الحق والحياة

الموقع الرسمي للخادم المكرس صموئيل بولس عبد المسيح

 

The Truth and the Life

 

 

1 - حياتنا هى للَّه وحده

2 - الإيمان أنواعه ونتائجه

3 - العطاء: أهميته ودرجاته

4 - فوائد الألم

5 - القلق

6 - ما هو مقياس الفضيلة؟

7 - الوداعة

8 -  ثياب الحملان

9 - الحسد

10 - الذين يجرفهم التيار

11 - نصائح في المصارحة والعتاب

12 - الخطية الأعمق في حياتك

13 - المصادقة والمعاقبة

14 - اسبيوع الالام

15 - الشهوات

16 - لا تدع الضيقة تحطمك

 17  - بين الصمت والكلام

18- التواضع هو الفضيلة الأولى

19 – التوبة

20 – الايمان العملي.

21 – المحبة قمة الفضائل

22 – بدع حديثة

 23 – كيف؟!

24 –  الحكمة

1- حياتنا هى للَّه وحده

إنَّ اللَّه هو الذي وهبنا الحياة، فأصبحت هذه الحياة له. إننا نحيا لأجله، ونحيا به. ولا نستطيع أن نفصل حياتنا عنه. لذلك ما أجمل المبدأ الذي يقول: " إن عِشْنا فللربِّ نعيشُ، وإن مُتنا فللربِّ نموت. إن عِشْنا وإن مُتنا فللربِّ نحن ".

?? وفي مجال التطبيق العملي نقول: إن أكلنا، فمن أجل الرب نأكل، لكي نأخذ طاقة للجسد نستطيع بها أن نعمل ما يرضيه. وإن صُمنا، فمن أجل الرب نصوم، لكي تقوى الروح وتكون في صلة قوية باللَّه. إذن طاقة الجسد هى من أجله، وقوة الروح هى من أجله...

كذلك من أجل اللَّه نتكلَّم أو نصمت: من أجله نتكلَّم، فنشهد للحق وللإيمان وللبِرّ، ونعلن وصاياه للناس، ونعزي الآخرين ونقويهم، وننطق بكلام الحكمة النافعة للبنيان ... ومن أجل اللَّه نصمت، عاملين بقول الحكيم: " كثرة الكلام لا تخلو من معصية ". إذن نتكلَّم حينما يفتح اللَّه أفواهنا، ونصمت حين نخشى الخطأ في الكلام.

?? كل عمل نعمله، فمن أجل اللَّه نعمله ... نعمله له من أجل طاعته. ونعمله بنعمته والقوة التي يمنحنا إيَّاها. وهكذا لا يكون أي عمل من أعمالنا مستقلاً عن اللَّه. وهكذا بالرب نعيش، لا لأنفسنا ولا لأهداف خاطئة كما يحدث للبعض.

?? هناك أشخاص يعيشون لذواتهم فقط وبطريقة خاطئة: كل ما يريده الواحد منهم، هو أن يبني ذاته، ويحيط ذاته بالمتعة والرفاهية. ورُبَّما في سبيل ذلك يزيح الآخرين من طريقه ليبقى هو. وفي كل ذلك يكون الذي يعيش لنفسه فقط إنساناً أنانياً. وقد صدق المَثل القائل: " ما عاش قط مَن عاش لنفسه فقط ".

        ينبغي أن توضع الذات في آخر القائمة، حينما تُرتَّب الأوليات. فنقول إنَّ اللَّه أولاً، ثم الآخرين، ثم الذات أخيراً. على أن هذا الترتيب لا يكون سليماً إن كانت فيه انفصالية عن اللَّه. فالعمل لأجل الآخرين والعمل لأجل الذات، ينبغي أن يكون كلاهما داخل الحياة لأجل اللَّه، وليسا منفصلين عنه. وهكذا يكون اللَّه هو الكل في الكل.

?? وقد يقول إنسان: أنا أعيش لأجل أولادي. فمن أجلهم يعمل ويتعب ويشقى. ومن أجلهم يكنز مالاً ليترك لهم ميراثاً. والعناية بالأولاد واجب مُقدَّس. ولكن الخطأ هم أن يُركِّز الإنسان على أولاده، و يهمل واجباته تجاه الآخرين وتجاه اللَّه! أي يهمل نصيب اللَّه في ماله، ونصيب الفقراء أيضاً. الواجب إذن أنك فيما تهتم بأولادك، أن تهتم بباقي الناس أيضاً. وكما تحب أولادك وتعطيهم من تعبك وكدك، تحب أيضاً الفقراء والمحتاجين وتعطيهم من تعبك وكدك، وتحب المجتمع كله وتخدمه وتبذل لأجله. وتكون محبتك للكل هى داخل محبتك للَّه. فالمفروض أن يكون الحب كله للَّه، والتعب كله للَّه. ومحبة الأبناء ومحبة الناس جميعاً داخل محبتك للَّه. كما تكون محبتك الأولى لأولادك، هى أن تجعلهم يعرفون اللَّه ويحبونه.

?? لا تجعل للَّه منافساً في محبتك، سواء كان المنافس شخصاً أو شيئاً. وهكذا تحب اللَّه من كل قلبك ومن كل فكرك، وبكل إرادتك. ثم تحب الناس جميعاً داخل محبتك للَّه. أي لا تتعارض محبتك لأحد منهم مع وصية من وصايا اللَّه.

        إننا نعيش للرب لأنه خلقنا. لم يكن لنا وجود فأوجدنا. منحنا هذا الوجود فصرنا له. ونحن نعيش حياتنا الحالية معه كعربون للحياة الأبدية، نعيش للرب هنا لكي نستحق أن نعيش معه في السماء.

?? والذي يعيش للرب، يظهر ذلك في فضائل كثيرة يحياها، أو تتميَّز بها حياته. إنه يُسلِّم حياته للَّه، ويعيش في حياة الطاعة له. وبالتالي يحيا حياة الفضيلة والنقاء. ويُنفِّذ وصايا اللَّه عن حب لا عن تغصب. ولا يهتم بشهوات المادة والرغبات الفانية. وقد صدق أحد الآباء حينما قال: " خير الناس مَن لا يُبالي بالدنيا في يد مَن كانت ". لذلك فالذي يعيش لأجل اللَّه لا يهتم ولا يضطرب لأجل أمور كثيرة، متيقناً أن الحاجة الحقيقية هى إلى واحد وهو اللَّه. وقد اختار الأبرار هذا النصيب الصالح.

?? والذي من أجل اللَّه يعيش، لا يخاف الموت. بل يقول: ونحن من أجل اللَّه نموت. أي نموت لكي نلتقي باللَّه في الحياة الأخرى، راجعين إليه من غربة هذا العالم لكي نحيا معه ومع ملائكته في ملكوته السماوي. وعبارة نموت للرب قد يقولها أيضاً الشهداء، والذين يبذلون حياتهم بأية الطرق من أجله.

        لذلك يحسن بك أن تتأمَّل في السماء وفي الحياة الأخرى وفي عِشرة الملائكة وعِشرة الأبرار والقديسين. حينئذ تشعر أن الموت هو مُجرَّد جسر ذهبي يصل بين الأرض والسماء، وبين الحياة الوقتية والحياة الأبدية.

?? كذلك مما يساعدك على الحياة مع اللَّه السلوك في شتى الفضائل التي تشعر بها أنك مع اللَّه، وأن اللَّه معك، وأنك تحيا في طريقه، وتُنفِّذ مشيئته على الأرض. وما أسهل أن تُدرِّب نفسك على ذلك، ولو واحدة بواحدة ... وثق أنك كُلَّما عشت في حياة الفضيلة، تستطيع أن تقول بثقة: " مع الرب نعيش ".

?? يُساعدك أيضاً في هذا المجال أن تتأمَّل في صفات اللَّه الجميلة ... تتأمَّل في اللَّه
الشفوق الحنون، وفي اللَّه المُعين، المُغيث، الرازق، المُعطي، وفي اللَّه القادر على كل شيء الموجود في كل مكان، الناظر إلى كل ما نفعله، والسامع لكل ما نقوله ... وإلى غير ذلك من الصفات الإلهية المحببة إلى النفس ... حينئذ ستشعر أنك تعيش مع هذا الإله الذي تحبه وتحب كل صفاته.

?? مِمَّا يساعدك أيضاً أن تعيش مع اللَّه، أن تزداد صلتك به عن طريق صلواتك. ولا أقصد فقط الصلوات المحفوظة التي يُصلِّيها الكل، وإنما أقصد بالذات الصلوات الشخصية التي تتخاطب فيها مع اللَّه بقلب مفتوح وبلسان صريح، تجعله يشترك معك في كل عمل تعمله، ويوحي إليك بكل كلمة تقولها، وتكون لك مشيئة توافق مشيئة اللَّه، في حياتك وحياة الآخرين.

?? ولكي تعيش مع اللَّه ينبغي أن تجعل اللَّه يملأ قلبك وفكرك، ويقود خطواتك ورغباتك، وبقدر الإمكان يشغل نصيباً طيباً من وقتك. ذلك لأنَّ الذي ينشغل وقته بأمور تافهة عديدة ورُبَّما بأمور تبعده عن اللَّه كثيراً ... فهذا لا يمكن أنه يشعر أنه يحيا مع اللَّه.

?? لذلك أحب أن تدرِّب نفسك على الحياة مع اللَّه ولو يوماً يتدرج إلى يومين ثم إلى أسبوع. فإن أتقنت ذلك تستطيع أن تجعل حياتك كلها مع اللَّه، وليكن اللَّه معك يقويك ويعينك.

+++++++++

الإيمان أنواعه ونتائجه

« الإيمان هو مستوى أعلى من العقل:العقل البشري محدود، ولا يدرك سوى الأمور المحدودة التي تدخل في نطاق إمكانياته. فهو يستطيع أن يوصلك إلى مُجرَّد معرفة وجود الله، وإلى معرفة بعض صفاته. ولكن الإيمان يكمل معك الطريق إلى أقصاه. وهكذا فإنَّ الإيمان بالوحي يكمّل ما لم يصل إليه العقل ..

 

«« العقل قد لا يدرك أشياء كثيرة ولكنه يقبلها:

فليس من طبيعته أن يرفض كل ما لايدركه. بل حتى في المحيط المادي في العالم الذي نعيش فيه، توجد مثلاً مخترعات كثيرة لا يدركها إلا المتخصصون، ومع ذلك فالعقل العادي يقبلها ويتعامل معها، دون أن يدرك كيف تعمل وكيف تحدث. والموت يقبله العقل ويتحدَّث عنه، ومع ذلك فهو لا يدركه، ولا يعرف كيف يحدث افتراق الروح عن الجسد! فإن كان العقل يقبل أموراً كثيرة في عالمنا، وهو لا يدركها، فطبيعي لا يوجد ما يمنعه من قبول أمور أخرى أعلى من مستوى هذا العالم ..

«« العقل لا يدرك ( المعجزة ) كيف تتم، ولكنه يقبلها ويطلبها بل يفرح بها. وقد سميت المعجزة معجزة، لأنَّ العقل يعجز عن إدراكها وعن تفسيرها. ولكنه يقبلها بالإيمان، الإيمان بوجود قوة غير محدودة أعلى من مستواه، يمكنها أن تعمل المعجزة التي يعجز العقل عن إدراكها. وهذه القوة هى قوة الله القادر على كل شيء ... وكمثال للمعجزات التي نقبلها جميعاً دون أن ندركها: معجزة خلق الكون من العدم، ومعجزة القيامة العامة من الأموات..

إننا نحترم العقل ونستخدمه. ولكننا في نفس الوقت ندرك حدود النطاق الذي يعمل فيه. ولا نوافق العقل المغرور الذي يريد أن يعي كل شيء، رافضاً كل ما هو فوق مستوى إدراكه ...

«« الإيمان أيضاً هو مستوى فوق الحواس:

إنه قدرة أعلى من قدرة الحواس التي لها نطاق مُعيَّن لا تتعداه. فالحواس المادية تدرك الماديات. غير أن هناك أموراً غير مادية، تخرج عن نطاق قدرة الحواس المادية من نظر وسمع ولمس وشم ... وحتى قدرة الحواس بالنسبة إلى الأشياء المادية، هى محدودة أيضاً. وكثيراً ما تستعين الحواس بعديد من الأجهزة لمعرفة أشياء مادية أدق من أن تدركها حواسنا البشرية الضعيفة.

 

«« وهكذا فالحواس لا تدرك ما لا يُرى، أي غير الماديات وغير المرئيات، كالأرواح مثلاً، سواء كانت أرواح بشر، أم أرواح الملائكة، أو الشياطين ... وعدم إدراك الحواس لها، لا يعني عدم وجودها، إنما يعني أن قدرة الحواس محدودة.

 

«« لذلك فإنني عجبت من رائد الفضاء الملحد، الذي قال إنه صعد إلى السماء ولم يرَ الله!! ظاناً أنه في تهكمه يمكن أن يرى الله بهذه العين الجسدية القاصرة التي لا ترى كثيراً من الماديات! كما أن الله في كل مكان، في السماء وفي الأرض وما بينهما، ولا يحدّه مكان. فإن كان لم يرَ الله على الأرض، فطبيعي أنه لا يراه على القمر، ولا في أي موضع. إنَّ الله لا يراه أحد إلا بالإيمان.

 

«« إنَّ الإيمان قوة في ذاته، كما يمنح صاحبه قوة:

 

          وكل مَن آمن بفكرة، يعطيه الإيمان بها قوة لكي ينفذها. من هنا فإنَّ المصلحين ـ في كل زمان ومكان ـ آمن كل منهم بفكرة، فجاهد بكل قوة لتنفيذها، مهما احتمل من مشقة، ومهما صبر.

 

          المهاتما غاندي مثلاً، آمن بحق بلاده في الحرية، وآمن بسياسة عدم العنف. ومنحه ذلك الإيمان قوة عجيبة استطاع بها أن يُحرِّر الهند، وأن يعطي الحقوق للمنبوذين ليتساووا مع إخوتهم. وأمكنه أن يحتمل الكثير لكي لا يسلك بعنف هو وأتباعه، ولا أن يلاقوا العنف بالعنف. إيمانه بالفكرة أعطاه القوة لتنفيذها ...

 

«« بل حتى الإيمان بالعلم يصنع الأعاجيب:

 

          مثال ذلك روَّاد الفضاء. وكمثال لإيمانهم ما درسوه عن منطقة انعدام الوزن في الفضاء، وكيف أن الإنسان يمكنه أن يمشي في الجو دون أن يسقط! فمَن من الناس يجرؤ أن يمشي في الجو دون أن يخاف؟ أمَّا الذي جعلهم ينفذون ذلك، فهو إيمانهم الأكيد ببحوث العلماء الذين قالوا بهذا. فمنحهم الإيمان شجاعة... حقاً إنَّ الفرق بين أشجع الناس وأخوف الناس هو الإيمان ...

 

«« ومن جهة الإيمان بالله، فهو على أنواع:

 

          هناك إيمان سطحي، نظري، عبارة عن عقائد مُعيَّنة يعتنقها الشخص، دون أن يكون لها تأثير في حياته. فيكون له اسم المؤمن، دون أن يكون له قلب المؤمن.

 

          وهناك أيضاً إيمان المناسبات، يظهر فقط في أماكن العبادة، وفي أوقات الصلاة والاستماع إلى العظات الدينية، ثم تنتهي فاعليته، ولا يكون له الدوام في باقي ظروف الحياة ...

 

          وهناك إيمان قوي لا يتزعزع، مهما حاربته الشكوك أو حلَّت به الضيقات. وإيمان آخر مبني على الخبرات مع الله وعمله ...

 

«« أمَّا الإيمان العملي، فهو الإيمان الذي يمارسه الإنسان في كل يوم، فهو بالنسبة إليه حياة يحياها وله نتائج هامة جداً ...

 

«« من نتائج الإيمان الحقيقي: السلام الداخلي. إذ يكون القلب مملوءاً بالسلام والهدوء. لا يضطرب مطلقاً، ولا يقلق، ولا يخاف. لأنه يؤمن بعناية الله وحمايته له، مهما كانت الظروف المحيطة تبدو مخيفة ومزعجة! فالقلب المؤمن لا يستمد سلامه من تحسن الظروف الخارجية، إنما من حفظ الله وعنايته.

 

«« يخاف الشخص الذي يشعر أنه واقف وحده. أمَّا الذي يؤمن أن الله معه، فإنه لا يخاف. فإن قَلَّ إيمانه، ودخله الشك في حفظ الله له، حينئذ يخاف. الشك يضعف الإيمان، وضعف الإيمان يؤدي إلى الخوف. والخوف يؤدِّي إلى الانهيار والضياع. ففي كل مرَّة تخاف، وبّخ نفسك على قلة إيمانك. وقل لنفسك: أين هو إيماني بأنَّ الله موجود، وأنه هو الحافظ والمعين.

 

«« نرى فاعلية الإيمان أيضاً وسط الضيقات:

 

          إن ضيقة واحدة قد تصيب اثنين: أحدهما مؤمن، والآخر غير مؤمن. فيضطرب غير المؤمن ويخاف ويقلق، ويتصوَّر أسوأ النتائج، وتزعجه الأفكار. أمَّا المؤمن فيُقابل الضيقة بكل اطمئنان. ويقول: " هذه المشكلة سيتدخَّل الله فيها ويحلّها وتزول ". وقد تسأله كيف سيتدخَّل الله؟ وكيف يحلّها؟ فيجيبك: أنا لا أعرف كيف؟ ولكنني مؤمن أنَّ الله يهتم بنا أكثر مما نهتم بأنفسنا. وعند الله حلول كثيرة. وهو قادر أن يفتح كل باب مُغلَق.

 

          إنَّ المؤمنين ما كانوا يخافون حتى من الاستشهاد، لإيمانهم بأنه يوصلّهم إلى حياة أخرى أكثر سعادة، وهى أبدية.

 

«« أيضاً من أهم نتائج الإيمان: نقاوة الحياة وحُسن السِّيرة:

 

          فالإنسان المؤمن يحترس في كل لفظ ينطق به، وفي كل عمل يعمله. لأنه يؤمن أنَّ الله موجود في كل مكان، ويسمع ويرى كل ما يفعله. لذلك هو يخجل من أن يرتكب خطيئة أمام الله الذي يراه. بل أن المؤمن يُدقق بحيث أن أفكار الخطيئة لا يقبلها عقله، ولا شهواتها تسكن في قلبه. وذلك لأنه يؤمن تماماً بأنَّ الله يفحص القلوب ويقرأ الأفكار. لذلك يعمل المؤمن على حفظ ذاته نقياً طاهراً، سواء بالعمل أو اللسان، أو بالفكر أو بمشاعر القلب.

+++

العطاء: أهميته ودرجاته

 

إنَّ اللَّه ـ تبارك اسمه ـ هو المُعطي الحقيقي، والمُعطي الأعظم. إنه يُعطي الكل: يُعطي فوق ما نطلب، ويُعطي دون أن نطلب. لقد أعطانا نعمة الوجود، ونعمة الحياة. وأعطانا أيضاً نعمة العقل. وأعطانا خيرات، وكل ما نملكه هو من عنده...

«« وقد كلَّفنا اللَّه أن نعطي الفقراء والمحتاجين، وأن نعطي دور العبادة، ونعطي الجمعيات الخيرية التي تختص برعاية الأيتام أو الأرامل أو المرضى أو المعوقين... وأن كل عطاء من هذا النوع يُعتبر كأنه مُقدَّم إلى اللَّه نفسه، أو من حقوق اللَّه علينا في مالنا. ونحن حينما نُعطي للَّه، إنما نقول له كما قال داود النبي من قبل: " الكل منك. ونحن من يدك أعطيناك ".

 

«« وفي التدريب على العطاء، أراد اللَّه من الإنسان أن يعطي شيئاً من كل ما يصل إلى يده، وليكن على الأقل عُشر ما عنده. وهذا وردت وصية العشور في التوراة من أيام موسى النبي. والمقصود بالعشور، ليس أن تكون كل كمية العطاء، وإنَّما هى الحد الأدنى للعطاء. لأنه من غير المعقول، إن دفعت العشور، ثم قصدك بعد ذلك شخص محتاج أو معوز، أن تقول له: " ليس لك عندي ما أعطيك إياه، لأني انتهيت من دفع عشوري، واستوفى اللَّه حقه من مالي "!!

إنَّ دفع العشور عند اليهود والمسيحيين، يُقابل الزكاة عند المسلمين. فهل العشور هى كل ما أمر به اللَّه في التوراة؟ كلا... «« فبالاضافة إلى العشور، هناك الوصايا الخاصة بالبكور والنذور. وكان المقصود بالبكور قديماً، أن يُعطي الإنسان كل بِكْر تلده بهائمه أو أغنامه، وأن يعطي ثمر شجره في السنة الأولى للإثمار، وأيضاً أوَّل حصيد أرضه.

ولما كُنَّا لا نعيش كلنا في بيئة زراعية. فالبكور حالياً بالنسبة إلى الموظف، أن يدفع أوَّل مُرتَّب يقبضه. وبالنسبة إلى الطبيب، أوَّل كشف وأُجرة أوَّل عملية. وبالمثل مع باقي المهن... أمَّا النذور فقانونها هو " خير لك أن لا تنذر، من أن تنذر ولا تفي ". والنذور لا تؤجلها، ولا تلغيها، ولا تستبدلها...

 

«« هناك عن العطاء، قاعدتان ذكرهما سليمان الحكيم، هما:

 

          1) " لا تمنع الخير عن أهله، حين يكون في طاقة يدك أن تفعله ".

 

          2) لا تقُل لصاحبك: " تعالَ غداً فأعطيك " وموجود عندك.

وفي هاتين القاعدتين يرتفع العطاء عن مستوى العشور، ويصبح الواجب على الإنسان أن يعطي طالما ذلك في قدرته. وأيضاً لا يؤخر العطاء ولا يؤجله.

«« أمَّا من جهة النذور، فكانت وصية اللَّه هى " خير لك أن لا تنذر، من أن تنذر ولا تفي ". والنذر هو عطاء اختياري يُقدِّمه الشخص، ولكنه مُلزم بالوفاء به. ولا يجوز تغيير النذر أو تأجيله أو إلغائه. فإذا اضطر الإنسان للتأجيل لظروف ضاغطة، فهذا على الأقل أفضل من عدم الوفاء بالنذر.

«« العطاء أيضاً لا يقتصر على الماديات، إنما يطلب اللَّه منك أن تعطيه يوماً في الأسبوع يكون له، نُسمِّيه " يوم الرب ". وهو الأحد عند المسيحيين، والسبت عند اليهود، والجمعة عند المسلمين.

كذلك من جهة الوقت، تطبق عليه أيضاً وصية البكور. فيكون أوَّل اليوم للَّه، سواء في صلاة الفجر أو صلاة باكر. أو على الأقل يكون أوَّل مَن تُكلِّمه هو اللَّه، في صلاة خاصة.

«« إنَّ العطاء هو نوع من البذل، والتَّخلُّص من الذاتية، وفيه أيضاً شيء من التَّجرُّد، والتَّخلُّص من حُب المال ومن حب الجميع والتكريم، ومن حب المقتنيات والممتلكات. وقد قال السيد المسيح: " مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ ".

لذلك كل يوم يمر عليك دون أن تعطي فيه شيئاً لغيرك، لا تعتبره من حياتك. واليوم الذي يكون كله أخذاً لا تحسبه مكسباً، إلاَّ لو كنت تأخذ لكي تعطي... لهذا فكل ما يصل إلى يديك، درِّب نفسك أن تُعطي منه شيئاً لغيرك، ولا تنفرد به...

 

«« درِّب نفسك أيضاً أن تُعطي أفضل ما عندك. ولا تبحث عن الأشياء المرفوضة منك، فتعطيها للفقراء والمحتاجين، بل إعطِ مِمَّا تحبه نفسك، وما تشعر برغبة في التَّمسُّك به...

وهناك درجة عالية في العطاء، وهى أن تُعطي من أعوازك. أو أن تُعطي وأنت محتاج إلى ما تعطيه. وهنا تُظهر أنك في محبتك لغيرك، تُفضِّله على نفسك.

 

«« والذي يحب العطاء، يفرح بما يعطيه لغيره. وقد قال داود النبي في المزمور: " المُعطي المسرور يحبه الرب ". والرب نفسه يُعطي خليقته بسرور. نقول ذلك لأنَّ البعض يعطي وهو متضايق ومتذمِّر، ويشعر أنَّ الذين يأخذون منه يرمقونه. مثل هذا الشخص، إنَّما يُعطي من جيبه وليس من قلبه! أمَّا الإنسان الروحي، فإنه يفرح حينما يُعطي، إذ يشعر أنه قد أسعد غيره، أو فك ضيقة إنسان. وفرحه يدل على رضى في القلب وراحة بالعطاء.

 

«« فضيلة أخرى في العطاء، أن تُعطي بسخاء بلا تقتير. لا تُعطِ وأنت تحاسب اللَّه والناس على ما تعطيه. اللَّه نفسه في عطائه، لا يُعطي بكيل أو بقدر، إنما يفتح كوى السماء ويغدق علينا حتى نقول كفانا كفانا. كما أنه يُعطي بمداومة...

 

«« هناك درجة أعلى في العطاء وهى أن يعطي الإنسان كل ما يملك. وهذا ما فعله القديس الأنبا أنطونيوس أبو جميع الرهبان، الذي نفَّذ وصية السيد المسيح القائلة: " إن أردت أن تتبعني، اذهب بِع كل مالك واعطه للفقراء، وتعالَ اتبعني " ولا شك أن هذه درجة من الكمال والتَّجرُّد لا يستطيعها كل أحد، إنَّما هى خاصة بالنُّسَّاك والزاهدين. وهى أفضل من الإعطاء من العوز. والذي يعطي الكل، إنَّما يُبرهِن على أنه لم تعد في قلبه أيَّة شهوة لإمتلاك شيء.

 

«« على أنه أعلى درجة في العطاء، هى أن يُعطي الإنسان ذاته. كما يبذل الجندي ذاته في الدفاع عن وطنه، وكما يفدي شخص غيره بحياته...

 

ومثال هذا العطاء، الشمعة التي تذوب وتنتهي لكي تنير للآخرين. وأيضاً حبة البخور التي تحترق بالنار، لكي تُقدِّم رائحة ذكية لغيرها. فإن كنت أنت لا تستطيع أن تبذل ذاتك لغيرك، فعلى الأقل إعطه قلبك وحُبك.

