياً في نفوس مئات الملايين كما يسجّل للمسيح")))؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
ويقول عباس محمود العقّاد في كتابه "حياة المسيح"، ص178:
((( ومن الحق أن نقول إن معجزة المسيح الكبرى هي هذه المعجزة التاريخية التي بقيت على مرّ ولم تنقضِ بانقضاء أيامها في عصر الميلاد: رجل ينشأ في بيت نجار في قرية خاملة بين شعب مقهور، يفتح بالكلمة دولاً تضيع في أطوائها دولة الرومان،ولا ينقضي عليه من الزمن في إنجاز هذه الفتوحات ما قضاه الجبابرة في ضمّ إقليم واحد قد يخضع إلى حين ثم يتمرّد ويخلع النير ولا يخضع كما خضع الناس للكلمة بالقلوب والأجسام. وتمّ على يده نقيض ما يتم على أيدي الوثنية في صولتها وسلطانها. فإن الوثنية تتغلّب لأنها دين الدولة الغالبة.
أما هذه الرسالة، رسالة الملكوت السماوي، فقد نشأت في عشيرة قبيلة ذليلة تحكمها تارة دولة الرومان الغربية وتارة دولة الرومان الشرقية. فلم يمضِ سوى أجيال معدودات حتى غزت الدولتين واستولت على العاصمتين. وصحّ ما رووه عن "جوليان" – سواء قاله أم لم يقلْه – وانتصر المسيح بملكوته السماوي على ممالك القياصرة، وضمّ القياصرة إلى حاشيته. فمنه يأخذون ما أخذوه باسم قيصر وما أخذوه باسم الله )))
أما عن حالة العالم قبل المسيح، فبالإضافة لما ذكره الوحي الإلهي في الإصحاح الأول من رسالة بولس إلى أهل رومية، نضيف الآتي :
"كان العالم غارقاً في الوحشية والطغيان والفساد والفجور والانحلال والضلال.
فلا رحمة ولا أخلاق، ولا ضمير ولا دين، ولا عقل يهدي إلى حقيقة أو يقين
(أنظر كتاب "العالم قبل المسيح"، للأستاذ المؤرخ زكي شنوده المحامي).
وقبل أن نورد حدث الميلاد الإعجازي للمسيح، نطرح هذا السؤال الهام :
هل المسيح مخلـوق؟
من المعروف أن الله خلق الإنسان الأول ، الذي هو آدم، من تراب. ومن بعد آدم صار الخلق يتم بالتزاوج والتناسل.
والقرآن يعترف بهذه الحقيقة، ويشرح لنا كيفية خلق الإنسان الأول كسلالة من طين: " وَلَقَدْ خَلَقْنا الإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ" (سورة المؤمنون 12:23).
ثم بقية البشر عن طريق التناسل بادئاً بنطفة الرجل، وخلقها - علقة - ثم - مضغة- ثم - عظاماً - ثم - لحماً - " ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً في قَرارٍ مَكينٍ"
(سورة المؤمنون 13:23). وبذلك وضّح لنا الله – بحسب شهادة القرآن - كيفية خلقه للإنسان، بدءاً بحفنة من تراب نفخ فيه الله فتم خلق آدم.ومن آدم أخذ الله ضلعاً من ضلوعه فخلق منه حواء. وما جاء بعدهما من بشر ، تمّ خلقهم بواسطة المعاشرة الزوجية والإنجاب. وهكذا تحوّل الخلق من التراب والنفخ فيه ، إلى وسيلة أخرى وهي التناسل .بذلك يتّضح لنا أن خلق الله للإنسان اتّخذ شكلين لا ثالث لهما :
الأول لم يتكرّر ، وهو الخلق المباشر من الطين ( كما في حالة آدم )
والثاني الخلق بواسطة الزواج.
الشكل الأول: قام به الله مع آدم فقط.
الشكل الثاني: قام به الله مع سائر البشر.
هذه هي قوانين الخلق منحصرة في هاتين الطريقتان .