 

«« بقى أن أقول لك: إنَّما في كل ما تعطيه إنما تنال بركة. فما تعطيه من مالك، تأخذ في مقابله بركة لِمَا يبقى من مالك. وما تعطيه من وقتك، إنَّما يبارك كل وقتك.

 

«« لهذا كله درِّب نفسك على العطاء.

ودرِّب أطفالك، كأن تجعلهم يُقدِّمون الحلوى لضيوف، أو تشجعهم على إعطاء إخوتهم وأصدقائهم.

+++

 

فوائد الألم

غالبية الناس أو كلهم يكرهون الألم ويهربون منه إلى حياة المُتعة والفرح. ولكننا لا ننكر أنَّ الألم صارت له فوائد كثيرة، للشخص المتألم وللمحيطين به وللعالم كله، وللعلم. فما هى فوائد الألم التي لولاها ما سمح اللـه بالألم؟ وهل الألم كله ضرر، أم له وجه آخر مضيء يمكن الانتفاع به؟ وما هى علاقة الألم بعديد من الفضائل الخاصة والاجتماعية؟ هذا ما نود أن نتحدث عنه في هذا المقال... كما نود أن نذكر أنواعاً من الألم وطريقة الاستفادة منها. وهنا أذكر ما قاله أحمد شوقي أمير الشعراء في إحدى قصائده:

ومُتّعت بالألم العبقريّ ... وأنبغ ما في الحياة الألم.

ذلك لأن النفس تكون أكثر شفافية وحساسية في حالة الألم منها في حالات البهجة واللهو أو المتعة.

كما أن الألم دليل على الحساسية والحياة. فالعضو الميت لا يحس ألماً، أمَّا الحيّ فإنه يشعر بالألم.

 

«« على أنَّ أول فائدة للألم هى أنه إنذار بالمرض وبيان لموضعه، وذلك حتى يتنبه المريض إلى أن هناك شيئاً غير طبيعي في جسده يلزم أن يعالجه. وأخطر الأمراض هى التي تبدأ دون أي إحساس بالألم، وتظل تسري وتتطور دون ألم، إلى أن تصل إلى درجة من الخطورة يصعب علاجها، مثل بعض أمراض السرطان. وهنا نشعر بفائدة الألم لو كان قد بدأ منذ المرحلة الأولى، حتى نتفادى التطور السيء...

 

ويشبه هذا الأمر مرض الطفل الرضيع الذي لا يستطيع أن يعبر عما يشكو منه. ولكن ألمه هو التعبير الذي يكشف موضع الوجع عنده حتى نعالجه. شعوره بالألم وصراخه بسببه، هو نقطة البدء، ثم تأخذ أجهزة الكشف مجراها لتعيين المرض...

 

«« من فوائد الألم أنه أوجد نهضة فكرية في العقل البشري الذي وقف تجاهه لعدة أمور: لإكتشاف الألم أين هو؟ ثم البحث عن أسبابه، وأيضاً لتسكين الألم وتهدئته أو علاجه.

 

«« ولهذا نقول إن من فوائد الألم انه كان السبب الطبيعي في نشأة علم الطب. فلولا الألم والتفكير في التخلص منه، ما كانت هناك حاجة إلى الطب ... على أنه بتعدد أنواع الآلام، ظهرت أيضاً تعددات في تخصصات الأطباء. فكل نوع ألم، ظهر أمامه نوع تخصص طبي.

 

«« ولولا الألم والمرض، ما كانت المستشفيات والعيادات، وما كانت كليات الطب، وما كان العدد الجبار الذي يعمل في هذا المجال من الأطباء الذين بدافع إنساني يبذلون قصارى جهدهم لتخفيف آلام المرضى. ولولا الألم ما كان عِلم التمريض، بعدد كبير من ( ملائكة الرحمة ) لخدمة المرضى في آلامهم.

 

«« والألم كان أيضاً السبب في نشوء علم الصيدلة، الذي بدأ أولاً باكتشاف ما في الأعشاب من عناصر علاجية، ثم تطور الأمر إلى نهضة كبيرة في علم الأدوية، وفي الجهود العميقة المبذولة لإعداد ما يُخفف الآلام أو يزيلها.

 

«« ولولا الألم ما نشأ علم التخدير بأنواعه. لأنه مَن ذا الذي يمكنه أن يحتمل إجراء عمليات جراحية خطيرة له، بدون تخدير يساعده على احتمال الجراحة دون الشعور بأي ألم!

 

«« ومن فوائد الألم أنه كان سبباً في البحوث والاكتشافات العديدة، والدخول في التكنولوجيا الطبية بعديد من الأجهزة مثل الأشعة والـ MRI ، والقسطرة، وما إلى ذلك مما يصعب حصره.

وهكذا فإن التعامل مع الألم أوجد بلا شك طفرة علمية عجيبة بلغت ذروتها.

 

«« من فوائد الألم أيضاً أنه يوجد دافعاً روحياً، يتقرَّب به المريض المتألم إلى اللـه، ملتمساً منه الرحمة والمعونة للشفاء. وهكذا يصبح الألم مدرسة للصلاة ومدرسة للتوبة. فإن دقائق من الألم الشديد يكون لها تأثيرها في المريض أكثر من مائة عظة يسمعها، وبخاصة في الأمراض الخطيرة والآلام الشديدة، حين يكون باب الأمل المفتوح وحده أمام المريض المتألم هو باب اللـه وليس غير. والآلام قد لا تدفع فقط إلى الصلاة، إنما أيضاً إلى النذور وإلى التعهدات أمام اللـه.

 

«« ومن فوائد الألم أنه يكون سبباً في التعاطف الاجتماعي، وإحاطة المتألم بالعديد من المحبين والأصدقاء والأقارب، الذين يحيطون به بكل مشاعر المودَّة، يزورونه ويطلبون له الشفاء. وهناك مَن يتبرَّع له بدمه، أو يتبرَّع له بأحد أعضائه. بل أن بعض حالات العلاج المكلفة من الناحية المالية، تكون سبباً في تبرعات من البعض لإنقاذ المريض ... إلى جوار مَن يساهمون في العناية بالمريض ورعايته. ورُبَّما لولا آلامه، ما كان كل هؤلاء المحبين حوله وما كان ما يبذلونه...

 

حقاً ما أعمق القلب النبيل الذي يحس بآلام غيره ويتأثَّر بها. وأعمق منه مَن يُشارك الناس في آلامهم.

 

«« رُبَّما غالبية ما قلناه كان عن ألم الجسد. على أن هناك أنواع آلام أخرى كثيرة منها ألم النفس. وفي المقدمة الألم الذي يقاسيه الضمير عندما يخطئ الإنسان، ألم التبكيت الداخلي والندم والحزن على ما ارتكبه. وهو ألم نافع جداً يقود إلى التوبة.

 

«« وتوجد آلام بسبب الضيقات والمشاكل. ومن فائدتها البحث عن وسائل لحلها، والتعاون في هذا الحل.

 

«« ويوجد ألم الفقر، ومن فائدته أن يكون الفقير عصامياً، يعمل على بناء نفسه بنفسه، ويتصف بالجدِّيَّة والبُعد عن اللهو. كما أن ألم الفقراء من فائدته أنه يثير العطف في قلوب المتصفين بالكرم الذين في نبلهم يتألمون بسبب الفقراء ويدفعهم هذا إلى العطاء والبذل. أمَّا البخلاء فلا يتألمون بسبب عوز الفقراء، وهذا عيب. نضيف إلى هذا أن الاحساس بآلام الفقراء وعوزهم، مع وجود فوارق اجتماعية كبيرة بينهم وبين الأغنياء، كل هذا دفع بعض الفلاسفة والمُفكِّرين إلى إرساء مبادئ الاشتراكية.

 

«« ولمَّا كانت بضدها تتميز الأشياء، فإن كثيراً من الآلام دفعت إلى حرص من ناحية الضد. فإن الآلام الناتجة عن ويلات الحروب، دفعت إلى حرص الدول على السلام. وآلام الذين يخافون البطالة، دفعت إلى الاعتماد على النفس والعمل في المشروعات الصغيرة. كذلك فإن ألم التشوّه دفع إلى اختراعات في التجميل.

 

«« من فوائد الألم أيضاً إنه درس لِمَن يستفيد منه: فآلام مرض الإيدز صارت درساً في العفة. وآلام المدخنين صارت درساً في البُعد عن التدخين أو منعه. وآلام الرسوب في الامتحان أو الحصول على مجاميع ضئيلة كانت درساً لوجوب الاجتهاد والتفوق. كذلك فإن آلام السجن والشعور بالعار هى درس للبُعد عن الجريمة.

 

«« من فائدة الألم أيضاً أنه يدفع إلى حياة الشكر: فلولا ألم المرض ما كان الناس يشكرون على الصحة التي هى تاج على رؤوس الأصحاء لا يشعر به إلا المرضى. ولولا آلام القيود، ما كان الناس يشكرون على الحرية والراحة. ولولا آلام الضيق، ما كان البعض يشكر على أيام الفرج. ولولا وجع الألم، ما كنا نشكر على عدم الألم.

 

القلق

للقلق أسباب كثيرة تختلف من شخص إلى آخر حسب نوع نفسيته، ونوع الظروف التي يمرّ بها

1. القلق بسبب مشكلة لم يظهر لها حل:

وهنا يكون السبب في القلق هو وجود المشكلة ذاتها، أو بسبب استمرارها وتطورها، وما يمكن أن يحدث من ردود فعلها. وكذلك القلق من جهة وسائل حلها، ومدى نجاح تلك الوسائل أو احتمال فشلها وهل سوف تستمر تلك المشكلة أم تنتهي؟ ومتى يكون ذلك؟ وكيف؟ .. ويستمر القلق!

2. وقد يكون سبب القلق هو معاشرة القلقين..

فالقلق يسري من شخص إلى آخر، تماماً مثلما يسري الخوف أيضاً من شخص إلى آخر فالأسباب التي تقلق شخصاً.. ما أسهل أن تقلق غيره. ومشاعر الإنسان الذي يعتريه القلق، هى نفسها قد تنتقل إلى إنسان آخر، أو إلى مجموعة أخرى.

ويعكس ذلك السلام القلبي الذي يعمر قلب إنسان، ويظهر في تصرفاته أو كلماته، يمكن أن ينتقل إلى قلوب الآخرين ويهدئها.

لذلك من الصالح للإنسان المحارب بالقلق أن يتخير نوعية من يعاشرهم، فيبعد عن الخائفين الذين يسودهم القلق وينقلونهم إليه. ويختلط بالقلوب الكبيرة المطمئنة التي تزيل منه كل قلق.

3. والقلق قد يأتي من طول المدة، وعدم جدوى الانتظار:

مثل فتاة طالت عليها مدة الانتظار، ولم يأتي أحد ليخطبها بعد. وقد تظن أنها سوف لا تُخطب أبداً!! وقد تدخل إليها أفكار بأنها قد تعرضت إلى لون من (العمل) أو السحر. وربما تلجأ إلى طرق غريبة للنجاة مما هى فيه من ضجر وضيق.

حقاً إن طول المدة بدون حلّ، قد يتسبب في القلق عند كثيرين وطول المدة قد يؤدي إلى توقع الفشل. وتوقع الفشل يؤدي إلى مزيد من التوتر. وكل ذلك يقود إلى القلق.

توقع الفشل يؤدي إلى الاضطراب، فيقلق الإنسان، ويؤثر على أعصابه، فيثور أو يتذمر. أو قد يصل إلى انهيار عصبي، وفي كل ذلك لا يحكمه العقل، بل الانفعال والقلق.

لذلك هناك مشاكل تحتاج إلى حل سريع، فيهدأ الإنسان قبل أن يقوده القلق-إذا استمر-إلى مزيد من التوتر والتعب.

4. وقد يكون القلق بسبب التشاؤم:

كإنسان مثلاً يتشاءم من الرقم 13 ومضاعفاته. فاليوم الذي يحمل هذا الرقم يجلب له قلقاً: ترى أي شر سوف يحدث فيه؟! ويظل يقلق.. كما أن التشاؤم بصفة عامة يجعل الإنسان يفكر فيما هو أسوأ والتفكير في تطور الأمور إلى أسوأ يجلب إلى النفس القلق.. وربما يظن المتشائم أنه لا حلّ، ولو استمرت الأمور هكذا، فلابد أنه سينهار. وقد يتخيل أن الله قد تخلى عنه، وأنه سوف لا تأتيه معونة من السماء ولا من الناس، فيقلق.

5. وقد يأتى القلق بسبب الخوف:

الخوف يسبب القلق. والقلق يسبب الخوف. وهكذا فإنهما يتبادلان المواقع سبباً ونتيجة. الخائف دائماً يقلق، وأفكاره تتعبه: يا ترى ماذا سيحدث؟ وماذا ستكون النتيجة؟ حتى إن كان داخلاً إلى مقابلة هامة: يظل بالخوف يفكر في قلق: ماذا سيقول؟ وماذا سيقال له؟ وهل سوف يقابل بروح طيبة وبشخص متفاهم؟ أم بشخص معقد ومتعب؟ وهل سيخرج من المقابلة فرحاً أم حزيناً. ويستمر معه القلق إلى نهاية المقابلة.

ومن هذا النوع فتاة أتاها من يخطبها:

هل ستعجبه وتتم الخطبة، أم يخرج ولا يعود؟ وماذا سيكون موقف والديها: هل يقبلانه أم لا يقبلان؟ وماذا عن ظروفه المالية والعائلية، وموقف أسرته منه؟.. وتظل الأفكار تتعبها وتقلقها. وتتحير بأية صورة ستقابله؟ وبأي نوع من الزينة ومن الملابس؟ وبأي أسلوب ستتكلم؟ هل تكون مرحة أم تجلس صامتة؟ وأي الأمرين يرضيه؟.. إنه قلق يتعب الفكر ويتعب النفس. وهل إذا رفضته ستندم على رفضه؟ وهل إذا قبلته سوف تستريح معه طول الحياة؟

6. قلق آخر يأتي إلى المتزوجين بسبب الإنجاب:

وبخاصة إذا مضت مدة يظنانها طويلة ولم ينجب الزوجان.. ويزداد القلق كلما طالت المدة.

وحينئذ يتبعهما القلق: هل هو لون من العقم عندهما أو عند أحدهما؟ أم سوف ينجبان ولو بعد حين؟ ومتى؟ وتكثر صلواتهما وطلبهما لصلوات الآخرين.

فإذا استمر عدم الإنجاب يزداد القلق جداً. ويبدأ التفكير في وسائل بشرية، ومنها التفكير في (طفل الأنابيب) ويدخلهم قلق آخر: هل هذا الأمر يرضى الله أم لا؟ وهل إذا اختبرا فكرة طفل الأنابيب ستنجح معهما وتأتي بنتيجة أم لا؟ وهل سيكون ابناً طبيعياُ ومباركاً من الله أم لا؟

7. ومن أسباب القلق أيضاً ما يعانيه الطلبة في فترة الامتحانات:

هل المدة الباقية على بدء الامتحان كافية للمذاكرة والمراجعة أم لا؟ وهل يركزون فقط على الموضوعات الهامة على الكل؟ وهل ستكون الأسئلة سهلة أم صعبة؟ وهل سوف تسعفهم الذاكرة أم سينسون ما ذاكروه؟ وهل سينجحون في الامتحان أم يرسبون؟ وإن كانوا في الثانوية العامة هل سيحصلون على مجموع يؤهلهم إلى الالتحاق بالكلية التي يريدونها؟.. وربما كل هذه الأفكار من القلق تعطلهم عن الاستمرار في المذكرة. إنها أسئلة كثيرة مصحوبة أحياناً بالخوف والاضطراب وتوتر الأعصاب. وأحياناً تكون مصحوبة بأحلام اليقظة..!

لذلك يحتاج التلميذ في هذه الفترة إلى جو هادئ، كما يحتاج إلى صدر حنون يهدئ أعصابه ويبعث فيه الاطمئنان.

8. وقد يأتي القلق بسبب التفكير في المستقبل:

ماذا سيكون المستقبل: أيكون سعيداً أم متعباً؟ ويا ترى ماذا سيأتي به الغد؟ وماذا سينتظرنا من أحداث ومن متاعب؟ وهل ستمر الأيام هادئة أم مقلقة؟ وماذا عن مصروفات البيت وتربية الأولاد؟ وماذا عن موجة الغلاء، وعن البطالة المنتشرة؟

سعيد هو الإنسان الذي يقلق من جهة الغد، وإنما يلقي همومه على الله، ويؤمن أن مستقبله في يد الله الذي يريد له الخير، وهو الذي سيدبر كل أموره حسب مشيئته الصالحة. وبهذا يطمئن ولا يقلق. عليه هو أن يؤدي واجبه كما ينبغي ويكون حكيماً. ويترك الباقي للمعتني بالكل.

9. وقد يكون القلق بسبب المرض:

الخوف من المرض قبل أن يأتي، والخوف أكثر من ذلك إن أتى. ويبدو القلق من جهته: هل هو مرض عادي بسيط أم هو مرض خطير؟ وهل الطمأنة التي تأتي من الأطباء أو من الأقارب والأصدقاء هي طمأنه صادقة أم مجرد تهدئة للنفس تشبه الحبوب المسكنة؟! وهل إذا احتاج الأمر إلى عملية جراحية هل ستنجح أم لا تنجح؟

ويزداد القلق بسبب المرض أحياناً، إذا كان المريض طبيباً، ويعرف نوعيه المرض ومدى تطوره إن أصبح الأمر خطيراً. وكلما يلمح عوارض معينة، يزداد قلقه متخيلاً أسوأ النتائج التي درسها.

 10. ويأتي القلق أيضاً بسبب توقع الموت:

الذي يتوقع، يخاف ويقلق إن لم يكن مؤمناً ومستعداً وبخاصة لو بدا الموت قريباً وقد يحدث ذلك بالنسبة إلى مريض بمرض غير قابل للشفاء، وإنما المسألة هى مجرد وقت قد يقصر أو يطول. فيقلق مثل هذا المريض متى سيدركه الموت؟ وكيف سيكون؟ أو إنسان أرتكب جريمة يحكم القانون عليه بالإعدام: هل سيتم الحكم عليه أم سينجو منه. ويتعبه القلق متوقعاً الموت. وإن صدر الحكم عليه فعلاً بالإعدام: يظل قلقاً في رعب. متى سيأخذونه ليعُدم؟ وكيف يكون الموت؟ وماذا سيكون بعد الموت؟ إنه قلق مستمر، كل دقيقة فيه كدهر! وربما يكون القلق في توقع الموت أو في انتظار الموت، هو أصعب من الموت نفسه.

11. وقد يضطرب الإنسان ويقلق، بسبب أخطار وهمية أو حقيقية:

يفكر فيها الشخص أو يتخيلها، فيقلق بسببها ويضطرب.

مثال ذلك إنسان لم يتعود السفر بالطائرة. فإن سافر بها، تراه يقلق متوقعاً أن يحدث حادث للطائرة. ويتذكر كل ما قد سبق نشره في الجرائد عن حوادث الطائرات. وإن ركب الطائرة، وحدث ولو مطب خفيف في الهواء، يظن أن النهاية قد قربت! ويظل طول فترة السفر قلقاً! ويحسب كم بقى من الوقت لتهبط الطائرة ونفس القلق أيضاً قد يتملك من يسافر في البحر، حينما تزداد الأمواج وتشتد الرياح، وتضطرب السفينة، فيضطرب الركاب معها، وبخاصة من لا يتقن السباحة.. إنها أخطار تسبب القلق.

 12. وقد يكون القلق بسبب ما يحدث للأقارب والأصدقاء:

مثل قلق الأم على ابنها أن تأخر عن موعده في الوصول إلى البيت.. أو قلق الأب على ابنته، لئلا يخطفها بعض الأشرار، أو يصيبها ضرر منهم. أو القلق على بعض الأحباء في سفرهم أو في غربتهم أو القلق على صديق في حالة مرض.. كل ذلك ليس قلقاً على النفس، بل على الغير.

    13. وقد يكون سبب القلق هو الشك:

مثل شك الزوج في مدى أمانة زوجته له، واحتمال علاقتها بآخر فيتعبه القلق من جهة هذه العلاقة، وقد تكون بريئة، ولكنه الشك القاتل، الذي يشك في كل ابتسامة، وكل كلمة، وكل عبارة إعجاب. أو قد يشك الشخص في إخلاص صديق له، أو إخلاص خادم له. ويظن أن أسراره الخاصة تخرج إلى الخارج، وأن هناك خيانة.. أو قد يشك في شريكه في العمل، وأنه يعمل لحسابه الخاص مما يؤدي بشركته إلى الإفلاس أو تدهور وضعها المالي.

 14.  وقد يأتي القلق بسبب ما تنشره الجرائد من أخبار:

وبخاصة في أيام الحرب والقلاقل أو الاضطرابات الداخلية أو ما تنشره وسائل الإعلام من أخبار الزلازل والفيضانات، والحرائق، ومن أخبار السطو على البنوك، وما تفعله المافيات وعصابات المجرمين.. وقد يجلب القلق أيضاً ما ينشر عن البطالة وسوء الحالة الاقتصادية واضطراب البورصة وأسعار العملة.. وما يجره كل ذلك من مشاكل عائلية، أو تأخر سن الزواج، أو اللجوء إلى الإدمان، وما يسمى بالزواج العرفي وتعرض الشباب إلى الفساد. فيقلق الآباء على أبنائهم.

  15. وقد يأتي القلق من أسباب أخرى كثيرة:

مثل قلق إنسان أرتكب جرماً ويخشى من اكتشاف هذا الجرم، وما يتبع ذلك من فضيحة أو عقوبة. ويظل قلقاً هل سيُكتشف؟ أو قلق من شخص بسبب أعداء ربما يتسببون له في ضرر.

أو قلق من يشعر أنه يعيش في بيئة تدعو إلى الخوف، سواء من جيران، أن زملاء في العمل، أو رئاسة قاسية، أو بيئة مخدرات، أو منطقة يقطنها لصوص، أو شباب منحرف.

  16.  وقد يأتي القلق من طبيعة النفس ذاتها، وبدون سبب خارجي:

كالنفس التي تتصور خطراً حيث لا يوجد خطر، أو تتخوف من ضرر حيث لا يوجد ضرر.أفكارها هى التي تتعبها حتى إن أحبت أحداً، تظل تقلق عليه، خوفاً من أن يصيبه شر ما، من حيث لا تدري.

++++++++

ما هو مقياس الفضيلة؟

هو مجرد مظاهر خارجية.

أم هو جوهر الإنسان من الداخل: في أوعية قلبه وفكره ونواياه؟

نقول هذا لأن الإنسان قد يكون في مظهره الخارجي شيئاً ما وفي حقيقته الداخلية شيئاً آخر!! قد يراه الناس في صورة معينة. ولكن الله العارف بالقلوب يجده في صورة أخري غير ما يراه الناس.

والإنسان البار يهمه قبل كل شيء حكم الله عليه وحكم ضميره. وليس رأي الناس فيه. فالناس لا يعرفون دواخله. ويحكمون حسب الظاهر.

نقول هذا لأن بعض الوعاظ. والمشرفين علي التربية يركّزون علي المظهر الخارجي وحده. ولا يهتمون بنقاوة القلب من الداخل. ولا يعطونها ما تستحقه من الاهتمام الأول والرئيسي.
وسنحاول أن نضرب لذلك بعض الأمثلة

مثال واضح أمام الجميع. وهو العفة والحشمة:

أهم ما يشغل الناس في حشمة الفتاة مثلاً. هو الاهتمام بمظهرها. بملابسها وزينتها. وهل هي تتفق مع الحشمة أم لا. ولا شك أن مظهر الفتاة أمر هام. ولكن الأهم منه هو الباعث الداخلي الذي يكمن في القلب وراء عدم الحشمة.

المفروض في رجال التربية أن يكون تركيزهم علي الداخل. وهكذا إن كان القلب نقياً وتقياً. وقد تخلص من المشاعر الخاطئة التي تدفع الفتاة إلي التبرج في زينتها. حينئذ هي نفسها من تلقاء ذاتها ستتخلي عن كل أخطاء الملابس والزينة. بدون أي ضغط عليها أو توبيخ أو عنف. بل بروح طيبة تلقائية ستسلك حسناً.

بل كما قال أحد الآباء إن الفتاة العفيفة تحتفظ بحشمتها حتي داخل غرفتها المغلقة. حيث لا مراقبة ولا من ينتقدها..!

أما الإرغام علي المسلك المحتشم. فحتي إن كان يُصلح الشكل والمظهر. فإنه لا يصلح القلب من الداخل. بل يبقي بنفس رغباته وشهواته. وربما يضاف إليه بعض مشاعر من التذمر والكبت والضيق. مع انتظار أية فرصة للحرية والانطلاق. حيث لا رقيب.
أما إذا تنقي القلب. فإنه حينئذ سينفذ كل التوجيهات والنصائح برضي وقبول. أو قد لا يحتاج إلي نصائح. فمن ذاته يسلك حسناً.

وبالمثل نتحدث عن الشاب الذي يطيل شعره. ويلبس ملابس غير لائقة. ويكون موضع انتقاد كشخص غير متدين.

هذا الشاب يحتاج أن تتغير قيمه وموازينه من الداخل. فيعرف ما هي معاني الرجولة وقوة الشخصية؟ وأنه لا يستطيع أن يكتسب احترام الآخرين وتقديرهم بمنظره الزائف. فإن اقتنع بهذا من الداخل. فبلا شك سوف يغيّر مظهره. بدون توبيخ وبدون قهر أو زجر.

إن الإصلاح من الداخل هو أكثر ثباتاً ورسوخاً في النفس.

وبه ينصلح الإنسان بطريقة حقيقية بدافع من الاقتناع. ولا يقع في تناقض بين ما يريده هو. وما يريده له المرشدون. ولا يكون معرضاً لصراع بين داخله وخارجه. كما أنه لا يكون تحت ضغط بحيث يتلمس ظروفاً للانفلات من هذا القهر الخارجي.
فلنبحث إذن عن الأسباب الداخلية التي تدفع إلي الأخطاء الخارجية ونعالجها:

لنأخذ الكذب مثلا كظاهرة. ونبحث أسبابها لنعالجها:

الشخص الذي يكذب: هل ستصلحه عظات عن مضار الكذب. أو توبيخ له علي كذبه؟ أم أن الأعمق تأثيراً عليه وإصلاحاً له. أن ندخل إلي أعماقه. ونبحث ما هي الأسباب التي تجعله يكذب؟

هل السبب في الكذب هل تغطية خطأ معين يخشي من انكشافه؟ أم الرغبة في الحصول علي منفعة ما؟ أو القصد من الكذب هو الافتخار والتباهي؟ أو التخلص من الإحراج؟ أو السبب هو الخجل؟ أم هي قد أصبحت عادة. بحيث يكذب حتي بلا سبب؟ أم هو يكذب بقصد الفكاهة. أو بقصد الإغاظة؟ أو التلذذ بالتهكم علي الناس؟!

نبحث عن سبب الكذب ونعالجه. ونقنع صاحبه بعدم جدواه. ونقدم له حلولاً عملية للتخلص من كذبه. أو بدائل لا خطأ فيها.

كالصمت مثلاً إذا أُحرج. أو الهرب من الإجابة بطريقة ما. أو الرد علي السؤال بسؤال. أو الاعتذار عن الخطأ بدلاً من تغطيته بالكذب. وكذلك الاقتناع بخطأ التباهي. وخطأ التهكم علي الناس. إن كان هذان من أسباب الكذب. مع الاقتناع أيضا بفائدة كسب ثقة الناس واحترامهم عن طريق الصدق. بدلاً من فقد ثقتهم عن طريق الكذب.

وهكذا نعالج الداخل. فيزول الخطأ الخارجي تلقائياً.

وكما نهتم بالداخل. نهتم أيضا بأعمالنا الخارجية. فالمفروض فينا أن نكون قدوة. كما أن أخطاءنا الخارجية تسبب عثرة للآخرين.

والواجب أن يسلك الإنسان من الخارج مظهراً وفعلاً سلوكاً حسناً مع اعتبارين: أن يكون السلوك الطيب لإرضاء الله وليس فخراً. كما أن هذا السلوك الخارجي الطيب يكون طبيعياً نابعاً من نقاوة القلب.

فإن كنت لم تصل إلي نقاوة القلب هذه. فاغصب نفسك علي ذلك في سلوكك الخارجي. حتي لا تخطيء فتفقد ثقة الناس بك واحترامهم لك.

ولا يعتبر هذا لوناً من الرياء. إنما يكون في هذه الحالات لوناً من ضبط النفس. ولا شك أن ضبط النفس من الخارج لازم ومطلوب. ويدخل في نطاق التداريب الروحية التي يصل بها الإنسان إلي حياة النقاوة.

إذن نظّف داخلك ليتفق مع وضعك الخارجي السليم..

ولا تهبط بمستواك الخارجي. إن كان مستواك الداخلي غير سليم المفروض أن تكون نقياً من الداخل ومن الخارج. فحاول أن تصل إلي الأمرين معاً. فإن بدأت بأحدهما. أكمل بالآخر أيضا.

احتراسك الخارجي ممدوح. ولكن لا تكن مكتفياً به. بل أضف إليه النقاوة الداخلية. وليكن هذا هو تدريبك في كل الفضائل.

ہخذ مثالاً هو الصوم: من جهة السلوك الخارجي والعمل الداخلي.

ليس الصوم هو مجرد فضيلة خارجية خاصة بالجسد وحده من جهة الامتناع عن الطعام وشهوات الأكل. إنما ينبغي أيضا منع النفس عن الأخطاء. ويتمشي المنع الداخلي للنفس مع منع الجسد.

فإن كان الإنسان لم يصل إلي هذا المستوي الروحي في داخله. فليس معني هذا أن يكسر صومه ويفطر! وألا يكون قد انحلّ جسداً وروحاً.. بل عليه أن يدرب قلبه من الداخل. ليتمشي مع صوم الجسد من الخارج.ولو بالجهد والتدريب.

وبهذا يمكننا أن نضع قاعدة روحية للتوازن بين المستويين الداخلي والخارجي وهي:

إن كان أحد المستويين مرتفعاً والآخر منخفضاً. ارفع المنخفض إلي مستوي المرتفع.
ولكن لا تكتف مطلقاً بأن تسلك حسناً من الخارج. فالله ينظر أولاً إلي القلب. إنما جاهد باستمرار أن تنقي قلبك. وأن يكون كل سلوكك الخارجي السليم هو مجرد تمهيد أو تدريب للعمل الجواني داخل النفس.

وكثيراً ما تكون التنقية الخارجية وسيلة للتنقية الداخلية:

مثال ذلك شاب تحاربه في داخله أفكار شهوانية جسدية لا تتفق مع حياة العفة. وربما تسبب له أحلاماً دنسة تتعبه.. أتراه يستطيع أن يسلك من الخارج هكذا. ليكون خارجه تماماً كداخله؟! كلا بلا شك. وإلا فإنه يضيّع نفسه. ويضيف إلي خطايا الفكر والقلب. خطايا العمل والحسّ والجسد.

مثل هذا. عليه أن يحترس جداً من الخارج. وهذا الاحتراس الخارجي يساعده علي النقاوة الداخلية. وبالتالي تخف عليه الحروب الداخلية.

لذلك. لا تيأس مطلقاً.

ولا تقل ما فائدة النقاوة الخارجية.

إذا كان الداخل دنساً؟!

كلا. إن صمودك الخارجي يعني رفضك للخطيئة.

أضف إليه صموداً آخر ضد الأفكار. وثق أن الله سيعينك عليها. ومن أجل أمانتك من الخارج. سيرسل الله لك نعمة تنقذك من حرب الفكر في الداخل.. بل إن احتراسك من الخارج سيمنع عنك حروباً داخلية كثيرة. وعلي الأقل سوف لا تحارب في ميدانين في وقت واحد. وحرصك من الخارج سيدخل عنصر الحرص في حياتك بصفة عامة. ولا يسمح للخطية أن يكون لها سلطان عليك.

حتي إن جاءتك الخطية في حلم. وأنت في غير وعيك. يكون عقلك الباطن متنبهاً لها تماماً ورافضاً لها. وهكذا لا تخطيء في أحلامك أيضا.

هذا كله من الناحية السلبية. في رفض الخطأ. فماذا إذن من الناحية الإيجابية؟ نقول إنه إذا تنقي القلب. تكون كل أعماله الفاضلة ذات دوافع روحية. ومن أجل الله وحده. وليس من أجل الذات.

فلا يفعل الإنسان الخير. من أجل أن تكبر ذاته في عينيه. ولا من أجل أن يكبر في أعين الناس.

وكلا الأمرين يدخلان في نطاق خطيئة المجد الباطل. ويدفعان المرء إلي خطيئة الرياء. ويصبح هدفه من عمل الخير هو أن ينال مديحاً من الناس. وبهذا يهتم فقط بالمظهر الخارجي. حيث يراه الناس ويمجدونه!

وبالاهتمام بالمظاهر الخارجية. لا يصبح الخير الذي يفعله الإنسان خيراً حقيقياً مقصوداً لذاته. إذ قد امتزج بالخيلاء ومحبة الذات ومحبة المجد الباطل. ولا يكون هدفه نقياً.. إذ ليس هدفه حب الخير. ولاطاعة الله.

وليس هو صادراً عن نيّة طيبة ولا عن طبيعة نقية.

وهنا نسأل:هل معني هذا أننا لا نفعل الخير مطلقاً أمام الناس. حتي لا نتعرض إلي مديح منهم. وننال أجرنا علي الأرض لا في السماء؟!

كلا. وإنما لا يكن هدفنا من الخير أن ننال مديحاً من الناس. بل نفعل الخير سواء رآنا الناس أم لم يرونا. مدحونا أم لم يمدحونا.. كذلك إن امتنعنا عن عمل الخير خوفاً من المديح. سنفقد رسالتنا كقدوة للناس. وقد نوقعهم في مذمتنا. إذ لا يرون في حياتنا خيراً!

ومن جهة المديح. كان الرسل والأبرار في كل جيل يقابلون بمديح من الناس ومازال المديح يلاحقهم حتي بعد موتهم ولم يكن في ذلك خطأ ولا خطيئة.

ومن غير المعقول أن يتوقف البار عن عمل الخير تماماً. لكي ينجو من مديح الناس!!

إذن كيف نوفق بين كل هذا. وبين فضيلة عمل الخير في الخفاء؟

إن هناك أعمالاً كثيرة لابد أن تكون ظاهرة: مثل نجاحنا في أعمالنا. وتفوقنا. وأمانتنا في كل مسئولية تعهد إلينا. كذلك ذهابنا إلي أماكن العبادة. واشتراكنا في الصلوات العامة والأصوام العامة. ومساهمتنا في خدمة الآخرين وإعانتهم. والعضوية الفعالة في كل أعمال البر. أترانا نترك كل هذا خوفاً من أن يظهر برنا أمام الناس فيمدحوه؟!

كلا بلا شك.

فليست خطيئة أن يعرف الناس ما نفعله من الخير.

إنما الخطيئة هي أن يكون الهدف من فعل الخير أن يراه الناس فيمدحوه.

فإن كنت تفعل الخير. وقلبك نقي من محبة المظاهر. وليس هدفك أن يراك الناس.. إذن فلا تهتم مطلقاً إن عرف الناس أنك فعلت ذلك.

في عمل الخير. كن محباً للخير. ولا تكن محباً للمديح.

وإن وصل المديح إلي أذنيك. لا تدعه يدخل إلي قلبك. بل اذكر نعمة الله التي ساعدتك علي عمل الخير. ولولاها ما كنت تستطيع أن تعمل شيئاً وأهم من إخفائك فضائلك عن الناس. حاول أن تخفيها أيضا عن نفسك. وذلك بأن تنسي الخير الذي عملته من فرط تفكيرك في خير أكبر تريد أن تفعله. مصلياً أن يمنحك الرب الفرصة لعمله. والقدرة علي عمله. واشكر الله علي معونته.

+++

 

 

 

 

الوداعة

الوداعة صفة نبيلة هادئة.

والإنسان الوديع هو شخص محبوب من الكل.

فما هي صفات الإنسان الوديع؟

"1" الإنسان الوديع طيب وهاديء ومسالم:

إنه هاديء في صوته. لا يصيح ولا يُحدث شغباً. وهاديء أيضاً في معاملاته. لا يخاصم ولا يقطع صلته بإنسان. ولا يحتد علي أحد. لا يقطع رجاء إنسان: فلا يطفيء فتيلة مدخنة. ربما تمر عليها ريح بعد حين. فتشعلها. هكذا يتصرف مع صغار النفوس.

والإنسان الوديع له صوت منخفض خفيف. فهو لا يرفع صوته أزيد مما يجب. ولا يعلو صوته أكثر مما تستلزم الحاجة في الكلام. صوته هاديء غير صاخب. بعكس العنفاء الذين في كلامهم صخب. يتكلمون بصوت عال وبحدّة وعنف. أحياناً صوتهم يرعب!

"2" والوديع كما أن صوته منخفض. كذلك نظراته منخفضة أيضاً

لا يحدّق في أحد. ولا يحملق في أحد. تنطبق عليه عبارة "لا يملأ عينيه من وجه إنسان". لذلك فهو يحتفظ بعلاقات طيبة مع الكل. لأنه لا يفحص مشاعر الناس بنظراته. ولا يحاول أن يعرف بذلك ما بداخلهم. لأن معرفة الدواخل تعكر المعاملات.

أما غير الوديع فإنه يكلم غيره. وينظر إلي عينيه أثناء كلامه. ليري هل هو صادق أم لا؟ وهل نظراته عكس كلامه؟ وهل ملامحه عكس كلامه؟ وهل هو يبطن غير ما يظهر؟ وهل.. وهل؟ مما يوجب الشك فيه!!

أما الوديع فيعيش في سلام مع الناس. لأنه لا يفحص ملامحهم وتصرفاتهم

إن تعامل مع أحد. لا يتناول هذا الشخص وأعماله بالفحص والتدقيق ليصدر أحكاماً عليه. وإن جلس مع أناس يأكلون. لا ينظر إليهم ماذا يأكلون وكيف؟ وأي صنف يأكلونه؟ وما الذي يحبونه أكثر من غيره؟ وهل يأكلون بسرعة أو بشهوة أو بنهم. إنه لا يراقبهم أثناء أكلهم. كما لو كان يحصي كم لقمة يأكلونها!!

إنه هاديء لا يفحص أعمال الناس. ولذلك فهو لا يقع في إدانة الآخرين ومسك سيرتهم.

بل يقول في داخله ما شأني بهذا؟!

فإدانة الآخرين تأتي غالباً من فحص تصرفاتهم ومراقبتهم. أما الوديع فيقول في نفسه "أنا مالي؟ خلْيني في حالي". نعم ما شأني بكل هؤلاء؟ ومن أقامني قاضياً عليهم؟! لماذا أتدخل في أمور لست أنا مسئولاً عنها؟ ولماذا أقحم نفسي فيما لا شأن لي به؟! وهكذا يحتفظ بسلامه الداخلي وسلامه مع الناس.

والإنسان الوديع يكون دائماً بشوشاً. لا يعبس في وجه أحد

لا يقطب جبينه ولا نظراته. ولا يتجهم. ولا يستقر عليه أبداً روح الغضب أو الضيق. له ابتسامة حلوة محببة إلي الناس. وملامح مريحة لكل من يتأملها. ولا تسمح له طبيعته الهادئة أن يزجر وأن يوبخ. وأن يشتد ويحتد. بل هو بطبيعته إنسان هاديء. وكلامه لطيف وليّن. وبخاصة إن كان من العاملين في الخدمة الاجتماعية.. له الوجه السمح والمحبوب الذي يفيض سلاماً علي غيره.

ومادام الوديع يتمتع بسلام داخلي. فهو لا ينزعج ولا يضطرب. مهما كانت الأسباب الخارجية..

قد يكون البحر هائجاً والأمواج مرتفعة. والسفينة تضطرب في البحر وتميل يميناً ويساراً. أما الصخرة الثابتة في البحر فإنها لا تضطرب. والجنادل التي في البحر لا تهتز. مهما كان عنف الأمواج.

كذلك الوديع: هو كالصخرة أو الجندل. لا يتزعزع مهما كانت الظروف. بل في هدوء يسلّم الأمر لله. ويقول مع المرتل في المزمور: "إن يحاربني جيش فلن يخاف قلبي. وإن قام عليّ قتال. ففي هذا أنا مطمئن".

قال أحد الآباء الروحيين:

من السهل عليك أن تحرك جبلاً من موضعه. وليس سهلاً أن تحرك الإنسان الوديع عن هدوئه.

ومهما عومل الوديع. فإنه لا يتذمر ولا يتضجر. ولا يشكو..

بل غالباً ما يلتمس العذر لغيره. ويبرر في ذهنه مسلكه. ولا يظن فيه سوءاً. وكأن شيئاً لم يحدث! ولا يتحدث عن إساءة الناس إليه. ولا يحزن بسبب ذلك في قلبه. فإن تأثر بسبب ذلك أو غضب. سرعان ما يزول تأثره ويصفو. ولا يمكن أن يتحول حزنه المؤقت إلي حقد.

وقد يثور البعض عليه. ويوجه إليه اتهامات أو إهانات. فلا يحتد ولا ينتقم لنفسه. ولا يقاوم الشر.. بل قد يصمت في هدوء. ويبتسم في وجه من يثور عليه ابتسامة بريئة. وكأنه ليس المعنيّ بما يقال. وابتسامته تجعل الثائر عليه يخجل من إهانته له.

هذا الإنسان الوديع. له أحياناً طبع الطفل الهاديء المبتسم.

الإنسان الوديع بعيد عن الغضب. حليم واسع الصدر

إنه لا يغضب بسرعة. ولا ببطء! ولا ينفعل الانفعالات الشديدة. ولا تراه أبداً ثائراً ولا عصبياً. بل ملامحه دائماً هادئة..وكما أنه لا يغضب من أحد. فإنه أيضاً لا يتسبب في غضب أحد. وإن غضب عليه أحد. فإن له "الجواب اللين الذي يصرف الغضب"..لذلك فهو إنسان طويل البال. وكثير الاحتمال. يحتمل من يخطئون إليه. ويطيل أناته. ويعيش معهم في سلام.

ليس أي سبب يثيره.. ولهذا إن غضب الوديع. فلابد أن أمراً خطيراً قد دعاه إلي ذلك. وغالباً ما يكون غضبه بسبب الضمير والحق. وليس بسبب كرامته أو حقوقه كما يفعل غير الودعاء.

وإن غضب. فإنه لا يثور ويفقد أعصابه. وإنما يغضب في رصانة معبراً عن عدم موافقته وعدم رضاه. فالوديع أعصابه هادئة لا تنفعل بسرعة. وإذا انفعل لا يشتعل.

وإذا غضب لا يحقد. بل سرعان ما يصفو.

الإنسان الوديع مسالم وصفوح. ولا ينتقم لنفسه

لا يقاوم الشرّ. أي لا يقابله بمثله. ولا يدافع عن نفسه. بل غالباً ما يدافع الغير عنه. موبخين من يسيء إليه بقولهم "ألم تجد سوي هذا الإنسان الطيب لتعتدي عليه؟!"

الإنسان الوديع لا يؤذي أحداً. بل يحتمل الأذي من المخطئين. ومن الأمثلة الجميلة ما قيل عن سليمان الملك وسعة صدره. إن الله منحه "حكمة وفهماً كثيراً جداً". ورحبة قلب كالرمل الذي علي شاطيء البحر.

والإنسان الوديع طيب. سهل التعامل مع الناس

إذا تناقش مع أحد. لا يجعل المناقشة تحتد وتتعقد. بل يبدي رأيه ببساطة. ويدافع عنه بهدوء. ويدافع عنه في وداعة الحكمة. حتي إن كان ينبه محاوره إلي خطأ. يفعل ذلك بنبل دون أن يجرحه.

إنه بسيط في التعامل. ليس عنده دهاء ولا مكر ولا خبث. ولا يظهر غير ما يبطن. ولا نعني بكلمة "بسيط" أنه إنسان ساذج! كلا. بل قد يكون حكيماً في منتهي الحكمة. ولكنه في بساطته لا يعقد الأمور. وهو لا يلف ولا يدور في حديثه. ولا يدبر خططاً ضد أحد. بل هو صريح ومريح. يمكنك أن تثق به وتطمئن إليه

وهو رقيق في معاملته. لا يخدش شعور إنسان مهما أخطأ. بل هو حلو الطبع. دمث الخلق.. لذلك تجده محبوباً من الكل بسبب طيبته.

والإنسان الوديع مملوء من الحنان والعطف حتي علي أشر الخطاة!

فإن رأيت إنساناً قاسياً في تعامله. أعلم أنه غير وديع.. فالوديع لا ينتهر خاطئاً. بل يقول في نفسه "وأنا أيضاً أخطيء" وهو يضع أمامه أربع درجات في التعامل مع من يخطئون إليه:

ہ منها احتمال المخطيء إليه. فلا يغضب عليه ولا يثور ولا يحتد

ہ ثم المغفرة للمخطيء. فلا يمسك عليه خطيئته. ولا يحقد عليه

ہ وأيضاً الصلح مع المخطيء. ولتكن المبادرة منه هو

ہ وأكثر من هذا كله. محبة المخطيء كأخ. والصلاة من أجله.

وهو لا يفعل كل هذا. إلا إذا كان قلبه واسعاً. وطبعه هادئاً.

وكان يتذكر أن الله تبارك اسمه "لم يصنع معنا حسب خطايانا. ولم يجازنا بحسب آثامنا".

الإنسان الوديع لا يتشبث برأيه. ولا يكون عنيداً

إن دخل في مناقشة. يكون هدفه أن يكسب محاوره لا أن يغلبه.. فهو لا يظهر للمناقش أخطاءه. ولا يكشف له ضعف حجته. بل إنه في إيجابية وديعة يشرح وجهة نظره بأسلوب رقيق مقنع. وهو يتقبل الرأي الآخر. ويمتدح ما فيه من نقاط طيبة. ولا يعلو صوته في النقاش. ولا يعارض في عصبية. إنما في كسبه لمن يناقشه بكل لياقة وأدب. يمكنه أن يكسب المناقشة ذاتها.

أما غير الوديع. فيتمسك بأية نقطة مهما كانت صغيرة ويقيم عليها مشكلة ومناقشة. ويكبرّها ويضخمها. ويتباهي بما يكسبه من نقاط. حتي ليقول البعض لصاحب الرأي الآخر "هل وقعت في يد فلان؟! فلينقذك الله منه. لأنه يمكنه أن يستنتج لك أخطاء في كلامك. لم تفكر فيها قط!!"

الإنسان الوديع هو شخص "مهاود". يميل إلي الطاعة

طبعاً يطيع فيما لا يخالف ضميره. وما لا يخالف وصية الله. أما في الأمور العادية. فلا يجعلها مجالاً للجدل والنقاش.

أما غير الوديع. فقد يكون صلباً وشديداً في كل ما يُطلب منه. ويظل يضع أسئلة وعراقيل: لماذا تريد؟ وكيف يمكن التنفيذ وهناك صعاب؟

ولماذا تطلب مني أنا بالذات؟ وعلام الإسراع؟ ومن قال لك إن وقتي يسمح وأن ظروفي تسمح؟! ويستمر في المعارضة. وقد ينتهي إلي الرفض. أو يوافق أخيراً بشروط مشددة. وبعد تعب في الأخذ والرد..!

أما الوديع فإنه يريد أن يريح غيره

والخير الذي يستطيع أن يعمله لأجل غيره. فإنه يعمله بكل محبة وهدوء. وبدون جدل. ويكون مستعداً لأداء أية خدمة. سواء كان ذلك في نطاق عمله الرسمي أو تطوعاً منه.. بعكس بعض الموظفين الذين ليست لهم استجابة لطلبات الجماهير. وقد قلت مرة في ذلك:

الموظف المريح يجد حلاً لكل مشكلة. والموظف المعقد يجد مشكلة لكل حلّ!

لذلك إن نال الوديع مركزاً أو سلطة. يستخدم ذلك لمنفعة الناس.. لا يرتفع قلبه بسبب المركز أو السلطة. بل يظل خادماً للجميع. محققاً للناس ما يستطيع أن يحققه لهم عن طريق سلطته وإمكانياته.

من أجل هذا. يكون الوديع باستمرار شخصاً محبوباً

الناس يحبون فيه طيبة قلبه. وبشاشة ملامحه. وحسن تعامله. وخدمته للكل. ورقة أسلوبه. وبسبب ذلك يدافعون عنه إن أصابته أذية. حتي إن كان هو لا يدافع عن نفسه. والشخص الذي يستغل طيبته ويظلمه. يتعبه ضميره ويخاف. لأنه أذي إنساناً طيباً لا يؤذي أحداً.

والإنسان الوديع له سلام في قلبه. لا يتعب من أحد

وإن ضغطت عليه الظروف وتعب. لا يظهر تعبه في الخارج بهيئة ضيق أو نرفزة أو برد الإهانة بمثلها. كلا. فكما أن له سلاماً داخل قلبه. له سلام كذلك مع الناس.

ومن صفات الوديع. البعد عن العنف

بل إن كلمة العنف هي عكس الوداعة تماماً. وحتي لو كان الوديع في موضع المسئولية. ومن واجبه أن يوبخ وينتهر. فإنه يفعل ذلك بهدوء بغير عنف. وإن اضطر أن يجازي. فإنه يحكم بغير قسوة. ويكون رقيقاً في نصحه.

وأتذكر إنني قلت في رثاء أستاذ لنا كان وديعاً
 

ياقوياً ليس في طبعه عنف ووديعاً ليس في ذاته ضعفُ

ياحكيماً أدّب الناس وفي صوته حبّى وفي زجره عطفُ

لم تنل بالذم إنساناً ولم تذكر السوء إذا ما حلّ وصفى

لك أسلوب نزيه "طاهر" ولسان أبيض الألفاظ عفُّ

إنما بالحب والاشفاق قد تصلح الأعوجّ. والأكدرُ يصفو

+++

 

ثياب الحملان

قال السيد المسيح وهو يحذر تلاميذه من اليهود في أيامه "يأتونكم بثياب الحملان. وهم ذئاب خاطفة"!!

أي يأتونكم بمظهر الطيبة والوداعة والمسالمة. وهم عناصر عنيفة فتاكة تشبه الذئاب التي تخطف. فما هي تأملاتنا في ثياب الحملان هذه. وفي أية المجالات يمكن أن تنطبق؟؟

يمكن أن ينطبق هذا الوصف علي العدو الذي يلبس ثياب الأصدقاء. أو علي الخاطئ الذي يتظاهر بالبر. ويمكن أن ينطبق علي المرائين الذين قال عنهم السيد المسيح إنهم يشبهون القبور المبيضة من الخارج وفي داخلها عظام نتنة...

وثياب الحملان يمكن أن يلبسها الشيطان نفسه..!

فالشيطان يتقن أساليب الخداع. ويستطيع أن يظهر إن أراد في هيئة ملاك من نور. أو في صورة أحد الأنبياء أو القديسين. أو في هيئة روح من أرواح الموتي. وقد يتخذ له أي اسم من الأسماء وأي شكل وأي صوت.. ويستطيع الشيطان أن يظهر في رؤي كاذبة. أو في أحلام كاذبة. ويوجه الإنسان بطريقة ما...

لذلك ينبغي علي كل إنسان أن يكون حريصاً وحكيماً. وله موهبة التمييز.

والكتاب ينصحنا بأن نميز الأرواح.. وإن لم يكن لاحد منا هذه الموهبة. حينئذ تنفعه المشورة الصالحة. حينما يذهب إلي أحد المختبرين. ويستشيره في أمثال هذه الأمور ليكشفها له. لأن الشياطين استطاعت أن تضل كثيرين صدّقوا خداعها ولم يكتشفوها. لأنها كانت تلبس ثياب الحملان.

علي أن تعبير "ثياب الحملان" يمكن أن ينطبق أيضا علي الرذائل التي تلبس ثياب الفضائل وعلي الأخطاء التي تتسمي بغير أسمائها.

إن الخطيئة التي تغري الأشرار وهي مكشوفة وصريحة. لا تستطيع أن تحارب الأبرار والقديسين هكذا. لأنها لو ظهرت لهم بوجهها الصريح لرفضوها. لذلك فإن الشيطان حينما يحاربهم بخطية معينة. قد يلبسها ثوب الفضيلة. أو يعطيها اسما يريح الضمير! وهكذا يضل غير الحكماء وغير العارفين. ومثل هذا التضليل يمكن أن يكشفه المرشد الروحي إذا ما عُرض عليه...