فهل تمّ خلق المسيح من تراب مثل آدم ؟
أم تمّ خلقه بزواج الذكر بالأنثى ؟
الإجابة واضحة ومعروفة للجميع. فإنه، له المجد، لم يُخلق..بل جاء للعالم. وكما صرّح القرآن: "روحُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ" (سورة الأنبياء 91:21 وسورة آل عمران 45:3)
فلا تراب في الموضوع ، ولا زرع رجل ، بل جاء مباشرة من الله نظراً لكونه كلمة الله ، وروحاً منه ، وكلمة الله وروحه غير منفصلتان عنه..بل هما الله ذاته (روحه..وكلمته)؛ (انظر سورة النساء 171:4 وسورة التحريم 12:66). ولأن الله طاهر فلا بد أن يكون روحه كذلك طاهرة . والقرآن يشهد لطهارة المسيح المطلقة، ويقول إنه عندما جاء الملاك لمريم البتول قال لها: "أَنا رَسولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً" (سورة مريم 19:19). والزكي هو الشخص الطاهر الذي لا عيب فيه والخالي من الذنوب. ويقول القرآن على لسان أم مريم: "وَإِنّي أُعيذُها بِكَ (يقصد مريم) وَذُرِّيَّتَها (أي المسيح) مِنَ الشَيْطانِ الرّجِيمِ" (سورة آل عمران 36:3).
ويؤكّد "الجلالان" هذه الحقيقة بهذا الحديث: "ما من مولود إلا ومسّه الشيطان حين يولد فيستهلّ صارخاً، إلا مريم وابنها" (رواه الشيخان).
في الوقت ذاته يعترف القرآن ببشرية الأنبياء وضعفهم.
ففي (سورة الضحى 93) يعاتب الله محمداً على ضعفه، ويذكّره بماضيه الخاطئ وبفضل الله عليه، فيقول له : "أَلَمْ يَجِدْكَ عَائِلاً فَأَغْنى
(أي كان محتاجاً ومعوزاً فسدّ أعوازه بزواجه من خديجة الثرية) وَوَجَدَكَ ضالاًّ فَهَدى؟ (أي شارداً، والمعنى أنه كان غير مؤمن لم يهتدِ بعد)"
وفي (سورة الشرح 94): " أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (الوزر هو الإثم والشرور)الَّذي أنْقَضَ ظَهْرَكَ؟ "
فالخطية إن زادت فهي تدمّر الإنسان وتُحني نفسيّته. والمُراد هنا هو حالة انغماس في الشر يُشبّه بها بانحناء الظهر.
هذا عن محمد وبقية الأنبياء .
أما عن المسيح فالوضع مختلف تماماً !!!
فقد أعطاه القرآن من الصفات ما لم يُعطهِ لآخر مهما علت درجته. والعجيب أن القرآن بينما يجعل عملية الخلق لله وحده، وذلك بقوله: "أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرونَ" (سورة النحل 17:16)؟
وقوله أيضاً في نقس السورة : "وَالَّذينَ يَدْعونَ مِنْ دونِ اللهِ لا يَخْلُقونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقونَ" (سورة النحل 20:16)،
نراه يعود ويعطي للمسيح صفة الخلق، رغم أنها من خصائص الله وحده، فيقول على لسان المسيح:
"أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطينِ...فَأَنْفُخُ فيهِ فَيَكونُ طَيْراً" (سورة آل عمران 49:3).
أي أن المسيح يستطيع أن يخلق وينفخ الروح المحييّة. وهو ما عمله الله عندما خلق آدم!
المسيح يخلق من الطين..والقرآن يقول عن الله : "هُوَ الَّذي خَلَقَكُمْ مِنْ طينٍ" (سورة الأنعام 2:6).
وبينما ينسب القرآن مسألة إحياء الموتى لله وحده، وذلك بقوله: "إِنّا نُحْيِي المَوْتَى" (سورة يس 12:36، سورة الروم 50:30، سورة يونس 56:10)
نراه ينسب هذه الصفة العظيمة للمسيح، وذلك بقوله على لسانه: "وَأُحْيِي المَوْتَى" (سورة آل عمران 49:3).
وفي الوقت الذي ينسب القرآن معرفة الغيب لله وحده، وذلك من قوله:
"إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمونَ"(سورة البقرة 32:2)
"عَالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً " (سورة الجن 26:72)
"وَعِنْدَهُ مَفاتيحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ" (سورة الأنعام 59:6).
ورغم ذلك نرى القرآن يعود فينسب هذه الصفة الإلهية للمسيح، وذلك بقوله على لسانه: "وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلونَ وَما تَدَّخِرونَ في بُيُوتِكُمْ" (سورة آل عمران 49:3).