 

وهذه الأسماء المستعارة التي تلبسها الخطية. قد يستخدمها أشخاص يعرفون تماما أنهم مخطئون. ولكنهم يخفون أخطاءهم بثياب الحملان. حتي لا يخجلوا أمام الآخرين. وحتي لا ينكشفوا.

إن ثياب الحملان قد يقع فيها البعض عن طريق الجهل وعدم الخبرة. وقد يستخدمها البعض بأسلوب الخداع أو الرياء.

وأمثال هؤلاء المرائين:إن استطاعوا أن يخدعوا غيرهم. إلا أنهم مكشوفون أمام الله فاحص القلوب والأفكار والنيات. ومكشوفون أيضا أمام ضمائرهم... وقد يكشفهم الناس كما يقول الشاعر:

ثوب الرياء يشفّ عما تحته .. فإذا التحفت به فإنك عار علي أن هؤلاء المرائين. قد يسهل بهم الاستهتار أحياناً إلي أن يتهكموا علي البسطاء. لكي ينطوي عليهم الخداع.

وثياب الحملان يستخدمها العقل أحياناً لتبرير سلوك النفس:

إن العقل لا يكون في كل وقت عقلاً صرفاً. أو مفكراً في الحق تفكيراً سليماً.. وإنما كثير ما يكون العقل خادما مطيعا لرغبات النفس... يحاول أن يبرر شهوات هذه النفس. وأن يبرر سلوكها. حتي لا تبدو مدانة أمام الضمير.. وهكذا يعطي الخطايا والنقائص أسماء مقبولة غير اسمائها الحقيقية.

وسنحاول أن نضرب لذلك بعض الأمثلة:

فالاستهتار مثلا يلبس ثياب الحملان. ويأخذ اسم الحرية!

وكلمة الحرية كلمة جميلة لا يجادل أحد في سمو معناها.

وتحت اسم الحرية يفعل الشخص ما يشاء. مستخدما هذا الاسم الجميل في فعل ما لا يليق. ناسياً أن الحرية في معناها الحقيقي. هي تحرر النفس من الأخطاء ومن الشهوات المعيبة..

فالشخص الحر هو الذي لا تستعبده عادة رديئة أو شهوة بطالة أو طبع فاسد. وليس معني الحرية أن يكسر أحد وصايا الله ويقول أنا حر أفعل ما أشاء!! فمثل هذا الشخص ليس هو حراً. بل هو مستعبد للشيطان وإغراءاته.. هو يحاول أن يُلبس الاستهتار ثياب الحملان. ويعطيه اسم الحرية.!!

وليست الحرية أن تكسر قواعد المرور. وتقول أنا حر أسير كيفما أشاء!! فهذه ليست حرية. إنما هي استهانة بالنظام العام... وفي بعض بلاد الغرب لبس الفساد. والشذوذ الجنسي. وإدمان المخدرات ثياب الحملان. وتسمي باسم الحرية الشخصية.. وفي بعض البلاد لبس الالحاد والانحراف الديني والمذهبي ثياب الحملان أيضا. وتسمي باسم الحرية الدينية وحرية العقيدة!! حتي أن بعضهم اعتنق عبادة الشيطان. وبني له بيوتا للعبادة وممارسات.. وطالب الدولة بحمايتها. باسم الحرية!!

كذلك قد تلبس الشهوة الجسدية ثياب الحملان. وتتسمي باسم الحب!

والحب كلمة جميلة في معناها السامي تنال توقير الجميع...

ولكن هل كل ما يسمونه حباً. هو حب في حقيقته؟! ألا يجوز أن خطية ما تخشي أن تكشف عن حقيقتها الفاسدة. فتلبس ثياب الحملان وتتسمي بهذا الاسم الجميل؟! ألا يحدث أحياناً أن شاباً يصادق فتاة صداقة غير بريئة مملوءة بالأخطاء الواضحة الفاضحة. ويسمي هذه العلاقة خطأً باسم الحب. وهي بعيدة عنه كل البعد!!

أتذكر أنني مرة في حديث صحفي سئلت عن الفرق بين الحب والشهوة؟

فقلت إن الحب يريد دائما أن يعطي. والشهوة تريد دائما أن تأخذ..

إن الذي يحب فتاة محبة حقيقية. المفروض فيه أن يحب لها الخير.

فلا يسيء إلي عفتها وطهارتها. ولا يسيء كذلك إلي سمعتها...

فإن أتلف عفة هذه الفتاة. وأفقدها بساطتها. وأدخلها في خبرات خاطئة. وشغل عقلها. وضيّع وقتها أو مستقبلها. وعلّمها الكذب علي أهلها. وعوّدها العمل الخاطئ في الخفاء.. فلا يصح أن يقول علي الرغم من كل ذلك إنه يحبها..!

فالذي يحب. ينبغي أن يكون طريقه سليماً وواضحاً. ويعمل في النور وليس في الظلام. ولا يصح أن يكون الحب مجرد ثياب حملان تخفي في داخلها ذئاباً خاطفة..

كذلك قد تلبس القسوة ثياب الحملان. وتتسمي بالحزم..

فقد تعاتب أباً قاسياً يسوم أولاده ألوان العذاب. فيبرر موقفه بأنه ليس قاسياً. وإنما هو حازم! ويطلق علي معاملته الفظة الخشنة لأبنائه اسم التأديب أو التربية! ويقول عن عنفه في تربية أبنائه إنها حفظ لهم حتي لا يخطئوا! بينما تكون قسوته بعيدة كل البعد عن أساليب التربية. وقد تأتي بعكس ما يريد. وتغرس في نفوس الأبناء الكبت والشعور بالظلم. والرغبة في الانطلاق من هذا البيت.. ولكنها ثياب الحملان التي يحاول بها الأب إخفاء وحشيته وقسوته!

وثياب الحملان قد تدخل أحياناً في بعض مجالات النصب علي عقول بعض البسطاء أو غير المتعلمين. وبخاصة في الأرياف..

ہ وربما يدخل في هذا المجال المشتغلون بقراءة الكف "باعتباره علماً" أو بقراءة الفنجان. أو بضرب الرمل ووشوشة الودع. أو بمعرفة البخت عن طريق النجوم. أو طريق البندول. وغير ذلك من الغيبيات.. وتسمية كل ذلك باسم الموهبة. أو الفراسة. أو النبوة وإدعاء معرفة المستقبل. وكلها ثياب حملان تخفي مجموعة من الإدعاءات..

ہ ويدخل في مجال استغلال بساطة الناس: المشتغلون بالسحر و"العمل"! وإشعار بعض اليائسين والحائرين. بأنه قد عُمل لهم عمل يحتاج إلي فكه. أو إلي حجاب يحجب الشر عنهم. أو إلي الاتصال بالأرواح أو بالجن للتفاهم في هذا الأمر. وكل اتصال له أجره!

قتل الأخت الخاطئة قد يلبس أيضا ثياب الحملان. تحت عنوان غسل شرف العائلة. ومحو العار عنها..

وأيضاً الانتقام لقتل الأب أو الأخ بقتل قاتله. يلبس ثوباً آخر من ثياب الحملان. ويعتبر لوناً من القوة وكرامة الأسرة. وقديماً في أيام الجاهلية كانوا يجدون أحد ثياب الحملان يغطون به وأد البنات.. وجرائم كثيرة كانت تستتر وراء قوة الشخصية. وكان يبررها الذين مارسوا الحكم الاستبدادي والديكتاتوري أمثال هتلر في ألمانيا. وأيضاً روبسبير وشركائه بعد الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر.

وبعض جرائم القذف والسب العلني تحاول أن تأخذ اسم حرية الصحافة. والاجتماعات الثورية قد تأخذ اسم الحرية السياسية وسب المرشحين لبعضهم البعض في الانتخابات تلبس ثوب الديمقراطية!!

ومن ثياب الحملان المشهورة. ثوب آخر اسمه الفن:

وكلمة الفن محبوبة من الجميع. ومن فروعها الفنون الجميلة وكل ما تشتمل عليه. ولكن "فنوناً" أخري ليست جميلة تنتحل هذا الاسم أيضاً!

فهناك نوع من الرقص الخليع يسمونه أيضا فناً. وكذلك بعض التماثيل والصور العارية التي تخدش الحياء تدخل في نطاق الفن. وعروض عديدة من الإباحية. ومن الأغاني العابثة. ومن الروايات المثيرة. تسمي أيضاً فناً. وكلها تنطوي داخل ثياب الحملان. وإن رأي أن ينتقدها. يتهمونه بأنه يحارب الإبداع الفني!

وما أكثر الأسماء المستعارة التي تلبسها أخطاء الناس:

ويعوزني الوقت في هذا المقال أن أتحدث عنها بالتفاصيل:

فالدهاء أو المكر أو الخبث. قد يتسمي بالذكاء أو بحسن التصرف!

والإسراف قد يأخذ اسم الكرم. والتهكم أو المزاح الردئ. قد يتسمي باسم خفة الروح! والشتيمة والانتقاد المرّ والكلام الجارح ضد سياسات القادة. يسمونها كلها باسم الاصلاح.. والتعصب الردئ قد يأخذ اسم الغيرة المقدسة والتمسك بالدين. وأحياناً يسمي الكذب بالكذب الأبيض لإخفاء حقيقته. والملابس الخليعة قد تأخذ اسم الموضة. وقد تختفي الرشوة تحت اسم الهدية. وتختفي السرقات تحت شكليات رسمية لا ترضي الضمير.. إلي آخر هذه الأنواع.

وثياب الحملان قد يلبسها البعض في معاملاتهم للآخرين:

فقد يسلك إنسان بأسلوب من التملق والنفاق. فإن عاتبته علي ذلك. يقول لك إن هذا لون من السياسة. أو من الحكمة. أو كسب الاصدقاء! بينما يستطيع أن يصل إلي ذلك بغير تملق.

وقد يدسّ شخص عند رئيسه في حق زملائه. ويسمي الدس والوقيعة بأنه اخلاص منه لرئيسه وللصالح العام! وما هو إلا من ثياب الحملان.

ومن ناحية أخري. قد يلبس ضعف الشخصية ثوب الطيبة والوداعة:

وتحت اسم الطيبة قد يتلف أب أولاده. وقد يتلف رئيس أو مدير كل الهيئة التي تحت إدارته. لكونه يسلك بتساهل معيب يسميه الوداعة! والمفروض أن يكون الإنسان لطيفاً في غير ضعف. وحازماً في غير عنف. وقد يعاقب ويكون طيب القلب في معاقبته. كما قد يعفو ويكون حازماً خلال عفوه... وهكذا تكون الشخصية المتكاملة..

ليتنا إذن نواجه الحقائق عارية وصريحة. ولا نسمي الأمور بغير اسمائها. لكي نستطيع أن

نصحح أنفسنا من الداخل. ويصلح المجتمع الذي نعيش فيه.. أما ثياب الحملان فإنها تحاول أن تخفي العيوب دون اصلاحها..!!

+++

 

الحسد

الحسد بمعناه اللغوي هو تمني زوال النعمة أو الخير من المحسود. وتحوّل هذه النعمة والخير إلي الحاسد

وبهذا المعني يكون الحسد خطية مزدوجة: فتمني زوال النعمة عن المحسود خطية. لأنه ضد المحبة. فالمحبة لا تفرح بالإثم. بل تفرح بالحق. والكتاب يقول : "لا تفرح بسقطة عدوك. ولا يبتهج قلبك إذا عثر". فكم بالأكثر إن كان الشخص الذي تتمني زوال النعمة عنه ليس عدواً. ولم يفعل بك شراً!

كذلك تمني تحول تلك النعمة بدلا منه إلي الحاسد. يحمل خطية اخري. فهو شهوة خاطئة. لأنها رغبة في الارتفاع علي حطام الغير. لذلك فالحسد شر في كنهه وتفاصيله

هناك نوع آخر من الحسد. وهو الذي قيل فيه:

"لا تحسد أهل الشر. ولا تشتهِ أن تكون معهم".

وهنا يرتبط الحاسد بشهوة الخطية. فيحسد الذين يرتكبونها. حين لا يكون بإمكانه أن يفعل مثلهم. وهذا يدل علي عدم نقاوة القلب. وبأن القلب توجد فيه محبة الخطية.ولا توجد فيه محبة الله التي تقي المؤمن من أن يحسد الأشرار علي شرهم.

وقد يحسد البعض الأشرار لأنه يجدهم متنعمين في الحياة بلا مانع ولا عائق! وفي الواقع كثير من تمتعات الأشرار تكون إما بملاذ الجسد وشهواته. وهذه لا تدوم. ولها ردود فعل عكس ما يتمتعون به. وقد تجلب معها أحيانا الفقر أو المرض أو سوء السمعة..

والبعض قد يحسد الأشرار لأنهم يستطيعون أن يصلوا بطرقهم الخاطئة إلي ما لم يستطع أن يصل هو إليه ببره!!

كمن يستطيع إلي غرضه بالرشوة. أو بالكذب أو بالرياء والنفاق. أو بألوان من الحيلة والطرق الملتوية. مما لا يستطيع الابرار المتمسكون بالقيم والمبادئ السامية.. ولا شك أن ما يصل إليه كل هؤلاء هو أمر لا يباركه الله. وهو أيضاً متع أرضية قد تفقدهم أبديتهم.. وفي نفس الوقت ما أسرع زوالها..

انهم مثل الدخان الذي يرتفع عالياً فوق الأرض. وتتسع رقعته. وفي ارتفاعه واتساعه يضمحل ويتبدد.. هكذا ارتفاع الأشرار! وكم رأينا منهم اسماء لامعة ظهرت حيناً ثم انطفأت. وكما يقول الشاعر:

ما طار طيرى وارتفع .. إلا كما طار وقع.

لا تحسد هؤلاء. فلهم طريق غير طريقك. وسمعة غير سمعتك!

هل النار التي هي تحت. في الموقد. تحسد الدخان الذي ارتفع عالياً إلي فوق؟! وهل الاستاذ الجامعي المتعمق في العلم. يحسد تلك الراقصة التي قد تحصل في يوم واحد علي أكثر من مرتب هذا الأستاذ في شهر؟! كلا. فالارتفاع أيضاً له موازينه وقيمه..

وهل الموسيقي الهادئة العميقة في لحنها. تحسد تلك الطبلة في صوتها العالي وما تحدثه من جلجلة وصخب؟!

إن العمق قد لا يلفت الأنظار مثل المظهر.. ومع ذلك له قيمته التي هي أقوي وأقيم من كل أصحاب المظاهر..

هناك نوع آخر من الحسد. هو حسد الشياطين

الشياطين يحسدون الأبرار علي برهم. بينما هؤلاء الشياطين قد فقدوا البر. وفسدت طبيعتهم. وبعد أن كانوا ملائكة صاروا شياطين..وهم يحسدون البشر علي رضي الله عليهم. بينما صاروا هم موضع غضب الله الذي طردهم من السماء. ولم يعد لهم مكان فيها..ويحسدون البشر أيضا علي ما هم فيه من بركة ومن نعمة. بينما هم في لعنة بسبب شرورهم وعنادهم. كذلك هم يحسدون البشر علي المصير الذي سيتمتعون به في النعيم الأبدي. في السماء الملائكية..

لذلك كله. هو - في حسده للبشر - يعمل علي إسقاطهم لكي يكون لهم نفس مصيره. ولا يتمتعون بنعيم قد فقده هو. ولا ببركة هو فقدها.. ولهذا فكلما سار الانسان في طريق الفضيلة. يحاول الشيطان بحسده أن يبعده عنها. وأن يغريه بطريق مضاد. ويصور له شرور الدنيا بأنها ملاذ ومتعة. فإن سرت في طريق الخير. ووجدت عقبات وعوائق تعترضك. ربما تكون هذه من حسد الشياطين وأحقادهم علي الأرض.

إن الحسد بعيد كل البعد عن المحبة. والشيطان لا يحب البشر. بل يعمل علي إيذائهم. وحسده لهم ذو طابع معين.

فهو يعمل علي حرمانهم من نعمة الله التي معهم. ولكنه لا يهدف مطلقاً إلي تحويل هذه النعمة إليه لأنه يعرف تماماً أن هذا مستحيل. لذلك فحسد الشيطان هو حسد هدّام. وأيضا هو حسد مخادع.

فهو يحاول أن يقنع الإنسان بأنه يعمل لصالحه. وانه دائما يجلب له اللذة والبهجة والمتعة. وأنه يبذل كل حيله الشيطانية لكي يحقق له أغراضه. مما لا يحققه له القانون ولا تكفله له التقاليد فإذا انخدع به الإنسان. وسلّمه قيادة اموره. حينئذ يسقطه. ويفرح بسقطته. ويجعله واحداً من أعوانه..

نقطة أخري هي الفرق بين الغيرة والحسد:

ليس كل غيرة لوناً من الحسد. وليس كل غيرة ضد المحبة فهناك "الغيرة في الحسني" وهي إحدي الفضائل.

إنها الغيرة التي تتحمس لفعل الخير. وتحاول أن تقلّد. حينما تسمع عن فضائل الأبرار. سواء الذين انتقلوا من هذا العالم. أو الذين مازالوا أحياء. فتغار منهم غيرة حارة لكي تتمثل بأعمالهم. لا أن تحسد الحسد الذي يتمني زوال النعمة من الغير.
بل هذه الغيرة المقدسة تفرح بفضائل الآخرين. وتتخذهم قدوة وأحياناً هذه الغيرة تملك علي القلب. حينما تجد مجالاً ينبغي أن يُفعل فيه الخير. فتشعل القلب حماساً. وتدفع الإرادة لكي تعمل.

ولولا هذه الغيرة ما قام المصلحون في شتي العصور. لتغيير أوضاع خاطئة. وإرساء أوضاع سليمة.. ونحن كثيراً ما ندعو أبناءنا أن يغاروا من الناجحين والمتفوقين لكي يكونوا مثلهم..

إن الذي يحب الفضيلة. لا يحسد الفضلاء بل يمجدهم.

والذي يحب الفضلاء. لا يحسدهم بل يقلدهم.

وعموماً فإن كل من يحب إنساناً. يتمني أن تزيد نعمة الله عليه. لا أن تزول النعمة منه. ولهذا فإن المحبة لا تحسد..

إن أحببت إنساناً. فإنك تفضله علي نفسك. وهكذا لا يمكن أن تشتهي أن يتحول الخير منه إليك.. فالمحبة تبني ولا تهدم..

وهكذا فإن الأم التي تحب ابنتها. لا يمكن أن تحسدها علي زواج موفق. بل انها تسعد بسعادتها. وتكون في خدمتها في يوم فرحها: تبذل جهدها أن تكون ابنتها في أجمل صورة وأجمل زينة..

كذلك الأب أيضاً يفرح بنجاح ابنه. ولا يمكن أن يحسده علي نجاحه. بل يفخر بذلك. ويريده أن يزيد نجاحاً علي نجاح.

إن حافظ ابراهيم لم يحسد أحمد شوقي لما أختير أميراً للشعراء. بل في الحفل الذي أقيم لذلك قال في فرح:

أميرَ القوافي قد أتيت مبايعاً... وهذي وفود الشرق قد بايعت معي

قال حافظ إبراهيم هذا. بينما كان هو وأحمد شوقي يعملان معاً في ميدان واحد هو الشعر. وكانت بينهما مطارحات

شعرية كثيرة. ولكن لم تكن بينهما المنافسة التي تجلب الحسد. بل كانا صديقين..

والنساك وآباء البرية ما كانوا يحسدون بعضهم بعضاً في حياة الروح. بل كان ارتفاع الواحد منهم روحياً يشجع الآخرين ويقويهم.

وكانوا يمجدون الله كلما برع أحدهم في حياة الفضيلة. ويشكرون الله بسببه. وتملكهم الغيرة المقدسة. فيفعلون مثلما يفعل. ويطلبون صلواته عنهم وبركته لهم.

كذلك كان الأمر في عصور الاستشهاد. كانت هناك غيرة لنوال اكاليل الشهادة. ولم يكن هناك حسد. كانوا يفرحون كلما استطاع أحدهم أن يكمل جهاده ويقال الأمجاد. ويمجدون شجاعة الشهداء في أعمال بطولتهم. ويطوبونهم ويطلبون بركتهم.. نبحث بعد ذلك نقطة هامة وهي:

هل الحسد يضرّ؟ وهل هناك ما يعرف باسم "ضربة عين" تؤذي؟!

أولاً : الحسد يضرّ الحاسد. وليس المحسود:

الحاسد تتعبه الغيرة المرّة. ومشاعر الحقد الأسود. ويتعبه شعوره بالنقص كلما قارن نفسه

بالمحسود. ويقول الشاعر في ذلك:

اصبر علي كيد الحسود.. فإن صبرك قاتلهْ

فالنار تأكل بعضها.. إن لم تجد ما تأكلهْ

وكذلك فإن الحاسد يتعبه فكره وسعيه في الاضرار بالمحسود. وقد لا يفلح في ذلك. ويزداد المحسود ارتفاعاً.. فيزداد هو غيظاً. وهذا طبيعي. لأن القلب الخالي من المحبة لابد أن يتعب.. وقد يسعي الحاسد إلي التحرش بالمحسود وإهانته. فيقابله المحسود برقة ولطف. حسب سمو طبعه. فيتعب الحاسد من هذه الرقة ومن هذا اللطف. كما يتعبه فشله في إثارة المحسود. فتزداد فيه النار اشتعالاً!!

ثانيا : إن الحسد في حد ذاته لا يضرّ. ولكن المؤامرات التي يدبرها الحاسدون هي التي تضرّ أحياناً..

أخوة يوسف الصديق حسدوه علي محبة أبيه له. وحسدوه علي أحلامه. فلم يضره حسدهم بشئ. ثم جاء دور المؤامرات التي تضر. فاحتالوا لكي يميتوه. ثم باعوه كعبد. ولكن الله كان مع يوسف. فتحولت كل الأمور إلي خيره. وكما قال هو فيما بعد لأخوته: "أنتم أردتم بي شراً. ولكن الله أراد بي خيراً"..

اذن ينبغي ألا نخاف من الحسد. ولا من المؤامرات التي يدبرها الحاسدون. مؤمنين أن يد الله لا بد ستتدخل. وتحوّل الشر إلي خير. ولا تعطي مجالاً للحاسدين أن ينتصروا..

ثالثاً: توجد قصص خرافية تخيف البعض من عين الحسود!!

وللأسف. فإن بعض الناس يتداولون رواية هذه القصص الخيالية فيما بينهم. وكأنها حقيقة! وتمثل في داخلهم واقعاً وخوفاً..! منها ما يقال من أن شخصاً أراد أن يؤذي منافساً له.. فاستأجر حاسداً مشهوراً من الذي له عين "تفلق الحجر".. وأوصاه بأن يضرب هذا المنافس عيناً ترديه أرضاً. ولما كان الحاسد لا يعرف ذلك المنافس. قال له الرجل الذي أستأجره: "سأريك إياه وأشير لك عليه". ووقف الاثنان في آخر الطريق. فلما ظهر ذلك المنافس في أول الطريق من بعيد. أشار إليه منافسه. وقال للحاسد: "انظر هوذا هذا الرجل القادم من بعيد. يلبس حلّة سمراء. ونظارة علي عينيه. وبيده حقيبة صغيرة. إنه هو"..

وهنا قال له الحاسد: "هل نظرك قوي إلي هذه الدرجة التي رأيت فيها الرجل من ذلك البعد الكبير. بكل هذه التفاصيل؟!" ونظر إليه في تعجب. وإذا سحابة مرت علي عينيه فلم يعد يبصر!!

انها قصة خيالية خرافية. يرويها البعض عن "قوة عين الحاسد"!

رابعاً: إن الحسد هو مشاعر خاطئة. وليس ضربة عين تضر..

ولو كان ضربة عين كما يتخيلون. لكان كل الناجحين والمتفوقين يخفون نجاحهم ونجاح أولادهم. لئلا تصيبهم أعين الحاسدين!!

ثم ماذا عن النجاح الذي لا يمكن اخفاؤه. كأوائل الجامعات وأوائل الثانوية العامة. وأبطال الرياضة الذين ينالون الميداليات الذهبية. والعلماء الذين يحصلون علي جائزة الدولة التقديرية. وماذا أيضاً عن ملكات الجمال كل عام. والحائزين علي جائزة نوبل؟!

هل تصيب كل هؤلاء أعين الحسّاد. فتلقيهم أرضا؟!

كلا يا إخوتي. فضربة العين الضارة هي مجرد خرافة

+++

الذين يجرفهم التيار

** يقول أحد الأمثال "من عاشَرَ قوماً أربعين يوماً، صار منهم".

وسواء صحّ هذا المثل أو لم يصح، فإنه يدل على مدى تأثير التيار الخارجى على شخصية الإنسان. وفى نفس المعنى قال أحد الأدباء الكبار "قل لى من هم أصدقاؤك، أقول لك من أنت"... وهذا أيضاً يدل على تأثير الصداقة والعشرة فى تشكيل طبيعة الشخص. وهذا ما نلاحظه فى من يعيشون سنوات طويلة خارج بلادهم – فى الغرب مثلاً – فإذا بهم قد تغيروا كثيراً عما كانوا قبلاً، واستطاع التيار أن يجرفهم... سواء فى طباعهم أو عاداتهم أو طريقة تفكيرهم...

 

** وكثير من السيدات يتأثرون بما يسمونه (الموضة) المنتشرة، من جهة ملابسهن أو زينتهن، أو حتى فى أسلوب الحفلات، أو فى لكنة الألفاظ... كما أن بعض الشباب تصبح طباعهم بنفس نوعية أصدقائهم. وربما يتعلمون منهم التدرب على التدخين أو ما هو أكثر، وعلى ألوان من اللهو أو الطياشة، أو السهر خارج المنزل. وترى المجموعة كلها بنفس الأخلاق... كل اولئك قد جرفهم التيار ولم يقاوموه...

 

** التيار المحيط له تأثيره. وقد يكون خاطئاً. وفى نفس الوقت يكون ضاغطاً ويدعو الى الخضوع له، هامساً فى الأذن "الكل هكذا. فلماذا تشذ أنت، ويكون لك أسلوب خاص، كنشاز فى لحن؟!

 

** ولا شك أن الشخص القوى يمكنه أن يرد على ذلك قائلاً "يجب علىّ أن أتبع الحق أياً كان موقعه. حتى إن كانت أغلبية المحيطين بى على خطأ، فإننى لا أسير فى تيارهم. فإنه فى أيام أبينا نوح، كانت غالبية الناس أشرارً وبقى هو باراً مع أسرته. وكأن شعاره قول الشاعر:

سأطيع الله حتى       لو أطعتُ الله وحدى

 

** على أن الشيطان قد يدفع البعض دفعاً وراء التيار الخاطئ بطرق شتى: أحياناً يجعل الناس يجارون الخطأ من باب المجاملة، أو من باب الخجل، أو عن طريق التقليد، أو خوفاً من تهكم الناس ومن تعييرهم، أو نتيجة لضغط الظروف الخارجية وإلحاح الآخرين. أو يقول الفكر "هذه المرة فقط ولن تتكرر"! ثم تتكرر طبعاً... وربما شخص يجارى التيار خضوعاً لسلطة أقوى منه. وقد يندفع مع التيار جهلاً...

 

** أو قد يقول له الشيطان "هل من المعقول أن يكون كل الناس مخطئين، وأنت الوحيد على صواب" ؟! هل من المعقول أن كل هؤلاء لا يعرفون أين يوجد الخير والحق، وأنت الوحيد الذى تعرف؟! لذلك إتضع يا أخى.. (ويتضع الأخ) وينجرف فى التيار..

وقد يسير فى التيار نتيجة لصداقة أو صحبة خاطئة استطاعت أن تؤثر عليه وتجذبه الى طريقها..

 

** وقد يخضع الإنسان للتيار نتيجة لضعف شخصيته، أو بسبب أن ارادته شبه معدومة أو لا إرادة له. وهكذا لا يقدر على المقاومة، أو يقاوم قليلاً ولا يثبت. بعكس الانسان القوى الإرادة.. ألسنا نرى أن كتلة ضخمة من الخشب – اذا القيت فى البحر – يجذبها تيار الماء فى أى اتجاه له. بينما سمكة صغيرة جداً تستطيع أن تقاوم التيار وتسبح حيثما شاءت، لأن لها إرادة وحياة...

 

** والعجيب اننا نشاهد خطاة عديدين يكونون أقوياء فى دفاعهم عن طريقهم الخاطئ، وفى سخريتهم من الأبرار الذين يرفضون اسلوبهم. ويظلون ينعتون الأبرار بشتى النعوت حتى يضعف اولئك امامهم ويخضعون! فالفتاة التى ترفض أن تلبس نفس الملابس الخليعة، يهزأون بها، ويصفونها بأنها (فلاحة)! والشاب الذى لا يسير فى نفس التيار، يقولون عنه أنه (دَقّة قديمة) أى انسان غير متمدن! بينما يجب أن يكون الأبرار أقوياء فى شخصياتهم، لا يشتركون فى الأعمال الخاطئة بل بالحرى يوبخونها... فإن لم يستطيعوا توبيخ اولئك، فعلى الأقل لا ينجرفون فى تيارهم.

 

** إن موسى النبى عاش فى مصر زمناً وسط العبادات الفرعونية الكثيرة، ومع ذلك احتفظ بنقاوة ايمانه. ويوسف الصديق عاش فترة فى بيت وضغطت عليه الخطيئة من الخارج، ولكنه قاوم ولم يستجب، لأن قوة العفة التى كانت فى قلبه، كانت أفوى من الإغراءات التى من الخارج.. وبنفس الروح عاش مؤمنون فى أجواء وثنية أو ملحدة – وكانت ضاغطة – ولكنهم احتفظوا بايمانهم سليماً...

 

** لهذا كن شجاعاً وصاحب مبادئ قوية، ولك قيم تتمسك بها. وقاوم التيار المحيط بك اذا أخطأ. ولا تخضع للشيطان وكل نصائحه، بل وكل مخاوفه التى يلقيها فى قلبك إن رفضته. وابعد عن الخطأ حتى إن رأيت كباراً يقعون فيه، أو إن رأيت الشر يهددك... وذا ما وجدت الذين يسيرون فى طريق الحق قليلين، فلا يضعف قلبك بهذا السبب. بل اعرف ان هذه هى القلة المختارة أو هى الصفوة.

 

** ولو وقع غالبية المحيطين بك فى خطأ، فإن هذا لا يجعل الخطأ صواباً. فإن الخطأ هو الخطأ، ووقوع الكثيرين فيه لا يبرره. والمعروف أن الصواب طريقه صعب، وقد لا يستطيعه كل الناس. بل تسير فيه القلة المتميزة بمبادئها وقيمها.

 

** إن وجدت الذين يعيشون فى الفساد قد نموا وارتقوا وارتفع شأنهم، فاحذر أن تقتدى بهم. وإن جذبوك اليهم فابتعد. وإن رأيت غيرك قد استخدموا أسلوب التملق والرياء، واستطاعوا أن يصلوا به الى ما يريدون، فلا تسايرهم أنت، ولا يقنعك اسلوبهم ولا نجاحهم الذى وصلوا اليه بطريق خاطئ. وإن بدا أن الناس قد تغيروا عن ذى قبل، وقيل لك إن هذه هى لغة العصر، فقل: أما انا فلغتى التى أتمسك بها هى لغة الضمير الصالح، وهى لغة الحق.

 

          وإن ضعفت مقاومتك للتيار، فاطلب معونة من الله. وثق أنه سوف يقويك، ولا يتركك تجاهد وحدك.

 

 

 

 

+++

 

 

 

 

 

 

نصائح في المصارحة والعتاب

 

         كنت أعرفه شخصاً حقّانياً يحب الحق ويدافع عنه. وقد جاء في ذات يوم يطلب مشورتي، فقال لي: أنا إنسان صريح أحب الصراحة. ولا أقبل أن أكون بوجهين: أجامل الغير بأحد الوجهين، بينما أكون متضايقاً من أخطائه. لذلك أتكلم مع كل أحد بصراحة. غير أن هذه الصراحة تسبب لي مشاكل مع من أصارحهم برأيي فيهم، أو من أعاتبهم في تصرفاتهم معي. فهم يتعبون ويسببون لي متاعب... فماذا أفعل؟ هل من الحرام أن أتكلم بصراحة سواء في الرأي أو العتاب؟!

?? فأجبته: الصراحة ليست حراماً. ولكن المهم مع من تكون صراحتك؟ وكيف تكون؟ أي ما هو الأسلوب الذي تتكلم به أثناء صراحتك مع غيرك؟ وهل هو اسلوب لائق أم غير لائق؟ هل هو أسلوب جارح أو قاسٍ؟ وهل يحمل إتهاماً ظالماً ربما بسبب معلومات وصلت إليك وهى غير سليمة؟ وهل أنت في صراحتك تتدخل فيما لا يعنيك، وتتجرأ على ما هو ليس من اختصاصك؟

? كذلك ينبغي أن تعرف الأسلوب الذي تتكلم به في صراحة مع شخص أكبر منك سناً أو مقاماً أو مركزاً. فلا شك أن الصراحة معه تختلف عن صراحتك مع شخص في مستواك، في نفس سنك ومركزك. وتختلف عن صراحتك مع صديق لك توجد بينك وبينه دالة تسمح بأن تستخدم معه الفاظاً لا تستطيع أن تستخدمها مع شخص كبير: فمثلاً تستطيع أن تقول لصديقك "أنت غلطان في هذا الأمر". بينما لا تستطيع أن تقول لأبيك أو عمك، أو لأي شخص له مهابة في نظرك.

?? والصراحة أيضاً تحتاج إلى مراعاة أدب المخاطبة.

         يلزمك في ذلك أن تكون حريصاً على إنتقاء الألفاظ، بحيث تستخدم ألفاظاً تصل بها إلى هدفك، دون أن تهين من تكلمه أو تجرحه أو تسئ إليه، فكل ذلك غير لائق. نقول هذا، لأن هناك أشخاصاً يستخدمون في صراحتهم ألفاظاً تعكر الجو وتلهب الموقف. ويحاولون أن يخفوا خطأهم هذا تحت اسم الصراحة! ويكونون مدانين، ليس بسبب صراحتهم، وإنما لعدم حرصهم على أدب التخاطب في الصراحة، أو بسبب عدم اللياقة.

?? كذلك ينبغي أن تكون الصراحة في حكمة، حسب هدف روحي سليم. فما هو الهدف من صراحتك؟ هل هو التوبيخ والإهانة ومجرد النقد؟ أم الهدف هو تبليغ رسالة معينة؟ أم الهدف هو العتاب والتصالح؟ أم هدف آخر؟ فإن كان الهدف سليماً، ينبغي أن تكون الوسيلة الموصلة أيضاً هى سليمة، وتأتي بنتيجة طيبة. لأن مجرد التوبيخ في الصراحة قد يأتي بنتائج سيئة.

?? مثال ذلك شخص يقول : "أنا صريح أقول للأعور إنه أعور في عينه". فهل يا أخي إن قلت للأعور هذه العبارة، تكون قد خسرته أم ربحته؟ وهل لو عايرته بعبارة "أنت أعور"، تكون صراحتك هذه سبباً في إرجاع البصر إلى عينه العوراء؟! أم هى صراحة لمجرد التجريح والإهانة والإيذاء، بلا أية فائدة تجلبها منها!!

?? مثل هذا الإنسان (الصريح) يرى في الصراحة إثباتاً لجرأته وشجاعته! فلو كان السبب منها مجرد إثبات الذات، لا تكون فضيلة. بل الصراحة السليمة هى التي هدفها الدفاع عن الحق، دون أن تكون للذات هدف منها. ثم أمامنا سؤال هام وهو: هل لك سلطان التأديب أو التقويم أو الحكم على الغير؟

         إذن إن تكلمت بصراحة مع إنسان أكبر منك، فإخلط صراحتك بالأدب والحكمة. وإن كنت صريحاً مع من هو أصغر منك، فلتكن صراحتك ممزوجة بالرقة والهدوء.

?? ولا شك أن هناك فرقاً بين الصراحة وسلاطة اللسان! وإن كانت الصراحة دفاعاً عن الحق، فإعلم أنه ليس من الحق، أن تستخدم أسلوباً جارحاً لتقنع غيرك بما تراه أنت حقاً. بل إن احترامنا للناس يجعلهم أكثر قبولاً لما نقوله لهم. وهم يقبلون الصراحة التي في أدب وحكمة.

?? أعود إلى الجزء الثاني من سؤالك وهو عن عتابك مع صديق أخطأ إليك. من حقك طبعاً أن تعاتب بالأسلوب الذي يأتي بنتيجة طيبة. وأيضاً للعتاب قواعد.

?? أولاً: اعرف طبيعة صديقك: هل من النوع الذي يقبل العتاب أم هو لا يقبله؟  ذلك لأن هناك من تعاتبه، فيثور ويحاول أن يبرر نفسه، ويكثر الجدل، ويعتبر أنك تتهمه وتظلمه. وينتهى العتاب بنتيجة أسوأ. وصدق الشاعر الذي قال:

ودَعْ العتابَ فربّ شرٍّ  *** كان أوله العتــابا

أما الصديق الواسع الصدر، المحب، الذي يقبل العتاب بصدر رحب، وبموضعيه دون أن يغضب وينفعل، فهذا يمكنك أن تعاتبه وتصفّي الموقف معه..

?? ثانياً: الذي تعاتبه، عاتبه فيما بينك وبينه وحدكما، وليس أمام الناس. وذلك لأن البعض لا يقبل العتاب أمام الغير، الذي تحدثه فيه عن أخطائه نحوك أمام الآخرين، فيظهر بذلك في صورة تقلل من شأنه أمامهم. ولذلك يرى أنه لا بد أن يدافع عن ذاته مبرراً نفسه، وربما مظهراً خطأك أنت.

?? ثالثاً: يجب أن يكون أسلوب عتابك رقيقاً ومقبولاً وفي محبة. بحيث يبدأ أولاً بذكر محاسن صديقك وفضائله ومواقفه الطيبة معك.. قبل أن تذكر الأخطاء التي تريد أن تعاتبه عليها. وبهذا تكون قد فرشت مقدمة من الود تجعله مستعداً أن يقبل ما تقوله بعد ذلك.

         واحذر أن تعاتب بعنف، وبألفاظ شديده. أو أن تكون كمن يريد أن ينتقم لنفسه أثناء العتاب الذي تحط فيه من قدر صديقك. فهذا لا يقبله منك، وربما يرد عليه بالمثل ويشتعل الموقف.

?? رابعاً: كن واسع الصدر، ولا تعاتب على كل ما تراه خطأ، صغيراً كان أم كبيراً. فهناك بعض الأمور البسيطة التي لا تستحق العتاب، بل تدخل تحت عنوان "المحبة تحتمل كل شئ". وقد قال الشاعر العربي في ذلك:

إذا كنت في كـل الأمور معـاتباً     صديقـك لـم تلقَ الذي لا تعاتبهْ

فعِش واحـداً أو صِل أخـاك فإنه        مقـارفُ ذنبٍ مـرةً ومجـانبـهْ

                إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى       ظمِئتَ وأي الناس تصفو مشاربهْ؟!

 

لذلك نصيحتي لك: لاتخسر أصدقائك عن طريق العتاب. وهناك أمور تصدر من صديق ولا تعجبك. ولكن خذها بحسن نية. ولا تفكر في أن صديقك قد أراد أن يسئ إليك. ربما كانت هفوه، أو زلّة لسان، أو كلمة منه بأسلوب الفكاهة... الخ

 

+++

 

 

 

الخطية الأعمق في حياتك

        كثيراً ما يخطئ الإنسان، وينسى ما قد ارتكبه. ولكن هناك خطية مُعيَّنة تقف أمامه ولا يستطيع أن ينساها. إنها خطية تركت عُمقاً مُعيَّناً في مشاعره، وعُمقاً آخر في ذاكرته. ووقفت أمامه تشعره بأنه إنسان خاطئ ... أو هى خطية لها أثر كبير على سُمعته أو على مستقبله. ورُبَّما آثارها امتدت إلى زمن طويل. أو من الصعب علاج نتائجها.

?? وقد تدخل هذه الخطية إلى أعماقه وتستولي على إرادته فلا يستطيع منها فكاكاً. وقد تصبح جزءً من طبعه، يقع فيها باستمرار. وتقف أمامها إرادته عاجزة تماماً. على أن خطورة هذه الخطية قد لا تكون في كثرتها إنما في بشاعتها .. ومثل هذه الخطايا لا تُعد وإنما توزن.

?? فإذا أضيف تكرار الخطية إلى بشاعتها، يكون الأمر أصعب وأخطر. وبخاصة تلك الخطايا التي ترسخ في العقل الباطن، وتتعمَّق جذورها فيه، وتُصبح مصدراً لأحلام وأفكار وظنون وشهوات ... ويحاول الإنسان أن يتخلَّص منها فلا يستطيع! لقد أصبحت وكأنها جزء من طبيعته ومن تكوين شخصيته. لقد تعوَّدها فلصقت به. وكأنه قد ذاق شيئاً فاستطعمه وما عاد يستغني عنه. وهو مُستعد أن يتوب عن جميع خطاياه ويتركها ما عدا هذه ... هذه التي صارت تجري في دمه وفي عُمق شهواته.

?? مشكلة هذه الخطية أنها محبوبة جداً لِمَن يرتكبها. وقد يتأثَّر بعظات عميقة ويحب أن يتوب، ولكنه لا يستطيع. إنه يندم على ما وصل إليه من مستوى. ولكنه مع ذلك أسير لتلك الخطية، عاجز عن مقاومتها. سيطرتها عليه أقوى من رغبته في التَّخلُّص منها. إنه يحتاج إلى دفعة كبيرة من الخارج، تنقذه من الهوة التي هبط إليها، وتُمزِّق عنه الربط التي تقيد بها ... يحتاج إلى عمل من النعمة ينقذه من سيطرة تلك الخطية عليه فلا يعود ينجذب إليها.

?? هناك خطايا أخرى تتعب الإنسان، وتهز ضميره هزَّاً متى استيقظ: مثل خطية الإرتداد، وخطية التجديف، وخطايا الشَّك ... نعم، الشَّك الذي يُقال عنه أنه من السهل أن يدخل إلى
عقل الإنسان، ولكن من الصعب أن يخرج والشَّك الذي يفقد به الشخص ما كان له من
بساطة الإيمان، ويتوه ذهنه في عقلانيات متناقضة لا تنتهي. هذا إذا كان شكَّاً في اللَّه
وفي بعض الأمور الإيمانية. أمَّا إن كان الشَّك في إنسان، فإنه يفقد الثقة به ويعجز عن استرجاعها.

?? خطايا أخرى لا ينساها الإنسان بسبب نتائجها: مثال ذلك زوج أهان زوجته إهانة كبيرة جداً أذلّ بها كرامتها فلم تستطع احتمالها. فتركت بيت الزوجية إلى بيت أبيها. وعجزت كل محاولات المصالحة بسبب عُمق ما أحست به المرأة، مِمَّا جعلها تفقد محبتها لذلك الزوج، وقد أخذت فكرة عن طباعه ومعاملاته بحيث أسقطته من نظرها ... وهو نفسه يذكر إهانته لزوجته في ندم، مُعتبراً أنها الخطية الكبرى في حياته الزوجية. وتزداد هذه الخطية خطورة وعُمقاً إن كانت نتائجها قد وصلت إلى المحاكم والقضايا.

?? وقد تصبح الخطية هى الأعمق في الحياة إن كان لا يمكن علاجها: مثل حالة فتاة فقدت بكارتها وحملت سفَّاحاً، أو حالة راهب كسر نذره وتزوَّج. أو حالة موظف كبير ضُبِط في رشوة وفقد وظيفته وسُمعته. وأصبحت نتيجة الخطية عند كل هؤلاء تطاردهم وتسيئ إليهم.

?? هناك خطية سببها طبع إنسان يحب من كل قلبه أن يعرف أسرار الناس وأخبارهم. فهو جوعان أخباراً، يبحث عن أسرار الناس، ويسأل عنها، ويُفتِّش ويسمع ويتسمع ويستنتج. ويسأل أسئلة محرجة لكي يعرف منها خبراً. ويتفاوض مع آخرين من مُحبي معرفة أسرار الناس، لكي يعطيهم خبراً مقابل معرفة خبر...

        ثم يتحوَّل من جامع أخبار إلى ناقل أخبار. وتُصبح سُمعة الناس مضغة في فمه، يلقيها في آذان الغير كعليم ببواطن الأمور ومتداخل في الأسرار. وقد يسمعها البعض منه ويتهرَّب البعض الآخر، خشية أن يصبحوا هُم أيضاً هدفاً له، ولمحبته معرفة الأسرار. وهكذا قد يجد أن محبته معرفة أسرار الغير قد أبعدت الناس عنه. وأيضاً قد أتعبت أفكاره، فما عاد يثق بأحد.

        وقد يتحوَّل من ناقل للأخبار إلى مؤلِّف للأخبار .. فينسب إلى البعض أخباراً لم تحدث ولكنه رُبَّما يستنتجها أو يدَّعيها.

?? إنَّ الخطيَّة التي هى أكثر عُمقاً في حياة الإنسان: إمَّا هى خطية الماضي التي لا يمكن أن تُنسى. أو خطية الحاضر التي تعجز الإرادة عن مقاومتها، فهى بذلك مستمرة ودائمة. أو هى خطية المستقبل إذ أصبحت شهوة في حياة الإنسان يعملها الآن وكل آوان.

?? وقد لا تكون الخطية الأعمق في حياة الإنسان مرتبطة بأي عمل مثل شخص لا يستطيع أن يسعد نفسه عملياً، فيعمل على إسعادها بالفكر بتصورات في الخيال. ذلك أن المحرومين عملياً يعوضون أنفسهم بالفكر والخيال دون أن يتخذوا أي إجراء عملي بنَّاء يبنون به أنفسهم! ويدخلون في مجال واسع من أحلام اليقظة سواء فيما يريدونه لأنفسهم من مناصب ودرجات وألقاب أو حتى ما يشتهونه من خطايا ليست متاحة لهم عملياً، ولكنها متاحة في الخيال. والخيال مجاله واسع لا يقف عند حدّ. يتصوَّر فيه الشخص تصورات لا يمكن أن تتحقَّق في الواقع، ويكون سعيداً بذلك سعادة وهمية.

        وكثير من المجانين يقعون في مثل هذا الخيال الذي يشبعون به أنفسهم. والفرق بينهم وبين العقلاء، أنهم يُصدِّقون ما يتخيلونه.

?? البعض تكون خطيَّته العميقة قاصرة على نفسه. والبعض الآخر تكون خطيئته واقعة على الآخرين. فهو لكي يظهر ذاته يعمل على تحطيم غيره، مقتنعاً بأن تحطيم الغير أو محاولة تحطيم الغير إنما يدل على تفوق في ذاته يسعده ورُبَّما تكون سياسته الإقلال من شأن الآخرين أسلوباً دائماً في حياته. وهو لا يعتبره خطيئة بل يستمر فيه مدعياً أنه يفعل الخير.

+++

المصادقة والمعاقبة

 

        علاقة الأبويْن بالأبناء ينبغي أن تقوم على دعامتين أساسيتين هُما الحُب والحكمة. والحُب يشمل الحنو والرعاية والعطاء. والحكمة تشمل الفهم السليم في ممارسة كلٍ من عناصر المعاملات مع الأبناء.

?? ونحن ننصح في تربية الأبناء، أن تبدأ بعلاقة من الصداقة بينهما وبين أبنائهما، بحيث تربطهما بهم مشاعر من المودة، وليس مُجرَّد سُلطة الأعلى على الأدنى...

        وفي هذه الصداقة والمودة، توجد الثقة والمصارحة: فيستطيع الابن أن يفتح قلبه لوالديه، ويحدثهما بصراحة عمَّا في داخله. ويكشف مشاكله وحروبه الروحية، دون أن يخشى عقاباً
أو توبيخاً أو فقداناً للثقة به. بل يطلب المشورة والإرشاد. ولا مانع من الحوار، لا بلون من المجادلة والكبرياء، بل للتوضيح وبحث كل وجهات النظر معاً...

        وفي كشف الابن لأخطائه، يكون واثقاً أن أبويه سوف لا يعايرانه بها، أو يغيران معاملتهما له بسببها...

?? وبعلاقة المصارحة هذه، وفي جو المصادقة والمودَّة، يثق الابن أن والديه يتصفان بالموضوعية وليس بالانفعال. فهما يسمعان في هدوء كل ما يقوله عن أخطائه ومشاكله،
دون أن يثور أيّ منهما أو يتضايق، أو يشتد في لوم الابن أو إيلامه، بل يرشده إلى ما يجب عليه في إقناع. وبهذه المعاملة يمكن للابن أن يقتنع بمحبة والديه وحكمتهما، ولا يخفى عنهما شيئاً، ويتخذهما كمرشدين...

?? على أن جو المصادقة بين الأبناء والأبوين، لا تمنع احترام الأبناء لهما، سواء من الناحية الدينية التي تأمر بإكرام الوالدين والخضوع لهما، أو من الناحية العملية أيضاً ثقةً بحكمتهما ومحبتهما وحُسن إرشادهما.

?? وبالرغم من كل ما قلناه عن الصداقة والمودة بين الوالدين وأبنائهما، نقول أيضاً إن بعض أخطاء الأبناء تحتاج إلى عقوبة إن كانت فادحة أو مقصودة، بينما أخطاء أخرى يكفيها مُجرَّد التنبيه أو التوبيخ، أو إظهار عدم الرضى عنها أو الإرشاد، أو الإنذار بالعقوبة إن تكرر الخطأ..

?? والعقوبة لازمة أحياناً، لأنَّ كثيرين لا يشعرون بفداحة الخطأ إن لم يُعاقبوا. وبدون العقوبة قد يستمر المخطئ في أخطائه، وقد يصل إلى حد الاستهانة والاستهتار. واللَّه ـ تبارك اسمه ـ على الرغم من رحمته ومحبته للبشر، قد عاقب كثيرين، شعوباً وأفراداً، وأنذر بعقوبات...

?? وهناك أنواع من العقوبة يستخدمها الآباء والأمهات، فالبعض قد يمنع عن ابنه شيئاً من المصروف أو الهدايا، أو يمنعه عن بعض الترفيهات أو المشهيات أو الزيارات التي يحبها.
أو يمنعه عن اللعب، أو عن بعض الصداقات.

        على أن بعض الأباء قد يلجأ في العقوبة إلى أسلوب من العنف وجرح الشعور،
مثل الضرب والشتيمة! وهذا بلا شك أسلوب غير روحي. وقد يأتي بنتائج عكسية، إن كان منهجاً مستمراً.

?? على أن البعض قد يستخدم في العقوبة أسلوب المخاصمة أو المقاطعة. فتستمر الأم مثلاً فترة طويلة لا تُكلِّم ابنها ولا تستمع إليه. ولا ترد عليه إن كلَّمها، أو تتجاهله باستمرار.
وفي نفس الوقت تغيظه بمعاملة أخوته بلطف. وقد تطول فترة المخاصمة، ويبدو الموضوع
بلا حلّ!

?? ولا شك أن المخاصمة والمقاطعة لها أضرارها وأخطارها: فهى إجراء سلبي وليست حلاً لإشكال. ويكون فيها الابن ـ  وبخاصة لو كان صغيراً ـ في وضع عاجز عن التَّصرُّف،
ولا يعرف متى تنتهي هذه المخاصمة؟! وكيف؟ كما أنها لا تُعطي مجالاً للتفاهم أو الحوار.
وإن طالت، يزداد الأمر تعقيداً ... ويبدو أن هذه الوسيلة كعقوبة، لا تصلح إلاَّ إذا كانت لدقائق أو ساعات يعقبها عتاب...

?? المهم في العقوبة أن تكون ذات نتيجة طيبة في تقويم الابن، ولا تكون مُجرَّد تنفيس عن غضب مكبوت، أو إراحة لأعصاب متوترة..

        والوالدان الحكيمان لا يهددان، إنما يتصرفان بحكمة تجمع بين الحب والحزم، وبين العقاب والعلاج. فيكون العقاب هدفه الإصلاح، وليس لمُجرَّد المُجازاة. وبحكمة يُعرف سبب العقوبة، وهل يصلح؟ ولأي مدى...

?? وللعقوبة شروط. والشرط الأول منها، أن يعرف الابن أنه قد أخطأ، وأنه يستحق العقوبة.