ويلاحظ أنك لو قارنت كلاً من القولين، قول الله وقول المسيح، لاتّضح لك أنهما ليسا لاثنين بل لواحد فقط. وإليك مقارنة بين القولين:
يقول الله: إنّا نحيي سورة يس
12:63
يقول المسيح: وأُحيي الموتى آل عمران 49:3
يقول الله: وأعلم ما تبدون وما
تدخرون البقرة 32:2
يقول المسيح: وأُنبئكم بما تأكلون وما
تدخرون في بيوتكم آل عمران 49:3
يقول الله: هو الذي خلقكم من طين الأنعام 2:6
يقول المسيح: وأخلق لكم من الطين آل عمران 49:3
كما انفرد المسيح بأنه:
كلمة الله النساء 171:4،
والتحريم 12:66
ويُحق الحق بكلمته ولو كره المجرمون يونس 82:10
روح الله النساء 171:4
والتحريم 12:66
شهيد يوم القيامة النساء 159:4
رسالته هدى ورحمة للعالمين مريم 21:19،
والمائدة 46:5،
وآل عمران 4:3
المؤيَّد بالروح القدس المائدة
110:5،
والبقرة 87:2
و253
صاحب الكتاب المنير آل عمران 184:3
وجيهاً في الدنيا وفي الآخرة آل عمران 45:3
من أنباء الغيب آل عمران 44:3
من المقرّبين للذات الإلهية آل عمران 45:3
المرفوع حيّاً إلى السماء آل عمران 55:3
الطاهر الذي بلا خطية آل عمران 19:19
جاء بالحكمة الزخرف 63:43
من علامات قيام الساعة الزخرف 61:43
آية للعالمين مريم 21:19،
والمؤمنون
50:23،
والأنبياء
91:21
عدم مسّه من الشيطان دون سائر البشر آل عمران 36:3
موته وقيامته ورفعه حيّاً إلى السماء مريم 33:19
السلام له أينما كان مريم 33:19
ربوة وذات قرار ومعين المؤمنون 50:23
عنده علم الكتاب والحكمة والتوراة
والإنجيل المائدة 110:5
مصدر الحياة الإمام البيضاوي[1]
الحَكَم العادل صحيح مسلم
أخرجه
البخاري ج2ص458
سيطرته على الشيطان مختار مسلم بشرح
النووي ص571
بقاؤه حيّاً ومجيئه الثاني لقتل الدجّال تفسير
الرازي
جزء 2 ص 458
خلوُّه من الذنوب تفسير البيضاوي
جزء 2 ص157
ملك السلام رواه الإمام
أحمد
في مسنده 3/406
وبعد...
فهذا ما شهد به القرآن وما شهدت به الأحاديث عن عظمة المسيح.
وإليكم ما يقوله الكتاب المقدس عن مولد المسيح:
فقال لها الملاك: لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمةً عند الله. وهاأنت ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع. هذا يكون عظيماً وابن العليّ يُدعى ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه. ويملك على بيت يعقوب الى الأبد ولا يكون لملكه نهاية. فقالت مريم للملاك: كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً. فأجاب الملاك وقال لها: الروح القدس يحلّ عليك وقوة العليّ تظلّلك فلذلك أيضا القدّوس المولود منك يُدعى ابن الله" (لوقا 30:1-35).
قال: "السلام عليك يا من أنعم الله عليها. ربّك معك. مباركة أنت في نساء العالمين". ففزعت مريم حيرى ما عسى هذا السلام أن يكون. قال: "لا تخافي. رضي الله عنك. سيهبك غلاماً اسمه عيسى، وجيهاً في الدنيا والآخرة، وابن العليّ يدعونه.فلقد أعطاه الله عرش سلفه داود ملكاً على قومه أبداً، وليس لملكه نهاية المالكين". قالت: "أنّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر؟". قال: "بروح الله تحملين طفلك، وزكيّاً يكون". (سيرة المسيح بلسان عربي فصيح ص8 عدد 14-18).
سبحان الذي ألقى بكلمته إلى الناس نصراً لهم ليُخرج أصحاب الظلمات إلى النور ولو كره الجاهلون.
إنما عيسى كلمة الله من الأزل تمثّل لنا بشراً، وكنّا لمجده مبصرين (سيرة المسيح بلسان عربي فصيح ص5 عدد 1-3).
هكذا المسيح كلمة الله وروح منه.
جاء إلى العالم حاملاً معه أعظم تعاليم ظهرت في الوجود. وإليكم قبساً من تعاليمه المحببة الداعية إلى المحبة المطلقة والسلام الكامل ونبذ الخصومة والكراهية والاقتتال. تلك التعاليم التي جعلت مسلماً يقول:((( من حق المسيح علينا، خاصة في هذه الأيام التي طغت فيها الماديّة وامتلأت النفوس بالشهوات والأحقاد وتعالت الصيحات من كل جانب تدعو إلى الانتقام والبطش والإرهاب، أن نستمع إلى موعظته فوق الجبل )))
(تاريخ الإنسانية – أحمد حسين ص135).