        لذلك ينبغي توضيح الموقف له، وشرح نوعية الخطأ الذي وقع فيه ونتائجه. على أن يقتنع بذلك. لأنه إن لم يدرك أنه قد أخطأ، سيشعر أنه قد وقع تحت ظلم، وأن سُلطة الوالدين تُستخدم بطريقة عشوائية وبدون حق، وهذا الشعور يضره ويتعبه..

?? يجب إقناعه أيضاً بأن العقوبة نافعة له لتربيته. وعليه أن يتذكَّر أنه فعل ما لا يليق، ورُبَّما قد أساء إلى سُمعة الأسرة، وقدَّم أمثولة سيئة لأخوته الذين قد يقلدونه في حالة عدم معاقبته.

        مع إشعاره أن العقوبة لا تتعارض مع محبة والديه له.

?? ومن شروط العقوبة أن تكون على قدر الاحتمال: على قدر ما يستحق الخطأ من جهة، وعلى قدر ما يحتمل المخطئ من جهة أخرى. ويُراعى في العقوبة شعور الابن الحساس، والابن الصغير، والابن الصغير الذي قد تصدمه العقوبة، والابن المحتاج إلى حنان لظروف خاصة. ويُراعى أيضاً عامل السن، وعامل الجهل أحياناً...

?? وتكون العقوبة لوقت محدد تنتهي بعده. لأنَّ بعض الأباء إذا غضبوا مرَّة على أبنائهم، يكون غضباً مستمراً لا يُعرف متى ينتهي؟! وإن منعوا الابن عن شيء، لا يعرف متى ينتهي المنع؟ وهذا خطأ بلا شك. واللَّه نفسه، كان يُعاقب، ثم يعفو ويغفر..

?? وينبغي أن تكون العقوبة على أساس ثابت من المبادئ والقيم. فلا يعاقب الابن عن شيء من المفروض أن يبتعد عنه، ثم يصرح له بذلك الشيء في وقت آخر!! وهكذا لا يدرك الحكمة في المنع والمنح!

?? ومن شروط العقوبة أن تكون لوناً من العلاج، وتؤدي إلى ذلك. وأن يفهم الابن بها أنه غير مغضوب عليه. وإنما الغضب هو على الخطأ.

 

+++

 

أسبوع الآلام

أسبوع الآلام هو أقدس أيام السنة, وأكثرها روحانية….

هو أسبوع مملوء بالذكريات المقدسة فى أخطر مرحلة من مراحل الخلاص, وأهم فصل فى قصة الفداء وقد أختارت الكنيسة لهذا الأسبوع قراءات معينة من العهدين القديم والحديث, كلها مشاعر وأحاسيس مؤثرة للغاية توضح علاقة الله بالبشر. كما أختارت له مجموعة من الألحان العميقة, ومن التأملات والتفاسير الروحية.

ويسمونه أسبوع الآلام, أو أسبوع البصخة المقدس, أو الأسبوع المقدس.

ففى اللغة الإنجليزية يقولون عنه The Holy Week (الأسبوع المقدس), وكل يوم فيه هو أقدس يوم بالنسبة إلى أسمه فى السنة كلها. فيوم الخميس مثلاً يسمونه The Holy Thursday أى

الخميس المقدس. ويوم الجمعة يسمونه The Holy Friday أى الجمعة المقدسة, وهكذا
كان هذا الأسبوع مكرساً كله للعبادة, يتفرغ فيه الناس من جميع أعمالهم, ويجتمعون فى الكنائس

طوال الوقت للصلاة والتأمل.

كانوا يأخذون عطلة من أعمالهم, ليتفرغوا للرب ولتلك الذكريات المقدسة. ولا يعملون عملاً على الإطلاق سوى المواظبة على الكنيسة والسهر فيها للصلاة, والأستماع إلى الألحان العميقة والقراءات المقدسة….

ما أكثر الناس الذين يأخذون عطلة فى الأعياد والأفراح, وفى قضاء مشاغلهم. ولكن ما أجمل أن نأخذ عطلة لنقضيها مع الله فى الكنيسة.

الملوك والأباطرة المسيحيون كانوا يمنحون عطلة فى هذا الأسبوع.

كانوا يمنحون جميع الموظفين فى الدولة عطلة ليتفرغوا للعبادة فى الكنيسة خلال أسبوع الآلام. وقيل إن الأمبراطور ثيؤدوسيوس الكبير كان يطلق الأسرى والمساجين فى هذا الأسبوع المقدس ليشتركوا مع باقى المؤمنين فى العبادة, لأجل روحياتهم وتكوين علاقة لهم مع الله. ولعل ذلك يكون تهذيباً لهم وإصلاحاً.

وكان السادة أيضاً يمنحون عبيدهم عطلة للعبادة . فإن كان الوحى الإلهى قد قال عن اليوم المقدس "عملاً من الأعمال لا تعمل فيه", فإنه قال أيضاً "لاتصنع عملاً ما, أنت وإبنك وإبنتك, وعبدك وأمتك وبهيمتك, ونزيلك الذى داخل أبوابك" (خر10:20). حقاً إن عبدك وأمتك لهما أيضاً حق فى أن يعبدا الله مثلك, وأن يشتركا فى قدسية تلك الأيام. من حق الخدم أن يتفرغوا أيضاً من أعمالهم لعبادة الرب. وهكذا حتى فى أعمق أيام الرق, لم تسمح الكنيسة بأن تكون روحيات السادة مبنية على حرمان العبيد. بل الكل للرب, يعبدونه معاً ويتمتعون معاً بعمق هذا الأسبوع وتأثيره ……وقوانين الرسل- فى أيام الرق- كانت تحتم أن يأخذ العبيد أسبوع عطلة فى البصخة المقدسة, وأسبوعاً آخر بمناسبة القيامة.
فهل أنت تعطل خدمك وموظفيك خلال أسبوع الآلام؟؟

ومن المعروف طبعاً, أن الناس إن تفرغوا للعبادة فى هذا الأسبوع, وعاشوا خلاله فى نسك, فسوف لا يحتاجون إلى خدم يخدمونهم.

وكانت مظاهر الحزن واضحة تماماً فى الكنيسة.

أعمدة الكنيسة ملفوفة بالسواد. الأيقونات أيضاً مجللة بالسواد. وكذلك المانجليا, وبعض جدران

الكنيسة …… الألحان حزينة, والقراءات عن الآلام وأحداث هذا الأسبوع. المؤمنون جميعاً بعيدون عن كل مظاهر الفرح. السيدات تحرم عليهن الزينة خلال هذا الأسبوع. فلا يلبسن الحلى, ولا يتجملن, ولا يظهر شئ من ذلك فى ملابسهن….الحفلات طبعاً كلها ملغاة. الكنيسة كلها فى حزن, وفى شركة الآم المسيح.

فهل نحن نحتفظ بهذا الحزن المقدس خلال هذا الأسبوع؟؟؟

أو على الأقل هل نحتفظ بوقارنا فيه؟؟ أم نحن نقضى أوقات كثيرة منه فى عبث ومرح ولهو. ونكون خارج الكنيسة فى وضع يختلف عن وضعنا داخل الكنيسة؟؟!!

وكانت الكنيسة فى هذا الأسبوع تعيش فى نسك شديد.

بعض النساك كانوا يطوون الأسبوع كله. أو يطوون ثلاثة أيام ويأكلون أكلة واحدة. ثم يطوون الثلاثة أيام الباقية. وكثيرمن المؤمنين كانوا لا يأكلون شيئاً من الخميس مساءاً حتى قداس العيد. وغالبيتهم كانوا لا يأكلون فى أسبوع الآلام سوى الخبز والملح فقط وإن لم يستطيعوا, فالخبز والدقة. أما الضعفاء, فعلى الأقل كانوا لا يأكلون شيئاً حلو المذاق من الطعام الصيامى كالحلوى والمربى والعسل مثلاً. لأنه لا يليق بهم أن ياكلوا شيئاً حلواً وهم يتذكرون آلام الرب لأجلهم. كما كانوا لا
يأكلون طعاما مطبوخاً. بسبب النسك من جهة, ولكى لا يشغلهم إعداد الطعام عن العبادة من جهة أخرى. وفى كل هذا النسك كانوا يذكرون آلام السيد المسيح.

غالبية الأسرار كانت تعطل ما عدا سرى الأعتراف والكهنوت.

ما كانوا يمارسون المعمودية ولا الميرون فى أسبوع الآلام, وما كان يرفع بخور ولا تقام قداسات, إلا يوم خميس العهد وسبت النور. وطبعاً من الأستحالة ممارسة سر الزواج. أما سر مسحة المرضى, فكانت تقام صلواته فى جمعة ختام الصوم, قبل أسبوع الآلام. كذلك لم تكن تقام صلوات تجنيز فى هذا الأسبوع. ومن ينتقل فيه لا يرفع عليه بخور, بل يدخل جثمانه إلى الكنيسة ويحضر صلوات البصخة, ويقرأ عليه التحليل مع صلاة خاصة.

وصلوات الأجبية كانت تعطل فى أسبوع الآلام.

ويستعاض عنها بتسبحة البصخة. وذلك لأن صلوات الأجبية تقدم لنا مناسبات متعددة, ونحن نريد أن نتفرغ لآلام المسيح فقط….فمثلا صلاة باكر, نتذكر فيها ميلاد المسيح, وصلاة نصف الليل نتذكر فيها مجيئه الثانى, وصلاة الساعة الثالثة نتذكر فيها حلول الروح القدس….ونحن نريد فى هذا الأسبوع أن نركز على آلام المسيح فقط. وحتى صلاة الساعة السادسة التى تذكرنا بصلبه, وصلاة الساعة التاسعة التى تذكرنا بموته, نؤجلها إلى يوم الجمعة الكبيرة, لأننا نريد أن نتتبع المسيح فى هذا الأسبوع خطوة خطوة.

ومن جهة المزامير ننتقى منها فى هذا الأسبوع ما يناسب.

ونترك باقى مزامير التى تشمل معانى كثيرة غير الآلام وغير أحداث هذا الأسبوع المقدس.

لماذا سمى هذا الأسبوع بأسبوع البصخة؟؟

كلمة بصخة معناها فصح ومأخوذة من قول الرب فى قصة الفصح الأول "لما أرى الدم, أعبر عنكم" (خر 13:12). كانت النجاة بواسطة الدم فى يوم الفصح الأول. والفصح يرمز إلى السيد المسيح "لأن فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا" (1 كو 5). ونحن فى هذا الأسبوع نذكر الآم السيد المسيح الذى قدم نفسه فصحاً لأجلنا, لكى حينما يرى الآب دم هذا الفصح يعبر عنا سيف المهلك, فلا نهلك. نتذكر أن دمه كان عوضاً عنا. وأنه لا خلاص إلا بهذا الدم, كما حدث يوم الفصح الأول (خر 12 ) إنها أيام مقدسة أيام البصخة هى أيام مقدسة, أو هى أقدس أيام السنة. فما الذى نقصده بأنها أيام مقدسة؟؟
المفروض طبعاً أن كل أيام حياتنا مقدسة….

وفى كل يوم يمر علينا، نصلى فى صلاة الشكر قائلين: "إحفظنا فى هذا اليوم المقدس وكل أيام حياتنا بكل سلام….". نقول هذا فى كل يوم من أيام حياتنا، لأن حياتنا التى أشتراها الرب بدمه، أصبحت حياة مقدسة، قدسها الرب بهذا الدم. ومع ذلك

لا ننكر أن هناك أياماً مقدسة أكثر من غيرها…..

ولعل أول إشارة لذلك هى تقديس يوم للرب كل أسبوع. وعن ذلك يقول الكتاب فى قصة الخليقة: "وبارك الرب اليوم السابع وقدسه" (تك3:2).

ثم أمر الإنسان قائلاً: "أحفظ يوم السبت لتقدسه"تث 12:5

أنه يوم الرب، يوم مقدس يوم باركه الرب وقدسه, وطلب إلينا أيضاً أن نقدسه….يسمونه فى اليونانية (كيرياكى) أى الخاص بالرب، أى يوم الرب…. هو يوم مخصص للرب، لا نعمل فيه عملاً من الأعمال

حسب الوصية.

وكذلك فى كل الأيام المقدسة التى أشار إليها الرب (لا23 )

أنها أيام لها قداسة غير عادية، ليست كباقى الأيام.

الحياة كلها مقدسة. ولكن أيام الرب لها قداسة غير عادية، تفوق قداسة باقى الأيام. لأنها مخصصة للرب. وهناك أوقات لها قدسية خاصة، لأعتبارات روحية معينة. فمع أن الحياة كلها مقدسة، لكن
أوقات الصلاة مثلاً, أوقات التأمل، أوقات الرؤى والاستعلانات….هى أوقات لها قدسية من نوع خاص غير عادى….

وهناك أيام مقدسة فى حياة كل إنسان.

فاليوم الذى ظهر فيه الرب لشاول الطرسوسى (أع 9)، هو يوم له قدسية خاصة. واليوم الذى رأى فيه القديس يوحنا الحبيب رؤياه التى سجلها فى سفر خاص، هو أيضاً يوم له قدسية خاصة. وأيام الأعياد كذلك لها قدسيتها. وكذلك أيام الصوم هى أيام غير عادية. وإن كانت أيام الصوم الكبير هى اقدس أيام السنة، وأسبوع البصخة هو أقدس أيام الصوم الكبير، يمكننا إذن أن نقول:

إن أسبوع البصخة هو أقدس أيام السنة.

الصوم فيه فى أعلى درجات النسك أكثر من أى صوم آخر. والعبادة فيه على مستوى أعمق، حيث يجتمع المؤمنون معاً فى الكنيسة طوال الأسبوع يرفعون الصلوات بروح واحدة، ويستمعون إلى قراءات منتخبة من العهدين القديم والجديد، مع ألحان لها تأثير خاص، وطقس كنسى ينفرد به هذا الأسبوع المقدس. وذكريات هذا الأسبوع عميقة فى تأثيرها، نتبع فيها السيد المسيح خطوة خطوة، ونحن نرتل له تسبحة البصخة المعروفة "لك القوة والمجد والبركة والعزة إلى الأبد آمين، يا عمانوئيل إلهنا وملكنا".

والمشاعر الروحية فى هذا الأسبوع، لها عمقها الخاص.

الناس يكونون فيه أكثر حرصاً وتدقيقاً وجدية، وأكثر تفرغاً لله. طبعاً التفرغ الكامل هو الوضع الأساسى. فإن لم يتوفر، يتفرغ الإنسان على قدر إمكانه، ويعطى الوقت لله….

إنه أسبوع ندخل فيه فى شركة الآم المسيح.

نضع أمامنا كل آلامه من أجلنا، فى انسحاق قلب، وفى توبة صادقة، لكى نستعد للتناول فى يوم الخميس الكبير، اليوم الذى أعطى فيه الرب عهده المقدس لتلاميذه الآطهار،وأسس هذا السر العظيم…..

+++

 

الشهوات

الشهوات كثيرة ومتنوعة‏,‏ منها شهوة الجسد‏,‏ وشهوة الرئاسة والمناصب‏,‏ وشهوة الكرامة والعظمة‏,‏ وشهوة المال‏,‏ وشهوة الامتلاك أو الاقتناء‏,‏ وشهوة الشهرة‏,‏ وشهوة الزينة والجمال‏,‏ وشهوة السيطرة أو السلطة‏,‏ وشهوة الانتقام والتدمير‏,‏ وشهوة المعرفة وحب الاستطلاع‏...‏

وعلي الإنسان أن يقاوم كل شهوة خاطئة‏.‏ وما أجمل قول الحكيم‏:‏ افرحوا لا لشهوة نلتموها‏,‏ بل لشهوة أذللتموها‏.‏ ذلك لأن الشهوة إذا سيطرت علي القلب‏,‏ تكون ملكية الله للقلب قد انتقلت منه إلي ذلك الشئ المشتهي‏.‏

حقا إنه من العيب أن يقال عن شخص إنه‏(‏ شهواني‏),‏ أي أنه يقاد بشهوته‏.‏ فإذا اصطدمت بالشهوة‏,‏ فأفصل وسيلة هي أن تهرب منها‏,‏ بدلا من أن تدخل معها في صراع قد تنهزم فيه‏,‏ أو علي الأقل ـ إ ذا انتصرت ـ يكون قلبك قبل ذلك قد تدنس بالشهوة‏.‏

مادامت الشهوة لا تستريح حتي تكمل‏,‏ فالأفضل لك هو الهروب منها‏,‏ والبعد عن مسبباتها‏.‏ لماذا تدخل معها في صراع أو نقاش؟ إنك كلما أعطيتها مكانا أو تهاونت معها أو اتصلت بها‏,‏ حينئذ تتقوي عليك‏.‏ وتتحول من مرحلة الاتصال‏,‏ إلي الانفعال‏,‏ إلي الاشتعال‏..‏ إلي الاكتمال‏.‏

فتتدرج من التفكير فيها‏,‏ إلي التعلق بها‏,‏ إلي الانقياد لها‏,‏ إلي التنفيذ‏,‏ إلي التكرار‏,‏ إلي الجنون بها‏,‏ إلي الاستعباد لها‏,‏ وقد يلجأ الشخص إلي طرق خاطئة لتحقيق شهواته‏:‏

إلي الكذب‏,‏ أو الخداع‏,‏ أو الاحتيال‏,‏ وربما إلي أكثر من هذا‏..‏ وأحيانا إذا تعب إنسان من شهوة يقع في خدعة ويقول‏:‏ من الأفضل أن أشبع هذه الشهوة‏,‏ حتي أقضي علي هذا الاشتياق إليها‏,‏ وأستريح‏!!‏

إن الشهوة لا تشبع أبدا‏.‏ فكما يمارس الإنسان الشهوة‏,‏ يجد لذة‏,‏ واللذة تدعوه إلي الممارسة‏.‏ والقصة لا تنتهي‏...‏

إن إشباع الشهوة لا ينقذ الإنسان منها‏,‏ بل يزيدها‏..‏ إنسان مثلا يشتهي المال‏:‏ نراه كلما يجمع مالا‏,‏ يشتاق إلي مال أكثر‏,‏ ويحب أن يكثر ماله من الآلاف إلي المليون إلي المليار‏....‏ شاب طموح يشتهي الترقي‏:‏ إن وصل إلي الدرجة الرابعة‏.‏ يشتاق إلي الثالثة‏,‏ ثم إلي الثانية فالأولي‏,‏ فدرجة مدير عام‏.‏ والذي يقع في شهوة الجسد‏,‏ لا يشبع من شهواته‏..‏ أبونا آدم كان له شجر الجنة ما عدا واحدة‏,‏ فاشتاق إلي هذه الواحدة‏,‏ حتي أكل منها‏..‏ وبالوضع من وقع في شهوة النساء قد لا يكتفي‏...!‏

صدق سليمان الحكيم حينما قال‏:‏العين لا تشبع من النظر‏,‏ والأذن لا تمتلئ من السمع‏..‏ كل الأنهار تجري إلي البحر‏,‏ والبحر ليس بملآن‏...‏

لا تظن إذن أن إشباعك للشهوة ينقذك منها‏,‏ لأنه لا ينقذك إلا ضبط النفس والهروب من الشهوة‏.‏ إن يوسف الصديق لم تكن له شهوة تحاربه من الداخل‏..‏ ومع ذلك هرب من الشهوة التي تحاربه من الخارج من امرأة تشتهيه‏..‏

مفيد إذن هو البعد عن الشهوات‏,‏ لأنها جذور الخطايا‏..‏ فالزنا يبدأ بشهوة الجسد‏,‏ السرقة تبدأ بشهوة ما للغير أو بشهوة حب الاقتناء‏.‏ والكذب يبدأ بشهوة تبرير الذات أو بشهوة تدبير شئ ما‏.‏

والقتل يبدأ أحيانا بشهوة الانتقام أو الحسد‏,‏ أو بشهوة الهروب من الانكشاف بخطية أخري‏...‏

ذلك إن نجا الإنسان من الشهوة‏,‏ وانتصر عليها بالهروب منها‏,‏ يكون قد انتصر علي كل الخطايا التي بدايتها الشهوة‏..‏ وحقا إن لذة الانتصار علي النفس‏,‏ بضبط النفس من جهة الشهوات‏,‏ هي أعمق من لذة ممارسة الشهوات‏...‏

ونصيحتي لك‏,‏ هي أنك إن تعبت من شهواتك‏,‏ فلا تيأس‏,‏ ولا تظن أنه لا فائدة من المقاومة‏...‏ بل فكر فيما تستطيع أن تعمله نعمة الله من أجلك‏,‏ وليس ما تعجز أنت عن عمله‏..‏

إن الله لا يتركك وحدك في جهادك الروحي ضد الشهوات‏,‏ بل هو يعينك بقوة من عنده تسندك مادمت ترغب في أن تحيا حياة البر‏.‏ وفي ذلك قال أحد الآباء‏:‏ إن الفضيلة تريدك أن تريدها لا غير‏.‏ فإن أردت الفضيلة‏,‏ حينئذ تدركك قوة من الأعالي تساندك حتي تنتصر‏...‏ أما أنت فجاهد بكل إرادتك‏,‏ وبالصلاة حتي يعينك الله‏.‏ ولا تخجل من أن تصلي حتي وأنت ساقط تحت عنف الشهوة‏.‏ بل تمسك بالله بالأكثر الذي يمكنه أن ينقذك ويطهرك‏..‏

قل له‏:‏ أنا يا رب إن انهزمت أمام الشهوة‏,‏ فأنا مازلت واحدا من خليقتك ومن رعاياك‏:‏ أنا واحد من قطيعك الذي ترعاه حتي إن ضللت‏,‏ فسوف تبحث عني وترجعني إليك‏.‏

لأنك تريد أن الجميع يخلصون‏,‏ وأن ينتصروا علي شهواتهم‏...‏

أنت يا رب لا تتخلي عني‏,‏ وأنا لا أتخلي عنك‏,‏ مهما حاول الشيطان أن يفصلني عنك‏..‏

وأنا يا رب وإن كنت قد انهزمت حينا أمام شهواتي‏,‏ إلا أني لم أتركك في أعماق قلبي‏,‏ ولن أتركك‏..‏

لا تجعل حروب الشهوة تفصلك عن محبة الله وعن محبة ملائكته وسمائه‏.‏ وحتي إن ضعفت وسقطت‏,‏ قل له في عمق‏:‏ أنت تعرف يا رب أنها خطية ضعف‏,‏ وليست خطية خيانة مني لك‏,‏ ولو هي خطية بغضة لك حاشا أن تكون كذلك

وفي كل ذلك‏,‏ ثق أن الله يهتم بإنقاذك من كل شهواتك‏,‏ ومن كل سقوطك وضعفاتك‏,‏ وسوف يجذبك إليه‏,‏ ويردك إلي طريقه مهما بعدت بعيدا‏,‏ أوحاولت إغراءات العالم شدك إليها‏.‏ وتذكر دائما أولئك الذين انتصروا في حرب الشهوات ضدهم‏,‏ فإن ذلك يشجعك ويقويك‏.‏

ولا تضع أمامك ما تعرفه عن ضعفاتك وانهزاماتك‏,‏ فإن ذلك يغرس اليأس في نفسك‏.‏ أيضا تذكر الذين سقطوا وقاموا‏,,‏ ونموا في حياة التوبة حتي صاروا من الأبرار‏,‏ والله ـ في رحمته ـ لم يذكر لهم ماضيهم‏.‏

ولكي تتخلص من قوة الشهوات الخاطئة‏,‏ حاول أن تجعل شهوة أمور أخري من صفات البر والفضيلة تحل محلها‏,‏ وتجد عمقا في قلبك‏,‏ لكي تقيم توازنا بين هذه وتلك في مشاعرك‏.‏ وثق أن الجانب الخير سوف ينمو داخل قلبك شيئا فشئيا‏,‏ حتي تتخلص من شهوات الخطية‏.‏

وإن عرفت ضعفك‏,‏ لا تعرض نفسك لمحاربات الشهوة مرة أخري‏,‏ بل اهرب من كل مسبباتها‏,‏ واغلق طرقها الموصلة إليك‏,‏ واغلق أبواب قلبك أمامها‏,‏ وليكن الله معك‏.

+++

لا تجعل الضيقة تحطمك

كن شديداً فى الضيقة . لا تجعل الضيقة .تحطمك ، إنما حطمها أنت بإيمانك .

إن الزجاجة إذا وقعت على صخرة ، لا تحطم الصخرة ، وإنما تتحطم الزجاجة .كن إذن صخرة.. إن حوربت بأن الله ليس معك ، قل لنفسك : كلا ، إنه معى ، ولكننى أنا الذى لا أدرك وجوده ، كما حدث مع المجدلية ..

العيب إذن فينا ، وليس فى عدم وجوده.

لا تتضايق إن كان إدراكك ضعيفاً لوجود الله فى حياتك .

إنما عليك إن تصلى وتقول [أعن يارب ضعف إيمانى ]

وثق أن قوته فى الضعف تكمل (2كو12:9).

لا يكفى بأن يكون الله معك ،، إنما كن أنت أيضاً معه ،

بكل القلب والفكر والحواس والإرادة

إفتح قلبك لله ، وهو يملؤه حباً . وافتح ذهنك له ،

وهو يضع فيه أجمل الأحاديث .

عش معه بكايانك ، يفض عليك من مواهبه ونعمه وقوته

وقت الضيق ، هو وقت الإحتياج إلى الله . وفيه تشعر بوجود الله ،

أكثر مما تشعر فى وقت الراحة أو المتعة .

تشعر فى الضيقة بيد الله كيف تتدخل وتعمل وتنقذ..

اننا نتمتع بوجود الله فى وقت الضيقة ..

ونحس وجوده ونطلب وجوده ونلمس جوده ..

 

أنت لا تدرى متى يطرق الله على بابك .

كل ما تدريه أنك أن سمعت صوته لا تقسى قلبك ،

بل تفتح بابك مباشرة ، وتقول له فى حب : تعال أيها الرب يسوع

هل أنت تشعر بوجود الله فى حياتك ،

وجوداً يلهب قلبك بالحب ، فتتقد عاطفتك نحو الله باستمرار..؟

إن الذى يحب الله ، ويحب أن يوجد دواماً معه،

لا يكون الله بالنسبة إليه هو إله مناسبات ..!

إن المسيحية فيها الكثير من المبادئ والقيم ، والفضائل السامية جداً ،

والعقائد الروحية السليمة العميقة .

ولكن أجمل ما فى المسيحية هو شخص المسيح نفسه .

الذى يحب الرب ، يحب الوجود معه ،

والذى يوجد معه يحبه ..