أسباب ظهور القوة العسكرية الإسلامية
وغزوها لبلدان العالم
لمحة تاريخية:
هناك عوامل كثيرة أدّت إلى ظهور القوة العسكرية الإسلامية كقوة إقليمية فرضت هيمنتها على العالم، والذي كان وقتها يتكوّن من قوّتين عظيمتين تمثّلان "الإغريق" ومن بعدهم "الرومان" من جهة الغرب و"الفرس" من الشرق. وقد بدأ هذا الصراع منذ القدم. وكان أشهر الصراعات التي ظهرت على سطح التاريخ في سنة 490ق م فيما يسمّى بمعركة "ماراتون" بين اليونانيين والفرس. ثم تلاها معركة "سلاميس". وقد كانت السيطرة دائماً للإغريق "اليونان"، حتى بعدما اتّسعت تخومها إلى أقصى مدى لها في عصر "الإسكندر الأكبر" (356-323ق م). ثم برزت فكرة إخضاع العالم كله للإغريق. وكان الإسكندر الأكبر رجل حرب ماهراً، استطاع قهر العالم القديم كله. كان فيلسوفاً من تلاميذ "أرسطو". وقد رأى أن سيادته للعالم خطوة نحو توحيده تحت لواء الثقافة الإغريقية. فبعد توحيد مدن اليونان، قام الإسكندر بحملات إلى سوريا ومصر. واستطاع أن يطرد الفرس ويتعقّبهم، ويهزمهم في عقر دارهم، سواء في آسيا أو في لاهور أو سمرقند أو كابول والهند.
ثم توالت الأزمنة. وقام الفرس بثورة جامحة ضد "السلوقيين"(خلفاء الإسكندر 250ق م). فجاء "يوليوس قيصر" الروماني، واستطاع أن يقوم بدور الإغريق بعد زوال مجدهم. فأصبح الرومان هم السادة الجدد حتى عاد المارد الفارسي لقوّته وسطوته أثناء حكم الأسرة الساسانية التي انتهت في سنة 640م. وخلال قيامها استطاعت أن تحارب الرومان والبيزنطيين مدة أربعة قرون، ونجحوا في ذلك. بل وتمّ إذلال سلطة روما في عصر شاهبور الأول سنة 241-272م، والذي استطاع أسر الإمبراطور "فالريان" أثناء إحدى الغارات. وهكذا كانت الصراعات بين الشرق والغرب:
بدأت بأسباب أجناس وثقافات، ولكنها انتهت بمشكلة دينية. ففي الجزء الأول من القرن السابع الميلادي أفل نجم الدولة الساسانية. ومرت فترة هدوء وتعايش سلمي بين اليونانيين والفرس. ثم قام الفرس مرة أخرى ضد بيزنطية. واستمرت الحروب بينهم حتى تمكّن الفرس من مهاجمة سوريا وفلسطين. واحتلوا دمشق، ثم دخلوا القبر المقدس وقبضوا على البطريرك "زكاريس". وعادوا إلى عاصمتهم حاملين الصليب المقدس معهم وكل أدوات الصلب. ثم توجهوا بعد ذلك لغزو مصر. وبعدها غزوا القسطنطينية من جهة البحر. وكان إمبراطور روما في ذلك الحين هو "هرقل" الذي استطاع الاستيلاء على العرش البيزنطي سنة 610-641م وأحرز عدة انتصارات على الفرس، ثم استطاع أن يسترجع الصليب المقدس وأدوات الصلب من أيديهم. وفي 30 مارس 641 م دخل هرقل أورشليم منتصراً، وحرر القدس من الفرس، وأعاد الصليب المقدس إلى مكانه في الجلجلة، وذلك بعد حروب دامية بينه وبين الفرس. وقد تحاربت الدولتان إلى حد الفناء. وبذلك مهّدتا الطريق لظهور القوة الإسلامية العربية لتصول وتجول وتزحف نحو العالم دون أن يقف أمامها أحد.
الإسلام وتاريخه الدموي
القتل وسفك دماء غير المسلمين واجب مقدس في الإسلام حتى يصبح العالم كله مسلماً يتبع تعاليم هذا الدين الجديد، الذي هو في الحقيقة ليس جديداً بل هو ترديد لتعاليم قديمة متنوّعة من مصادر شتّى أخذها الإسلام ونسبها إلى نفسه وادّعى أنه دين جديد مُنزّل من الله على يد النبي العربي "محمد بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي". وكان هذا النبي في البداية يدعو قومه بالكلمة والموعظة الحسنة ليتركوا عبادة الأصنام ويعبدوا الله الواحد. ولم يكن جميع العرب عبدة أصنام، بل كان منهم "الحنفاء" على ملّة إبراهيم، والبعض الآخر من أهل الكتاب من اليهود، والمسيحيون. وهم ليسوا من عبدة الأصنام. وحتى عبدة الأصنام لم يكونوا يعبدون أصنامهم إلا تقرّباً لله الواحد. وكانوا يقولون: "ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبونا إِلى اللهِ زُلْفى" (سورة الزمر 3:39).
وقد بدأ محمد دعوته السلمية (610-622م) في مكّة. وخلال هذه السنوات لم يحقّق أي نجاح. فخلال ثلاثة عشر عاماً لم يُفلح في ضم سوى مائة وخمسين فرداً إلى دينه الجديد: مائة من مكة، وخمسون من المدينة. وكثير منهم كانوا أقرباء له ومن معارفه. وتم طرده من مكة في 15 يوليو سنة 622م، فذهب إلى المدينة. وهناك تبدّلت اتجاهات دعوته إلى الحروب وإعلان القوة العسكرية. فاستخدم السيف بعدما فشل في سلاح الكلمة. فبدأ في المدينة بتكوين السرايا الحربية. وخلال عشر سنوات قضاها في المدينة، قام بتسعة وعشرين غزوة بالإضافة إلى تسعة وأربعين سرّية. أي بمعدل غزوة حربية كل 45 يوماً، فيها سفك دمٍ وسلب غنائم وسبي نساء شريفات وغلمان أبرياء . وتحوّلت الدعوة من جماعية تؤمن بكل الديانات إلى دعوة مميزة منفردة:
· "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ" (سورة آل عمران 19:3). ثم جاءت تعاليم الجهاد في نشر الدين الجديد بالسيف. وفي ذلك يقول القرآن:
· "يا أَيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ وَالمُنافِقينَ وَاْغْلُظْ عَلَيْهِمْ" (سورة التوبة 73:9).
· "اقْتُلوا المُشْرِكينَ حَيْثُ وَجَدْتُموهُمْ" (سورة التوبة 5:9).
· قاتِلُوا الَّذينَ لا يُؤْمِنونَ بِاللهِ... وَلا يَدينونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذينَ أُوتوا الكِتابَ حَتّى يُعْطوا الجِزْيَةَ وَهُمْ صاغِرونَ" (سورة التوبة 29:9).
· "فَخُذوهُمْ وَاقْتُلوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُموهُمْ" (سورة النساء 89:4).
· "فَإِذا لَقَيْتُمْ الَّذينَ كَفَروا فَضَرْبَ الرِقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُموهُمْ فَشُدُّوا الوَثاقَ" (سورة محمد 4:47).
· "كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ" (سورة البقرة 216:2).
...وهذا عن حديث القرآن.
أما عن أحاديث النبي، فهي كثيرة. وكلها تُظهر فضل القتال حتى على العبادة وإقامة المناسك الدينية. ومنها على سبيل المثال:
1. رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه!!
2. غزوة في سبيل الله أفضل من سبعين حجّة!؟
3. من مات مرابطاً مُجاهداً أجرى الله عليه رزقه في الجنّة!
وبهذه التعاليم المُحرّضة على القتال انتشر الإسلام. حتى أن قارئ السيرة المحمدية (ولا سيما "سيرة ابن هشام"، وهي تهذيب لسيرة ابن اسحق) يروعه أن يرى أن قصة النبي ما هي إلا سلسلة من الحروب والغزوات، حتى يُخيّل إليك أن الحديث يدور حول قائد حربي مُدعّم بقوّاته، وليس نبيّاً مُؤيّداً بالله - الذي هو من أول وأعظم صفاته السلام والرحمة. وقد أشعل محمد نيران الحرب بقتاله مع القبائل العربية، ثم باعتدائه على أهل الكتاب الآمنين من اليهود والمسيحيين العرب. فكان جزاء رفضهم لدينه القتل والسلب والسبي. ومن نجا من القتل تم طرده شرّ طردة. وكل هذا تم باسم الجهاد في سبيل الله لنشر دينه الجديد.
يقول النبي العربي محمد متوعّداً ومهدّداً أهل الكتاب:
"اعلموا أن الأرض لله ولرسوله. وإني أريد أن أجليكم عن هذه الأرض. فمن وجد منكم بحاله شيئاً، فليبعْه. وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله".
وقوله أيضاً : "لأُخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً (انظر صحيح مسلم ج12 ص90-92).
ويدعم القرآن هذه الاعتداءات، فيقول شارحاً إحدى المذابح المروّعة ومُتشفّياً:
"وَأَنْزَلَ الَّذينَ ظاهَروهُمْ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ مِنْ صَياصيهِمْ وَقَذَفَ في قُلوبِهِمْ الرُّعْبَ فَريقاً تَقْتُلونَ وَتَأْسِرونَ فَريقاً" (سورة الأحزاب 26:33).