ويشعر بفرح لا ينطق به لوجوده مع الله .

إننا لا نفكر فى الضيقة ، بل فى الله الذى يحلها .

أما الذى يركز فى الضيقات ، ناسياً وجود الله ، فإنه يتعب

ما أجمل الوجود مع الله . إنه متعة الروح هنا على الأرض .

وهو أيضاً نعيمها الأبدي فى السماء .

 

 17 - بين الصمت والكلام

كثيراً ما يتحير الإنسان:

أيهما أفضل: أن يصمت أم أن يتكلم؟

وهكذا عليه أن يحدد موقفه بين الصمت والكلام.

فضيلة الصمت:

نلاحظ أن غالبية القديسين قد فضلوا الصمت، واضعين أمامهم قول الحكيم: "كثرة الكلام لا تخلو من معصية". وفى ذلك قال القديس أرسانيوس -معلم أولاد الملوك- عبارته المشهورة:

"كثيراً ما تكلمت فندمت.. وأما عن سكوتى، فما ندمت قط".

 

و من أجل هذا صلى داود النبي قائلاً: "ضع يا رب حافظاً لفمى، باباً حصيناً لشفتي".. وقال الوحى الإلهي: "الاستماع أفضل من التكلم".

 

و ما أكثر ما تحدثت الكتب الروحية عن: "فضيلة الصمت" ودعت إليها، لكيما يتخلص بها الإنسان من أخطاء الإنسان من أخطاء اللسان وهى عديدة..

 

 منها الكذب والمبالغة، وكلام الرياء والتملق والنفاق. ومنها التهكم، والكلام الجارح، والسب واللعن والإساءة إلى الآخرين، والتحدث بالباطل في سيرة الناس. ومنها الافتخار بالنفس والتباهى ومدح الذات ومنها الكلام البذئ،والقصص والفكاهات الخليعة،وكلام المجون.

ومنها أخطاء اللسان أيضاً:

التجديف، وكلام الكفر، والتذمر على الله.

ومنها التعليم الخاطئ، والضلالة والبدع.

 

ومن أخطاء اللسان أيضاً الثرثرة.

لأن الله لم يخلق اللسان فينا لكي يتكلم عبثاً بلا فائدة. لكل هذا فضل القديسون الصمت..

ليس فقط، لكي يبعدوا عن أخطاء اللسان، إنما أيضاً لكي يتيح لهم الصمت فترة للصلاة والتأمل..

 

لأن الإنسان لا يستطيع أن يتكلم مع الله والناس في الوقت نفسه. لهذا قال الشيخ الروحاني:

(سكِّت لسانك، لكي يتكلم قلبك).

وقال مار إسحق: (كثير الكلام يدل على أنه فارغ من الداخل)، أى أن قلبه فارغ من مناجاة الله، فارغ من العمل الروحي في التأمل والصلاة..

 

كلام المنفعة:

 يبقى بعد كل هذا سؤال هام وهو:

هل كل صمت فضيلة؟

و هل كل كلام خطيئة؟

 

كلا، طبعاً، فقد قال داود النبى في المزمور:

"فاض قلبى بكلام صالح".

إذن هناك كلام نافع ومفيد، وذلك حينما نتكلم بالصالحات.

إن الصمت حالة سلبية، بينما الكلام حالة إيجابية.

و إنما يدرب الناس أنفسهم على الصمت، حتى يتدربوا على الكلام النافع. الصمت إذن هو وضع وقائى يحمينا إن كنا نتكلم بدافع بشرى.

أما إن كان الله هو الذي يفتح شفاهنا، وهو الذي يضع كلاماً في أفواهنا، فحينئذ يكون كلامنا –لا صمتنا– هو العمل الفاضل.

كان السيد المسيح يتكلم، والناس "يتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه".

والشهيد اسطفانوس تكلم فأفحم المجامع الخاطئة " ولم يقدروا أن يقاوموا الحكمة والروح الذي كان يتكلم به". وقد قال سليمان الحكيم: "فم الصديق ينبوع حياة".

وقد كان حكماء العالم يجوبون البر والبحر، لكي يسمعوا كلمة منفعة من المتوحدين والنساك في برارى مصر وقفارها..

كلام المنفعة هذا،هو كلام من الله يضعه في أفوه أحبائه، ليبلغوه للآخرين، هادئاً كان أم شديداً.

 

و من كلام المنفعة:

كلمة النصح لمن يحتاج إليها،وكلمة العزاء لقلب حزين،وكلمة التشجيع لناشيء أو ليائس،وكلمة التعليم لبناء النفوس،وكلمة الله للهداية  والارشاد، وكلمة البركة، وكلمة الحق وكلمة الحكمة.. الخ.

 

نسأل سؤالاً بعد هذا، وهو: إن كان الكلام هكذا نافعاً في بعض الأوقات.

فهل يمكن أحياناً أن يعتبر الصمت خطيئة، تماماً كما يحسب الكلام الشرير خطيئة؟

وهل يمكن أن ندان على صمتنا، كما ندان على كلامنا!

 

نعم،أحياناً ندان على صمتنا..

إن لكل شيء تحت السماء وقتاً.

وقد قال سليمان الحكيم: "للسكوت وقت، وللتكلم وقت".

فإن كان للتكلم وقت، فلا شك أننا ندان إذا صمتنا فيه.

 

فالبار لا يتكلم حين يحسن الصمت.

ويصمت حين يحسن الكلام.

إنما يعرف متى يتكلم،وكيف يتكلم.

ويضع لكلامه هدفاً نافعاً روحياً.

وقد قال الحكيم:"تفاحة من ذهب، في مصوغ من فضة، كلمة مقولة في موضعها".

وكثيراً ما أمر الله الناس بالكلام، فكان يرسلهم أحياناً للإنذار، وأحياناً للتبشير، وأحياناً لإعلان حقه بين الناس.

إن الله لا يكلم الناس مباشرة،وإنما يكلمهم عن طريق أحبائه من البشر.

هو يريدنا أن نعلن وصاياه للناس، وقد طلب إلينا أن نكون شهوداً له على الأرض..

فإن صمتنا عن الشهادة للحق، ندان على صمتنا.

و إن صمتنا، وبصمتنا أعطينا مجالاً للباطل أن ينتشر وأن ينتصر فإننا ندان على صمتنا.

و إن قصرنا في إنذار البعض، فأضر بنفسه أو بغيره، ندان أيضاً على صمتنا.

فإن رأيت إنساناً يسقط في حفرة وهو لا يدرى،هل تقول إن الصمت فضيلة أم تحذره؟!

وإذا لم تحذره،ألا تدان على صمتك، ويطالبك الله بدم ذلك الإنسان؟

بهذا يكون هناك واجب على الرعاة أن يتكلموا،وواجب مثله على الآباء والأمهات،وعلى القادة

الروحيين،وعلى المعلمين،وعلى كل من هو في مسئولية.. كل هؤلاء كلفهم الله أن يقولوا كلمة الحق، وأن يشهدوا لوصاياه في العالم.. ومثل هؤلاء يكون كلامهم أفضل من الصمت.

فليعطنا الرب أن نعرف كيف ومتى نتكلم. وليعطنا الكلمة التي تتفق ومشيئته الصالحة، والتى يعمل فيها روحه القدوس فلا ترجع فارغة، بل تثمر ثمراً في قلوب الناس. ويرى الرب ثمار هذه الكلمة فيفرح وتفرح ملائكته، ويكون هو الذي تكلم وليس نحن.. وليتمجد الرب في صمتنا وفى كلامنا، له المجد إلى الأبد أمين.

+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

 18- التواضع هو الفضيلة الأولى

 

أريد في هذا المقال أن أكلمكم عن فضيلة جميلة وأساسية وهى الاتضاع.

الاتضاع هو الفضيلة الأولى في الحياة الروحية.

 الاتضاع هو السور الذي يحمى الفضائل ويحمى المواهب، وكل فضيلة خالية من الاتضاع، عرضة أن يختطفها شيطان المجد الباطل، ويبددها الزهو والفخر والاعجاب بالنفس.

لذلك إذا أعطاك الله موهبة من مواهبه، ابتهل إليه أن يعطيك معها إتضاعاً، أو أن يأخذها منك، لئلا تقع بسببها في الكبرياء وتهلك.

الاتضاع إذن هو الأساس الذي تبنى عليه جميع الفضائل.

ليس هو فضيلة قائمة بذاتها، إنما هو متداخل في جميع الفضائل، مثلة كالخيط الذي يدخل في كل حبات المسبحة.

والله يعطي مواهبة للمتواضعين، لأنه يعرف أنها لا تؤذيهم. ويقول الكتاب المقدس إن الله يكشف أسراره للمتضعين..هؤلاء الذين كلما زادهم الله مجداً، زادوا هم إنسحاقاً قدامه.

من أجل كل هذا دعانا الله جميعاً أن نكون متضعين. وقد كان الاتضاع والوداعة، إحدي سمات السيد المسيح البارزة التي حببته إلى الكل.. وقد وصفه الإنجيل المقدس بأنه كان: "وديعاً ومتواضع القلب".

وقد اتقن القديسون الاتضاع بصورة عجيبة..

ولم يتواضعوا فقط أمام الله والناس، بل حتى أمام الشياطين، وهزموهم بهذا الاتضاع.

 

القديس العظيم الأنبا انطونيوس أبو الرهبنة كلها، عندما كان الشياطين يحاربونه في عنف، كان يرد عليهم باتضاع قائلاً: (أيها الأقوياء، ماذا تريدون منى أنا الضعيف، وأنا عاجز عن مقاتله أصغركم)!!

وكان يصلى إلى الله قائلاً:

(أنقذني يا رب من هؤلاء الذين يظنون أنني شيء، وأنا تراب ورماد)..

فعندما كان الشياطين يسمعون هذه الصلاة الممتلئة اتضاعاً، كانوا يقشعرون كالدخان.

 

وفي إحدي المرات ظهر الشيطان للمتوحد الناسك القديس مقاريوس الكبير وقال له: "ويلاه منك يا مقاره، أي شيء أنت تعمله ونحن لا نعمله؟! أنت تصوم، ونحن لا نأكل. وأنت تسهر، ونحن لا ننام، وأنت تسكن البراري والقفار، ونحن كذلك، ولكن بشيء واحد تغلبن " فسأله عن هذا الشيء. فقال له " بتواضعك تغلبنا"..

 

في مرة أخري أبصر الأنبا انطونيوس فخاخ الشياطين منصوبة، فألقي نفسه على الأرض أمام الله، وصرخ قائلاً:

(يا رب، من يستطيع أن يخلص منها؟!) فأتاه صوت يقول: (المتواضعون يخلصون منها).

إن كان التواضع بهذه القوة التي تهزم الشياطين، فما هو التواضع إذن؟

التواضع هو أن تعرف ضعفك، وأن تعرف سقطاتك وخطاياك، وأن تعامل نفسك على هذا الأساس ليس التواضع أن تشعر بأنك كبير أو عظيم، وتحاول أن تتصاغر أو أن تخفي عظمتك (اقرأ مقالاً آخراُ عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في قسم الأسئلة والمقالات).. فشعورك بأنك كبير فيه نوع من الكبرياء. وشعورك بأنك تخفي عظمتك فيه إحساس بالعظمة تخفيها عن الناس، ولكنها واضحة أمام نفسك.

أما التواضع، إحساس بعظمة تخفيها عن الناس، ولكنها واضحة أمام نفسك.

أما التواضع الحقيقي فهو تواضع أمام نفسك أولاً. شعور حقيقي غير زائف، في داخل نفسك، إنك ضعيف وخاطئ حتى في عمق قوتك تشعر أن القوة ليست منك، إنما هي منحة سماوية من الله لك، أما انت فبطبيعتك غير ذلك.

 

اعرف يا أخي من أنت، فهذه المعرفة تقودك إلى الاتضاع. إنك تراب من الأرض. بل التراب أقدم منك، وجد قبل أن تكون. خلقه الله أولاً، ثم خلقك من تراب.

+ أتذكر أنني ناجيت هذا التراب ذات مرة في بضعة آيات قلت فيها:

يا تراب الأرض يا جدي        وجد الناس طرا

أنت أصلي، أنت يا أقدم        من آدم عمر

ومصيري أنت في القبر،      إذا وسدت قبر .

 

بل أنك يا أخي، إذا فكرت في الأمر باتضاع، تجد ان هذا التراب لم يغضب الله كما أغضبته أنت بخطاياك.

لذلك أقول لك حقيقية هامة وهي:

إن المتواضع الوحيد هو الله.

الله هو الكبير الذي يتنازل ويكلمنا نحن الصغار، وهو القدوس الذي يتنازل ويعاملنا نحن الخطاة.

أما نحن فالتواضع بالنسبة إلينا. ليس تنازلاً، وغنما هو مجرد معرفة للذات.

إن عرفت هذا، فعامل نفسك إذن بما تستوجبه هذه المعرفة، ولا تطلب من الناس كرامة ولا مجداً. وإن حوربت بهذا الأمر، رد على نفسك وقل: (أنا لا أستحق شيئاً بسبب خطاياي.. وإن كان الله من فرط رحمته قد ستر خطاياي عن الناس، ولكنني أعرفها جيداً ولا انساها لئلا أتكبر باطلاً)..

إحذر من أن تنسي خطاياك، لئلا تنتفخ، وتظن في نفسك الظنون، وتذكر قول ذلك القديس الذي قال:

(إن نسينا خطايانا، يذكرها لنا الله. وإن ذكرنا خطايانا، ينساها لنا الله).

 

اعترف بخطاياك أمام نفسك، وأمام الله، وإن استطعت فأمام الناس أيضاً.

وإن لم تسطع، فعلي الأقل لا تمدح ذاتك أمامهم، ولا تقبل مديحهم لك وإن سمعته أذناك، فليرفضه قلبك وعقلك..

ولا تسع وراء الكرامة. وتذكر قول مار اسحق:

(من سعي وراء الكرامة، هربت منه، ومن هرب منها بمعرفة، سعت وراءه).

ولا يكن تواضعك مظهرياً، أو باللسان فقط، إنما ليكن تواضعاً حقيقياً من عمق القلب، وبيقين داخلي، ليكن تواضعاً بالروح.

 

وإن عشت بالتواضع، ستحيا باستمرار في حياة الشكر.. سنشكر الله على كل شيء وفي كل حل، شاعراً على الداوم أن الله يعطيك فوق ما تستحق.

أما غير المتواضع، فأنه يكون في كثير من الأحيان متذمراً ومتضجراَ، شاعراً أنه لم ينل بعد ما يستحقه، وأنه يستحق الكثير، وأنه مظلوم، من الناس ومن الله!!

والشخص المتواضع سلام مع الكل، لا يغضب من أحد، ولا يغضب أحداً.

لا يغضب من أحد، لأنه باستمرار يلوم نفسه، ولا يلوم الناس. ولا يغضب أحداً، لأنه يطلب بركة كل أحد وصلواته. فلنكن جميعاً متضعين لكي نكون أهلاً لعمل الله فينا، الله الذي لا يحد الذي تنازل واهتم بنا، له المجد الدائم إلى الأبد آمين.

+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 19 - التوبة

 

توجد موضوعات روحية تخص مجموعة معينة من الناس دون مجموعة أخرى. على أن هناك موضوعاً يخص الكل، مهما حاول البعض أن ينكر احتياجه إليه. أما هذا الموضوع فهو التوبة..

 

كل إنسان يحتاج إلى التوبة. لأنه لا يوجد أحد بلا خطية. الكل معرض للخطأ. والذى يقول إنه لا يخطئ هو بغير شك واحد من اثنين: إما أنه إنسان لا يحاسب نفسه جيداً، وإما أن مقاييسه الروحية في حاجة إلى تعديل.

 

 شعور الإنسان باحتياجه إلى التوبة، هو ديل صحة نفسة، دليل على أنه يريد أن يصلح حاله وقلبه. أما الذي لا يشعر بحاجته إلى التوبة، فلا بد انه سيبقى في أخطائه، تمنعه كبرياؤه من الاعتراف بالخطأ.. إنه بار في عينى نفسه، ولكنه ليس باراً أمام الله وأمام الناس.. حتى أن القديسين أنفسهم كانوا يجاهدون من أجل التوبة، ولكن في مستويات عليا غير المستويات العادية..

إن كان الأمر هكذا،

فما هي التوبة إذن؟

 

ليست التوبة هي مجرد ترك الخطية وعدم السلوك فيها.. فكثيراً ما يحدث أن يترك الإنسان الخطية لأسباب غير روحية، يتركها ليس محبة للبر، وليس لمحبته لله وإنما لأسباب أخرى، يكون في خلالها خاطئاً دون أن يخطئ.

 

فقد يبتعد الإنسان عن الخطيئة أحياناً بسبب الكبرياء، أو بسبب العناد، أو بسبب الخجل، أو بسبب الخوف: الخوف من أن يضبط أو الخوف من النتائج. أو بسبب أن الفرصة لم تكن متاحة، أو بسبب أن الخطية معتذرة أو رافضة.. وقد يرفض الخطية من أجل التظاهر بالبر أو من أجل مديح الناس..

 

وفى كل هذه الحالات لا تكون الخطية في سلوكه، وإنما قلبه.. هو يريد ولكنه لا يفعل.. والله فاحص القلوب والأفكار، يعرف تماماً أن مثل هذا الإنسان ليس تائباً. إنه لا يزال في حياة الخطيئة، ولا يزال للخطية سيطرة عليه، وإن كان لا يخطئ بالفعل..

 

إن التوبة هي حالة تغيير في القلب. هي نقطة تحول في حياة الإنسان.. هي تجديد للقلب.. هي حياة جديدة يحياها الشخص تختلف اختلافاً كلياً عن حياته الأولى في السقوط.

 

و قد يتغير إنسان ويسير في الفضيلة، ولكنه لا يعتبر تائباً إلا إذا استمر في حياة الفضيلة دون أن يرجع إلى الوراء. فكثيرون يظنون أنهم تابوا، وأن حياتهم قد تجددت، ويستمرون في هذا الوضع الجديد مدة، ثم تحدث لهم نكسة روحية، فيرجعون إلى أخطائهم، والبعض يقومون ثم يسقطون، ثم يقومون ويسقطون. وفى هذه الذبذبة لا نستطيع أن نقول إنهم تابوا.. ربما يكونون في مجرد محاولات للتوبة.

 

 إن ترك الخطية ولو إلى فترة، ليس هو التوبة الحقيقية..

 

 فقد يبعد الشخص عن الخطية، أو تبعد الخطية عنه، ليس لأنه قد صار باراً، وإنما لأنه في هذه الفترة بالذات غير محارب بهذه الخطيئة بالذات.

إن الشيطان ذكى في حروبه، يعرف متى يحارب، وكيف يحارب، وبأية خطيئة يحارب الإنسان.

وإن وجد الإنسان مستعداً استعداداً كاملاً ومتحفزاً كل التحفز لمواجهته في ميدان معين، قد يترك هذا الميدان ويحاربه في موقع آخر.

فإن وجدت نفسك مستريحاً فترة ما من خطيئة معينة، لا تظن أنك قد صرت نقياً من جهتها. ربما يكون الشيطان قد تركك إلى حين ريثما يعد لك كميناً في موضع آخر، ثم يرجع إلى محاربتك مرة أخرى على حين فجأة بهذه الخطيئة التي ظننت أنك قد تبت عنها. لذلك كن حريصاً باستمرار، يقظاً باستمرار، مستعداً باستمرار، لأنك لا تعرف في أية ساعة أو بأى شكل تأتيك الحرب الروحية..

وقد تستريح فترة من خطيئة معينة بالذات، ليس لأنك تبت عنها، وإنما بسبب شفقة الله عليك. أراد لك فترة راحة حتى لا تكل في الجهاد، أو لكيلا تقع في اليأس.. وربما تكون الخطيئة قد بعدت عنك بسبب صلوات بعض القديسين الذين تشفعوا فيك أن يمد لك الله يد المعونة حتى لا تسقط. ربما تكون القوة الحافظة المحيطة بك هي التي دافعت عنك، ولا يكون قيامك راجعاً لتوبة..

هناك إذن فرق كبير بين إنسان منتصر في حياته الروحية، وإنسان غير محارب. وتظهر التوبة على حقيقتها إذا حوربت فانتصرت. وقد ينتصر إنسان في حرب خفيفة ولكنه يضعف ويسقط إذا كان أغراء الخطيئة شديداً وقاسياً. أما التائب الحقيقى فهو رجل الله الذي يحارب حروب الرب في عنفها وينتصر. تضغط عليه الخطية في أشد إغراءاتها، وفى أقسى صورها، وفى أقصى حدودها، وينتصر. ويستمر أمامه الأغراء، ويستمر في نصرته.. مثل يوسف الصديق..

هذه هي التوبة. إنها حياة النصرة. حياة الإنسان الذي يجاهد من أجل الرب وينجح. حياة القلب الذي يرفض الخطية مهما ضغطت عليه..

ترك الخطية هو بداية حياة التوبة. أما كمال التوبة فليس هو ترك الخطية، وإنما هو كراهية الخطية. وقد يكره الإنسان الخطية أحياناً بعض الوقت اشمئزازاً منها أو كرد فعل لبشاعتها، ثم يرجع بعد حين، بعد زوال هذا الانفعال فيشتاق إليها مرة أخرى. ليست هذه هي التوبة. إنما التوبة هي كراهية حقيقية للخطية، كراهية دائمة بسبب أن هذه الخطية لم تعد تتفق اطلاقاً مع طبيعة الإنسان الجديدة التي تجددت بالتوبة..

على أن كراهية الخطية هي حالة سلبية. أما الحالة الإيجابية فهى محبة الله. والتوبة الحقيقية هي النتيجة الطبيعية لدخول محبة الله في القلب. إنها استبدال شهوة بشهوة. إنها حلول شهوة البر محل شهوة العالميات. حلول الله محل العالم في قلب الإنسان.

التوبة هي الدرجة الأولى في السلم الروحى. منها يرتقى الإنسان درجة درجة في حياة القداسة والنقاوة حيث يصل أخيراً إلى الكمال. والكمال هو قمة الدرج الروحانى..

وهذه القداسة، وهذا الكمال، لا يعلنهما الله للإنسان دفعة واحدة، لئلا يقع في صغر النفس، ويرى أنه ليس من السهل عليه الوصول..

الكمال كالأفق، هو آخر ما تصل إليه رؤيتك. عنده ترى السماء والأرض متعانقتين. فإذا ما وصلت إليه ترى افقاً آخرى في انتظارك بعيداً عنه. وعندما تصل إلى هذا الأفق الآخر تتطلع إلى افق أبعد.

وتظل تنتقل من افق إلى فوق، ترقى من كمال إلى كمال أعلى. وأعلى ما يصل إليه الإنسان من كمالات هو جهالة بالنسبة إلى كمال الله الذي فيه يتركز الكمال الذي لا يحد، له المجد في كماله إلى الأبد، آمين.

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

 20 - الإيمان العملي

 

أيها القارئ العزيز: لا شك انك تعتقد في نفسك أنك شخص مؤمن وأن أيمانك بالله ليس هو موضع سؤال.

فهل اختبرت اعتقادك هذا في ضوء "الإيمان العملي"؟! ولعلك تسأل: وما هو الإيمان العملى؟

 

و للإجابة على هذا السؤال نقول: إن كثيرين يؤمنون بالله إيماناً نظرياً، إيمانا فكرياً، إيماناً يختص بالعقل فقط ولا يتعدى نطاق العقل.. أما الإيمان العملى، فهو الإيمان الذي تظهر ثماره وعلاماته واضحة في حياة الإنسان، بحيث تشهد أعماله وأقواله وسلوكه انه شخص مؤمن.. لهذا يسأل القديس بولس الرسول ويقول: "لنختبر أنفسنا هل نحن في الإيمان". ولتوضيح هذا الأمر سأضرب بضعة أمثلة:

 

أنت تؤمن ان الله موجود، وأنه عادل، وأنه يحكم للمظلومين، لماذا إذن تخاف؟ ولماذا تضطرب؟ وهل خوفك يدل على أنك شخص مؤمن؟!

عن داود النبى يقول: "الرب نورى وخلاصى، ممن اخاف؟ الرب عاضد حياتى، ممن أجزع.. إن يحاربنى جيش، فلن يخاف قلبى. وإن قام على قتال، ففى ذلك أنا مطمئن.. ".. داود النبى يؤمن أنه في رعاية الله، حمل صغير في غنم رعيته، ولذلك يخاطب الله قائلاً: "إن سرت في وادى ظل الموت فلا أخاف شراً، لأنك أنت معى.. عصاك وعكازك هما يعزياننى"..

حقاً، إن القلب المؤمن لا يخاف. الإنسان المؤمن الذي يثق برعاية الله له، لا يمكن أن يخاف. إن الخوف دليل عملى على ضعف الإيمان. ضعف الإيمان برعاية الله، وحمايته، وحفظه..

إن المؤمن ينصت إلى صوت المزامير وهى تشجعه بقول الوحى الإلهى: "فلا تخش من خوف الليل. ولا من سهم يطير بالنهار.. يسقط عن يسارك ألوف، وعن يمينك ربوات. وأما أنت فلا يقتربون إليك بل بعينيك تتأمل، ومجازاة الخطاة تبصر".

لهذا استطاع القديسون أن يواجهوا الأخطار بقلوب مملؤة بالسلام لا تعرف للخوف معنى.. وإن ضغطت عليهم الضيقات، وإن بدا أن أعداءهم أكثر قوة وعدداً، يرن في آذانهم القول الإلهى: "أنا معكم، لا تخافوا"، "الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون"، "إن الذين معنا أكثر من الذين علينا". عاش آباؤنا في البرارى والقفار، في وسط الوحوش والحيات والعقارب ودبيب الأرض، ولم يخافوا.. وتعرضوا لهجمات الشياطين وحروبهم، ولم يخافوا.. كانوا مؤمنين بعمل الله معهم ن وعمل الله من أجلهم..

لذلك إن حاربك الخوف، وبخ ذاتك وقل: أين إيمانى؟! اشعر باستمرار، بأن يرونها، ومن الأخطار الخفية التي لا يعرفونها. هو يدافع عنا أكثر من دفاعنا عن أنفسنا.. ولكنه دائماً يتدخل في الوقت المناسب في الوقت الذي تحدده حكمته الازلية. فإن حاربك الخوف بسبب ان بمعونة الإلهية بدت متباطئة في الوصول إليك ن فلتتشجع بقول داود النبى في المزمور: "انتظر الرب، تقو وليتشجع قلبك، وانتظر الرب".. حالة واحدة تخاف منها. عندما تشعر أن الله قد تخلى عنك بسبب خطاياك.