وبالطبع تم الاستيلاء على ممتلكاتهم وسبى نساءهم وأطفالهم. يذكر "صحيح مسلم بشرح النووي في كتاب الجهاد والسير" ما يلي:
"وقسم رسول الله أموالهم ونساءهم وأولادهم بين المسلمين مما جعل الباقين يعتنقون الإسلام خوفاً من هذا المصير المؤلم".
وهذا ما ذكره صاحب المصدر السابق، حينما أضاف (إلا أن بعضهم لحقوا بالرسول وأسلموا).
ويذكر "الطبري" أن "عمر بن الخطّاب" بعث ﺑ"علي بن أميّة" وأمره بإجلاء النصارى من أهل "نجران"، كوصية رسول الله في مرضه أن
" لا يجتمع في الجزيرة دينان" (انظر الطبري ج3 ص446).
ومن المضحك المُبكي أن يُعلّق صاحب كتاب "الإسلام والقتال" لمؤلّفه "د. أحمد عبد الرحمن" ص61 على هذا البطش الظالم، بهذا التعليق: "فهذا الانتقال[2]
ليس عقاباً!!! ولا اضطهاداً!!! ولكن تنفيذاً لأمر رسول الله (نبي الرحمة)".
ولكن مؤلّفنا هذا يعود مستدرجاً، بعدما استيقظ ضميره، ليقول: "إن هذا الطرد سبّب متاعب كبيرة لمن أصرّ على دينه. وفيه تشجيع لمن أسلم، وتدعيم لموقفه".
بهذه الفتوحات والغزوات انتشر الإسلام.
وبدأت أولى فتوحاته للعالم الخارجي بعيداً عن الجزيرة العربية في عهد أول الخلفاء الراشدين "أبي بكر الصدّيق" في 30 يوليو سنة 634م، عندما هاجمت الجيوش العربية الإسلامية سوريا في موقعة "أجنادين". وتم غزو دمشق في سبتمبر 635م. ثم تلاها غزوفلسطين عام 638م في عهد ثاني الخلفاء "عمر بن الخطّاب". ثم زحفوا إلى قيصرية في سنة 640م. ثم قامت معركة "القادسية ونهاوند" سنة 642م، فانتهت الإمبراطورية الساسانية وصار الحكم للعرب.
ثم زحفوا على مصر، وتم فتحها يوم الجمعة الحزينة عام 641م بقيادة "عمر بن العاص". وزحفوا نحو البلاد المسيحية في أوروبا. ودارت معركة "بواتييه" التي أوقفت زحفهم نحو أوروبا. وكان بطل هذه المعركة "شارل مارتل".
وقام الخليفة الحاكم (966-1020م) بتدمير القبر المقدس سنة 1009م. ثم ذهب "صلاح الدين الأيوبي" إلى السامرة وحاصرها. ودارت هناك معركة "حطّين" الشهيرة عام 1117م، ثم قام بغزو طبرية وعكا. وزحفت الجيوش الإسلامية على بيروت ويافا وعسقلان وصيدا. ثم هاجموا أورشليم مرة أخرى، واحتلوها في 2 أكتوبر 1187م. وعادوا مرة أخرى في أغسطس 1344م واحتلوها للمرة الثالثة. وفي عام 1453م سقطت القسطنطينية في أيدي السلاطين الأتراك المسلمين. وهجم السلطان "الظاهر بيبرس" على أرمينيا وطرسوس، وأذلّ الأرمن من عام 1267م حتى 1275م.
ثم هجم المماليك على هذا الشعب المسكين مرتين في غارتين متتاليتين في عامي 1322 و1337 م ، وخرّبوا البلاد وأسروا إثنا عشر ألف أسيراً. وعادوا مرة ثالثة واحتلوا البلاد احتلالاً دائماً سنة 1359م، ثم خرّبوا البلاد المجاورة، وأخذوا ملكها "ليو السادس". وأُجهز على هذا الشعب المنكوب بواسطة جحافل الأتراك المسلمين الذين ظلوا يذبحون هذا الشعب حتى الحرب العالمية الأولى.
وقد تم غزو إسبانيا المسيحية على يد "طارق بن زياد" سنة 711م. ومن قبل كان السلطان "سيف
الدين برسباي" قد هجم على قبرص المسيحية ثلاث هجمات متتالية. وفي أغسطس عام 1425م
عاد المماليك لغزو "ليماسول" واغتصابها من يد اليونانيين، وأسر ألف أسير، وجلب غنائم ضخمة.
وفي 1432م اشتدّت المذابح على اليونانيين، بعد عودة المماليك الذين ذبحوا القبارصة وأسروا 3600 أسير ومعهم الملك ونبلائه في مقدمة الأسرى، الذين كانوا مقيّدين بسلاسل.
ثم هجم المماليك على جزيرة رودس في ثلاث غزوات متتالية. وفتحها العثمانيون بقيادة "محمد الثاني"، ومن بعده السلطان "سليم الثاني"، من سنة 1520-1566م. ثم هجم "بايزيد" على بلغاريا وصربيا والمجر ونهر الدانوب. وهجم على القسطنطينية حتى تم فتحها على يد السلطان "محمد الثاني الفاتح" في عام 1453م، وغزا هذه المدينة المسيحية العظيمة. ثم ذهب إلى "سانت صوفيا"، حيث أقام أول صلاة للمسلمين في كنيسة "جستنيان" التاريخية، وأخذ 50 ألفاً من سكانها كعبيد. واستولى "سليم الأول" على أرمينيا الكبرى والصغرى وسوريا سنة 1521م. وقام العثمانيون بغارة عنيفة ضدّ المجر في بلغراد عام 1521م، وقتلوا ملك المجر "لويس الثاني". ثم زحفوا إلى فيينا وحاصروها.
وظل الإسلام يعمل في رقاب الشعوب واحتلالها وسلب ثرواتها بحجة نشر الدين. وأصبح غير المسلمين في دار الحرب. وصار قتال الناس أمراً مقدساً.
وتسابق العلماء المسلمون الأوائل بإبراز أفضلية القتال، أمثال "أبو بكر الحروي" عام 1314م و"الخرزمي" عام 1378م و"شهاب الدين" عام 1363م و"جلال الدين السيوطي". بل في عام 974م ألّف القاضي "النعمان بن محمد" كتاباً بعنوان (دعائم الإسلام) عرض فيه آيات القتال، وتكلم عن الخطط الحربية. ويوجد الكثير من الكتب التي تناولت فنون الفروسية والخطط الاستراتيجية في غزو البلاد... إلخ.
أخلاقيّات محمد
لم يتّصف محمد بالرحمة والعفو كما يتشدّق البعض. وهذه من أولى الصفات التي يضعها الله في أنبيائه. ودليلنا على قسوته هو ما تذكره كتب السيرة من إباحته لدماء أعدائه ومعانديه. حتى أنه أمر أحد أتباعه بحرق رجلين من خصومه. ثم عدّل طريقة القتل بالحرق إلى القتل بالسيف[3]. وقد أمر باغتيال "كعب بن الأشرف". وبالفعل تم قتل هذا المسكين غدراً، وأُخذ رأسه كهدية لمحمد، النبي الوديع المسالم!. بل وتعدّاه بقتل واغتيال السيدات والأطفال. وهذا ما حدث ﻟ"عصماء بنت مروان" وطفلها. ثم إباحته لدماء العديد من خصومه، نذكر منهم: "عبد الله بن سعد بن أبي سرح"، "عكرمة بن أبي جهل"، "صفوان بن أمية"، "هبار بن الأسود"، كعب بن زهير"، "وحش". وغيرهم كثيرون ، بل تعدّاه أيضاً بالتحريض على سلب الغنائم. فتروي لنا السيرة أن محمداً عندما علم بمقدم قافلة تجارية لقريش، أراد الاستيلاء عليها تعويضاً للمهاجرين عما تركوه من أموال في مكة: "هذه عير قريش فيها أموالهم. فاخرجوا إليها، لعل الله ينفلكموها" (انظر "سيرة سيد الناس"، ج1 ص242، وانظر أيضاً كتاب "تاريخ الإسلام" د. عبد الشافي غنيم و د. محمد عبد الحميد).
أما عن حياته الخاصة، فحدّث ولا حرج! كان يعيش غارقاً في الملذّات الحسّية ومباهج الدنيا. فلقد جمع في عصمته تسع زوجات، هنّ: "خديجة، سودة، عائشة، حفصة، أم سلمة، جويرية، أم حبيبة، صفية، ميمونة".وتقول السيرة إن الله أفاء على النبي بجانب زوجاته التسع ﺑ"ريحانة بنت زيد"، وأهدى له المقوقس ﺑ"ماريا القبطية".كما كان عنده العبيد والموالي، مثل: "زيد ابن الحارثة، أسامة بن زيد، ثوبان، صفوان، رويغ، رافع، عبيرة الله، سلمان الفارسي، سفينة، أبو كبشه، سليم، ، رباح الأسود، فضالة، مدعم، أبو خميرة، يسار، مهران، مابور"[4].كما امتاز محمد عن بقية المسلمين بالآتي
(انظر سورة التوبة والسيرة الحلبية ج2 440/782):
1. حقّه في الفيء
2. حقّه في الغنائم
3. حقّه في الجمع بين تسع زوجات
4. حقّه في نكاح الهبة "انظر سورة الأحزاب"
5. إرجاء من يشاء من نسائه دون التقيّد بالعدل بينهن
6. أخذه للصفية، أو الصفى، من الغنائم: وهي عبد أو أمة أو سيف أو درع. يأخذ في غير السهم المخصص له، سواء حضر المعركة أم تغيّب عنها
7. حقّه أن لا ينكح أحد ابنته إلا بإذنه
8. جواز النظر بالأجنبية والاختلاء بها لأمنه من الفتنة!
9. حقّه في فك عقدة النكاح في الإحرام، أي ينكح وهو مُحرم دون سائر المسلمين
10. حقّه في أخذ الصدقة.
هكذا كان محمد يعيش متمتّعاً بكل هذه الامتيازات. فأين ذلك الترف من حياة الزهد والتقشّف الخليق بالأنبياء؟!
إن التكالب على متاع الدنيا أمر لا يستقيم مع أصحاب الرسالات السماوية، بل ويتنافى مع أصحاب القيم والمبادئ من عامة الناس.
ولم يكن وحده من تنعّم بهذا الترف. فسيرة الخلفاء من صحابته مليئة بمثل هذا المجون المتمثّل في هذا العدد الضخم من النساء لكل خليفة.
وهؤلاء الصحابة انتهجوا نفس نهج النبي:
فاقتتلوا وسفكوا دماء الأبرياء ونهبوا ثرواتهم. انظر ما تركه الصحابةٍ من أموال وذهب وممتلكات. (انظر كتاب المسعودي "مروج الذهب" ص110-136، 341-343، وكتاب "البداية والنهاية" لابن كثير ج7 ص259-261).وقام الصحابة بجرائم تعذيب وحشية لخصومهم تقشعر لها الأبدان. فأين هذا النبي وصحابته من المسيح حوارييه؟!
إنه الفارق بين السماء والأرض، النور والظلمة، الحق والباطل.
هل تذكر يا صديقي مصطفي ، فور انتهاء إحدى مناقشاتنا، عندما قلت لي :
(إن محبة سيّدنا عيسى للناس غرست مبادئها في حوارييه وفي أتباعه، وإن العقل السليم يرفض لصق أساليب القتل والبطش والاستبداد بالدين، أيّاً كان هذا الدين. وإنه أي دين يقوم على سفك الدماء لا يمكن أن يكون دين الله)؟
إن صحابة محمد أعملوا السيف في رقاب الجميع، حتى في المسلمين أنفسهم. وهذا ما فعله "أبو بكر الصدّيق" في قتاله الشرس مع قبائل "أسد وغطفان وطي" عندما رفضوا دفع الإتاوة (الصدقة) له، والتي كانوا يدفعونها لمحمد في حياته وامتنعوا عنها بعد مماته. وعندما حاول "عمر بن الخطاب" منعه من قتال المسلمين، قال أبو بكر له: " أجبار أنت في الجاهلية خوار في الإسلام"؟!
وقد عبّر الشاعر "عبد الله الليثي"، من قبيلة "بني ذبيان"، عن هذا الظلم، قائلاً [5]:
أطلعنا رسول الله ما كان بيننا فيا لهفتاه ما بال دين أبي بكر؟!
أيورثها بكراً إذا مات بعـده وتلك لعمر الله قاصمة الظهر!!!
بل ونحن نتعجّب عندما نرى أحد الخلفاء الراشدين من صحابة محمد، وهو "علي بن أبي طالب"، يتغنّى بالدم ويتباهى بالقسوة، وذلك في قوله:
السيف والخنجر ريحاننا أُفٌّ على النرجس والآس
شرابنـا دم أعـدائنـا كأسنـا جمجمـة الرأس!!!
فأي وحشية هذه ؟( التكملة في الكتاب المطبوع ) .
إلى كتاب :
كان ميتاً فعاش (ج 2)
1 يقول الإمام البيضاوي: (إن المسيح كان يحيي الأموات والقلوب)تفسير الرازي جزء2 ص130
هكذا يُسمي الطرد والنهب "انتقالاً"! [2]
3 انظر كتاب "شهداء وضحايا لجمال بدوي، ص65.
انظر السيرة النبوية في ضوء روايات الإمام الطبري، طبعه مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر[4]
[5] انظر رسالة الغفران، والأغاني "للأصفهاني،ً وتاريخ الطبري.