و حتى في هذه الحالة يستطيع المؤمن أن يجد حلاً إذ يشعر أنه يشعر أنه بالتوبة يصطلح مرة أخرى مع الله ن ويعود الله إليه، وتعود معونته. والتوبة في مقدور كل إنسان: يكفى أن يندم من كل قلبه، ويرفع قلبه إلى الله في انسحاق.. وإذ يشعر برجوع الصلة، ويزول الخوف ويطمئن (اقرأ مقالاً آخراُ عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في قسم الأسئلة والمقالات).. الإنسان المؤمن لا يخاف. والإنسان المؤمن لا يخاف. والإنسان المؤمن حقاً ن لا نخطئ. إنك قد تخجل من ان ترتكب خطيئة أمام أحد معرفك، أو أمام من توقرهم في داخلك، فكن بالأولى أمام الله!! إن الذي يضع الله أمام عينيه، لا شك أنه يستحى أن يخطئ قدامه.. مثلما عرضت الخطية على يوسف الصديق، فقال: "كيف أخطئ، وأفعل هذا الشر العظيم أمام الله؟!".

 

أؤكد لكم أننا في كل مرة نخطئ، نكون قد نسينا الله، نسينا أنه يرانا ويبصر ما نفعله، وهكذا إيماننا فهو وجود الله قد ضعف.. في كل مرة نظلم غيرنا، نكون قد نسينا الله العادل، وفقدنا الإيمان بالله الذي يحكم للمظلومين.. في كل مرة نفعل ما لا يليق، لا تكون صورة الله واضحة أمام أعيننا..

عن الإنسان المؤمن لا يخطئ، ليس فقط لإيمانه بأن الله يراه، وإنما أيضاً لإيمانه بأن الله سيحاسب وهو الدين الذي لا مهرب منه..

لهذا كان الاباحيون يحاربون باستمرار فكرة وجود الله، ويتخذون الله عدواً لهم، ويقود الإباحية إلى الالحاد.. أما المؤمنون فتظهر ثمار إيمانهم في حياة العفة والطهارة والقداسة التي يسلكون فيها، وبها يشعر الناس أنهم مؤمنون. ولذلك قال السيد المسيح: "من ثمارهم تعرفونهم". فإن كنت تسلك في الخطية فلا تفتخر باطلاً، وتقول إنك إنسان مؤمن!! لئلا تكذبك أعمالك، وتقف شاهدة ضدك!

إن الإيمان كما قلت من قبل، ليس مسألة عقلية او نظرية، إنما يدخل في الحياة العملية، ويصبح إيماناً عملياً، تسمى الحياة فيه "حياة الإيمان"

الإيمان إذن يتعارض مع الخوف، ويتعارض مع الخطيئة والشر.. هو أيضاً يتعارض مع التذمر والضجر. أنت تؤمن بالله. حسناً تفعل. فهل تؤمن أن الله يصنع معك خيراً؟ إن كنت تؤمن بهذا فلماذا تتذمر؟ ولماذا لا تحيا في حياة الرضا والشكر؟

 

إن المؤمنين يحيون باستمرار في حياة الشكر، يشكرون الله في كل حين، على كل شيء.. يقبلون كل شيء من يد الله في رضى وفى فرح، لا يتذمرون ولا يتضجرون.. هم يؤمنون أن ضابط للكل، وانه يملك زمام الكون كله، ويدبر أموره حسب مشيئته الإلهية لصالحة. لذلك هم مطمئنون إلى عمل الله.. ما يعمله الله خير ومقبول. وكل ما يشاؤه الله هو نافع ومفرح. فلتكن مشيئته..

المؤمنون لا يضعون مشيئة الله تحت مقاييس حكمتهم البشرية، إنما يخضعون حكمتهم البشرية لمشيئة الله، ويقبلون مشيئة الله في غير تذمر شاعرين أنها لصالحهم مهما كانت تبدو غير ذلك.. وحقاً كم من أمور تضايق منها الناس في بادئ الأمر ثم اثبتت لهم الأيام انها كانت خيراً وبركة.. لذلك فان المؤمن يحيا باستمرار في حياة التسليم.

 

حتى إن كان الأمر الذي يحدث للمؤمن هو شر واضح، فإنه لا يتذمر، شاعراً بالإيمان أن الله قادر أن يحول الشر إلى خير.. إن اخوة يوسف صنعوا به شراً، وامرأة فوطيفار الزانية فعلت به ايضاً شراً، وقادته إلى السجن. ولكن الله حول ذلك الشر إلى خير.. كم من أمور يريد بها الناس ضررنا، ولكن هذه الأضرار في طريقها إلينا تمر على يد الله صانعة الخيرات، فتحول الضرر إلى خير.. فلنكن إذن مطمئنين شاعرين بالإيمان أن حياتنا في يد الله، وليست في أيدى الناس، ولنقل باستمرار تلك الآية الجميلة المعزية التي يقول فيها الوحى الإلهى: "كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الرب".

 

 الإيمان إذن يتعارض مع الخوف، ومع الخطيئة، ومع التذمر.. وهو أيضاً بالأكثر يتعارض مع اليأس.. ألست تؤمن أن الله قادر على كل شيء؟ آمن إذن أن الله قادر على حل جميع إشكالاتك، وقادر على إزالة جميع متاعبك. لا داعى إذن لليأس، فهو لا يتفق مع الإيمان.. وقل لنفسك باستمرار: "عند الله لكل مشكلة حل، أو حلول. وهو قادر على كل شيء. "غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله".

لهذا نجد أن رجل الإيمان بشوش باستمرار، فرح القلب، مهما أحاطت به المتاعب لا يحزن ولا يكتئب ولا ييأس..

إنه يعيش في الحل الآتى، وليس في المشكل الحاضر. يجعل الله بينه وبين المتاعب فتختفى المتاعب بينه وبين الله، لئلا يختفى إيمانه بالله.

+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

 21 - المحبة هي قمة الفضائل

 

المحبة هي الفضيلة الأولى بل هي جماع الفضائل كلها. وعندما سئل السيد المسيح عن الوصية العظمى في الناموس، قال إنها المحبة" تحب الرب إلهك من كل قلبك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك.. وتحب قريبك كنفسك" " وبهذا يتعلق الناموس كله والأنبياء".

وقد جاء السيد المسيح إلى العالم لكي ينشر المحبة، المحبة الباذلة المعطية، محبة الله للناس، ومحبة الناس لله، ومحبة الناس بعضهم لبعض. وهكذا قال لرسله القديسين: "بهذا يعلم الجميع أنكم تلاميذى، إن كان فيكم حب بعضكم نحو بعض".. وبهذا علمنا أن نحب الله، ونحب الخير.. ونطيع الله من أجل محبتنا له، ومحبتنا لوصاياه..

 

تربطنا بالله علاقة الحب، لا علاقة الخوف. إن الخوف يربى عبيداً، أما الحب فيربى الأبناء، وقد نبدأ علاقتنا مع الله بالمخافة ولكنها يجب أن تسمو وتتطور حتى تصل إلى درجة الحب، وعندئذ يزول الخوف.

 

وفى إحدى المرات قال القديس العظيم الأنبا انطونيوس لتلاميذه: (يا أولادى، أنا لا أخاف الله). فلما تعجبوا قائلين: (هذا الكلام صعب يا أبانا)، حينئذ أجابهم القديس بقوله: (ذلك لأننى أحبه، والحب يطرح الخوف إلى خارج).

 

والإنسان الذي يصل إلى محبة الله، لا تقوى عليه الخطية. يحاربه الشياطين من الخارج، وتتحطم كل سهامهم على صخرة محبته. وقد قال الكتاب: "المحبة لا تسقط أبداً". وقال سليمان الحكيم في سفر النشيد: "المحبة قوية كالموت.. مياه كثيرة لا تستطيع أن تطفئ المحبة". ولذلك قال القديس أوغسطينوس: (أحبب، وأفعل بعد ذلك ما تشاء)..

 

وقد بلغ من أهمية المحبة أنها سارت اسماً لله. فقد قيل في الكتاب المقدس: "الله محبه، من يثبت في الله، والله فيه"..

 

إن المحبة هي قمة الفضائل جميعاً. هي أفضل من العلم، وأفضل جميع المواهب الروحية، وأفضل من الإيمان ومن الرجاء.. ولهذا قال بولس الرسول:

 

إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة، ولكن ليس لى محبة، فقد صرت نحاساً يطن أو صنجاً يرن، وإن كانت لى نبوءة، وأعلم جميع الأسرار وكل علم، وإن كان لى كل الإيمان حتى أنقل الجبال، وليست لى محبة، فلست شيئاً".

 

 " العلم ينفخ، والمحبة تبنى".

 

إن الدين ليس ممارسات ولا شكليات ولا فروضاً، ولكنه حب.. وعلى قدر ما في قلب الإنسان من حب لله وحب للناس وحب للخير، هكذا يكون جزاؤه في اليوم الأخير..

إن الله لا تهمه أعمال الخير التي يفعلها الناس، إنما يهمه ما يوجد في تلك الأعمال من حب للخير ومن حب لله..

 

فهناك أشخاص يفعلون الخير ظاهراً وليس من قلوبهم، وهناك أشخاص يفعلون الخير مجبرين من آخرين، أو بحكم القانون، أو خوفاً من الانتقام، أو خوفاً من العار، أو خجلاً من الناس.. وهناك أشخاص يفعلون الخير من أجل مجد ينالونه من الناس في صورة مديح أو إعجاب.. كل هؤلاء لا ينالون أجراً إلا إن كان الحب هو دافعهم إلى الخير..

 

لذلك ينبغى أن نخطط كل فضيلة بالحب، ونعالج كل أمر بالحب، يكون الحب دافعنا، ويكون الحب وسيلتنا، ويكون الحب ونضع أمامنا قول الكتاب: "لتصر كل أموركم في محبة".

+ تدخل الحب في كل الفضائل:

كما ينبغى أن يدخل الاتضاع في كل فضيلة لكي يحفظها من الزهو والخيلاء والمجد الباطل، كذلك ينبغى أن يدخل الحب في كل فضيلة لكي يعطيها عمقاً ومعنى وحرارة روحية.. ولنضرب لذلك بضعة أمثلة..

الصلاة مثلاً، هل هي مجرد حديث مع الله؟ إنها أكبر من ذلك، إنها اشتياق القلب لله، وهى تعبير عن الحب الداخلى.. 

لذلك قال داود النبى في مزاميره: "يا الله أنت إلهى، عطشت نفسي إليك التحقت نفسي وراءك.. كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه، كذلك إشتاقت نفسي إليك يا الله.. محبوب هو إسمك يا رب، فهو طول النهار تلاوتى". "وجدت كلامك كالشهد فأكلته"..

 

 والذهاب إلى بيت الله، أهو نوع من العبادة، أم هو أيضاً حب؟ نسأل في هذا داود النبى، فيقول في مزاميره: "مساكنك محبوبة، أيها الرب إله القوات. تشتاق وتذوب نفسي للدخول إلى ديار الرب". "فرحت بالقائلين لى: إلى بيت الرب نذهب".. "واحدة طلبت من الرب، وإياها التمس، أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتى.. ".

 

 ليست الصلاة فقط هي علاقة حب، ولا الذهاب إلى بيت الله فحسب، وإنما العبادة كلها.. إن العبادة ليست هي حركة الشفتين بل القلب، إنها حركة القلب نحو الله. إنها استبدال شهوة بشهوة: ترك لشهوة العالم، من أجل التعلق بشهوة الله..

كذلك خدمة الله، والسعى لخلاص أنفس الناس.. كلها أعمال حب.. الخادم هو الإنسان الذي يحب الناس، ويهتم بمصيرهم الأبدى، ويسعى إلى خلاص نفوسهم. إنه كالشمعة التي تذوب لكي تضئ للآخرين، يقول مع بولس الرسول: "وددت لو أكون أنا نفسي مرفوضاً، من أجل اخوتى وانسبائى حسب الجسد".. "من يفتر وأنا لا ألتهب؟!".

 

 لذلك كل إنسان يخدم الله، عليه أن يتعلم الحب أولاً، قبل أن يخدم الناس.. فالناس يحتاجون إلى قلب واسع، يحس إحساسهم، ويشعر بهم ويتألم لآلامهم، ويفرح لأفراحهم، ويحتمل ضعفاتهم، ولا يحتقر سقطاتهم، بل أيضاً يحتاجون إلى قلب يحتمل جحودهم وصدودهم وعدم اكتراثهم. وبالحب نستطيع أن نربح الناس..

 

والإنسان الذي يعيش بالحب، عليه أن يحب الكل. إن القلب الضيق هو الذي يحب محبته فقط، أما القلب الواسع فيحب الجميع حتى أعداءه.

و لهذا قال السيد المسيح له المجد: "أحبو أعداءكم، باركوا لاعنيكم، إحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم".. واعطانا مثلاً وقدوة من الله نفسه الذى: "يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين".

 

لذلك علينا أن نحب الكل، ولا نضيق بأحد ونأخذ درساً حتى من الطبيعة.. نتعلم من النهر الذي يعطى ماءه للكل، يشرب منه القديس، كما يشرب منه الخاطئ.. انظروا إلى الوردة كيف تعطى عبيرها لكل من يعبر بها، يتمتع برائحتها البار والفاسق، حتى الذي يقطفها، ويفركها بين يديه، تظل تمنحه عطرها حتى آخر لحظة من حياتها..

ليتنا نعيش معاً بالحب، وأقصد به الحب العملى، كما قال الكتاب: "لا نحب باللسان ولا بالكلام، بل بالعمل والحق"..لأن كثيرين قد يتحدثون عن الحب، وأعمالهم تكذبهم، هؤلاء الذين وبخهم الله بقوله: "هذا الشعب يعبدنى بشفتيه، أما قلبه فمبتعد عنى بعيداً"..

وأهم ما في الحب هو البذل، وأعظم ما في البذل هو بذل الذات.. لذلك قال السيد المسيح: "ليس حب أعظم من هذا، أن يبذل أحد نفسه عن أحبائه". فلنحب الناس جميعاً، لأن القلب الخالى من الحب، هو خال من عمل الله فيه، هو قلب لا يسكنه الله.

 

وإن لم نستطع أن نحب إيجابياً فعلى الأقل لا نكره أحداً. فالقلب الذي توجد فيه الكراهية والحقد هو مسكن للشيطان..

إن لم نستطع أن نحب الناس، فعلى الأقل لا نكرهم، وإن لم نستطع أن ننفع الناس، فعلى الأقل لا نؤذيهم..

فليعطنا الله محب البشر، الذي أحب الكل في عمق، أن نحب بعضنا بعضاً، بالمحبة التي يسكبها الله في قلوبنا، له المجد الدائم إلى الأبد. آمين..

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

22 –  بدع حديثة

ماذا يعنى تمزيق صك الدين الذي كان علينا؟

إلا إيفاء الدين تماماً بالصليب. فلماذا نحسب الدين إهانة للمخلص المحبوب؟

+  بولس الرسول يقول في جسارة "لأنه جعل الذي لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه".
+
القديس مار أفرام السريانى يقول [السبح للغنى الذى دفع عنا ما لم يقترضه وكتب على نفسه صكاً وصار مديناً] (الترنيمة الثانية عن الميلاد )

 +  القديس أمبروسيوس يقول [ بالجسد علّق على الصليب ولأجل هذا صار لعنة. ذاك الذى حمل لعنتنا] (شرح الإيمان المسيحى – الكتاب الثانى- الفصل 11 )

+  والقديس أثناسيوس يقول [ ولأن كلمة الله هو فوق الكل فقد لاق به بطبيعة الحال أن يوفى الدين بموته وذلك بتقديم هيكله وآنيته البشرية لأجل حياة الجميع. ] (تجسد الكلمة فصل 9 الفقرة 2)
مسألة إهانة كرامة الله :

الذيــن يرفضـون عقيـدة الكفــارة يقـولون:

" إن شــر الإنسـان لا يمكن أن يجرح كرامة الله،ولا يهينه. إذ كيـف للإنسان أن يمس كرامة الله، حتى لو فعل الإنسان كل ما فى وسعه من شر!!؟"

 

ونحن نجيب عليهم بأن خطية الإنسان لن تمس كرامة الله طالما يعلن الله غضبه ضد الخطية.

أما إذا لم يعلن غضبه كقدوس ففي هذه الحالة –وهذا مستحيل- تكون كرامته قد أهينت إذ لم تعلن قداسته المطلقة كرافض للشر. 

ولهذا فنحن نرى العدل والرحمة يتلاقيان بالصليب وبهذا أعلنت قداسة الله العادل ومحبته فى آنٍ واحد.
وقد أوضح القديس أثناسيوس أن العدل الإلهى قد استوفى بآلام وموت الصليب فقال [ لهذا كان أمام كلمة الله مرة أخرى أن يأتى بالفاسد إلى عدم فساد، وفى نفس الوقت أن يوفى مطلب الآب العادل المطالب به الجميع وحيث أنه هو كلمة الآب ويفوق الكل، فكان هو وحده الذى يليق بطبيعته أن يجدد خلقة كل شئ وأن يتحمل الآلام عوضاً عن الجميع وأن يكون نائباً عن الجميع لدى الآب ]

(تجسد الكلمة فصل 7 فقرة 5 )

الموت النيابى:

ينادى البعض في زماننا الحاضر بأن السيد المسيح لم يمت عنا بل مات لأجلنا.

بمعنى أنه لم يمت على الصليب بدلاً عنا بل مات بنا وبهذا نكون قد متنا معه !!!

ويقولون إنه من الخطأ القول بأنه تألم عنا أو صلب عنا أو مات عنا...

وهكذا وقد نسى هؤلاء أن الكنيسة كلها تردد في قانون الإيمان في جميع صلواتها الليتورجية عن السيد المسيح أنه

[نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطى]

فمن الواضح أننا نعترف بأنه صلب عنا...

وأن السيد المسيح نفسه قال إن "إبن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين". (مت20: 28).

وما معنى الفدية إن لم تكن عوضاً عمن إفتداهم؟!!

لو كنا قد متنا مع المسيح يوم صلبه فى يوم الفداء، فما هو لزوم الفداء؟‍

إننا فى هذه الحالة نكون قد دفعنا ثمن الخلاص بأنفسنا فى يوم الصليب.

نحن صلبنا مع السيد المسيح ودفنا معه يوم قبولنا لسر العماد المقدس كقول معلمنا بولس "أم تجهلون أننا كل من إعتمد ليسوع المسيح إعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً فى جدة الحياة" (رو6: 3،4 )

إن الروح القدس بعمل فائق للطبيعة وفوق الزمان والمكان يعمل فى سر العماد ويأخذ من إستحقاقات موت المسيح ويعطينا.. يمنحنا الغفران بإستحقاقات دم صليبه ويمنحنا الطبيعة الجديدة التى تليق بحياة البنوة لله ويجعلنا أعضاء فى "جسده الذى هو الكنيسة" (كو1: 24). النعمة الإلهية لا حدود لها أما نحن فمحدودين.

نحن لم نكن موجودين قبل أن نوجد لكى نشارك المسيح تقديم نفسه فدية عن حياة العالم. وكيف نكون موجودين من ألفى عام؟

هل نأخذ حالة عدم المحدودية لكياننا البشرى المحدود بالزمان والمكان؟!!

نحن كنا فى صُلب آدم حينما أخطأ فى الفردوس لأننا من نسله بحسب طبيعتنا البشرية. ولكننا لسنا من نسل السيد المسيح بحسب طبيعتنا البشرية، لأن السيد المسيح لم ينجب نسلاً جسدياً مثل آدم، بل الروح القدس يجدد هذه الطبيعة فى المعمودية ويمنحنا التبنى بالولادة الجديدة من الماء والروح لأن "المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح" (يو3: 6). نحن نصير أولاداً لله في المعمودية وننتقل من الانتساب إلى آدم إلى الانتساب إلى السيد المسيح طالما نكون ثابتين فيه ونحيا في حياة القداسة والبر وبهذا نصير أعضاءً في جسده أي الكنيسة التي هو رأسها.


إن السيد المسيح قد إشترك فى طبيعتنا بلا خطية لكى يصير قادراً أن يموت نيابة عن جميع الذين إفتداهم حينما حمل خطاياهم مسمراً إياها بالصليب.

عن هذا قال القديس أثناسيوس الرسولى فى كتاب تجسد الكلمة الفصل الثامن

[وهكذا إذ أخذ من أجسادنا جسداً مماثلاً لطبيعتنا، وإذ كان الجميع تحت قصاص فساد الموت، فقد بذل جسده للموت عوضاً عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله شفقة منه علينا، وذلك

أولاً لكى يَبطل الناموس الذى كان يقضى بهلاك البشر، إذ مات الكل فيه، لأن سلطانه قد أكمل فى جسد الرب ولا يعود ينشب أظفاره فى البشر الذين ناب عنهم.


ثانياً:

لكي يعيد البشر إلى عدم الفساد بعد أن عادوا إلى الفساد، ويحييهم من الموت بجسده وبنعمة القيامة، وينقذهم من الموت كإنقاذ القش من النار] .

وأيضاً فى الفصل التاسع [وإذ رأى الكلمة أن فساد البشرية لا يمكن أن يبطل إلا بالموت كشرط لازم، وأنه مستحيل أن يتحمل الكلمة الموت لأنه غير مائت ولأنه إبن الآب، لهذا أخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت حتى بإتحاده بالكلمة ، الذى هو فوق الكل، يكون جديراً أن يموت نيابة عن الكل، وحتى يبقى فى عدم فساد بسبب الكلمة الذى أتى ليحل فيه وحتى يتحرر الجميع من الفساد، فيما بعد، بنعمة القيامة من الأموات. وإذ قدم للموت ذلك الجسد، الذى أخذه لنفسه، كمحرقة وذبيحة خالية من كل شائبة فقد رفع حكم الموت فوراً عن جميع من ناب عنهم، إذ قدم عوضاً عنهم جسداً مماثلاً لأجسادهم ].

 

إن السيد المسيح قد ناب عن البشر الخطاة وصُلب بدلاً عنهم وأوفى الدين الذى علينا. لم يكن معه أحد على الصليب يوم صُلب لأنه هو المخلص الوحيد الذى ليس بأحد غيره الخلاص وهو الوحيد الذى بلا خطية والوحيد الذى يستطيع أن يحمل خطايا العالم كله ويكون فدية مقبولة أمام الآب السماوى لسبب بره الكامل وذبيحته الفائقة فى قيمتها فى نظر الله الآب لأنها ذبيحة الإبن الوحيد "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل إبنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو3: 16).

 

إن كان هناك أحد قد صلب مع المسيح في يوم الفداء على الجلجثة فلماذا دار الحوار التالي بين إشعياء النبي والسيد المسيح بروح النبوة؟ : 

"من ذا الآتي من أدوم بثياب حمر من بصرة هذا البهي بملابسه المتعظم بكثرة قوته؟

أنا المتكلم بالبر العظيم للخلاص.

ما بال لباسك محمر وثيابك كدائس المعصرة؟

قد دست المعصرة وحدي ومن الشعوب لم يكن معي أحد.

فدستهم بغضبى ووطئتهم بغيظي فرش عصيرهم على ثيابي فلطخت كل ملابسي"(أش63: 1-3)


أليس هذا هو المخلّص المسيح الذى رآه يوحنا فى رؤياه راكباً فرس أبيض "وهو متسربل بثوب مغموس بدم ويدعى إسمه كلمة الله... وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله... رب الأرباب" (رؤ19: 13-16)؟ 

لو كان أحد قد شارك المسيح فى يوم صلبه فلماذا قال "من الشعوب لم يكن معى أحد"؟!!!

ولماذا قال لتلاميذه "تأتى ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركونى وحدى. وأنا لست وحدى لأن الآب معى؟!!" (يو16: 32) لو كان هناك من رعيته من صلب معه فلماذا قال لمن أرادوا أن يقبضوا عليه "إن كنتم تطلبوننى فدعوا هؤلاء يذهبون" (يو18: 8).

ولماذا قال "أنا أضع نفسى عن الخراف" (يو10: 15).

ولماذا تنبأ قيافا وقال "أنتم لستم تعرفون شيئاً ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها. ولم يقل هذا من نفسه" (يو11: 49-51 ).

كيف يتجاسر أحد أن يقول أنه قد شارك المسيح فى صلبه يوم الجلجثة وفى تقديم ذبيحة الفداء بينما النبى أشعياء يقول"كلنا كغنم ضللنا مِلنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا"

(أش53: 6 )


حتى اللص اليمين الذي صُلب إلى جوار السيد المسيح ومات على الصليب لا يستطيع أن يقول أن المسيح لم يمت بدلاً عنه. لأن موت اللص اليمين عل الصليب كان عقوبة أرضية على جرائمه التي إرتكبها فى حياته على الأرض. ولم يكن هذا ليعفيه من القصاص الأبدى على الإطلاق..


لولا أن المسيح مات بدلاً عنه على الصليب لما أمكن أن ينجو من الموت والهلاك الأبدى. وبواسطة ذبيحة الصليب الكفارية أمكن أن يفتح له باب الفردوس بناءً على توبته وبناءً على طلبته.

اللص اليسار هو أيضاً مات ولكنه وهلك لأنه لم ينتفع من موت المسيح عوضاً عنه على الصليب.
لا وجه للمقارنة على الإطلاق بين صليب المسيح وصليب اللص، لأنه على صليب المسيح كانت الذبيحة الوحيدة المقبولة أمام الله الآب، والتى تفى بكل ديون الخطاة، وتوفى العدل الإلهى تمام الإيفاء.

لذلك وردت النصوص التالية عن ذبيحة المسيح على فم أشعياء النبى :


+ "
أما الرب فسُرّ بأن يسحقه بالحزن إن جعل نفسه ذبيحة إثم" (أش53: 10)

+ "عبدى البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها" (أش53: 11 )

+ "هو حمل خطية كثيرين وشفع فى المذنبين" (أش53: 12)

والسؤال الخطير الآن هو ما يلى :

إذا كنا قد صلبنا مع المسيح فى يوم الصـليب بحيث لم يصلب عنا بل صُلب بنا كما يقول البعض فهل نصلب معه مرة ثانية فى المعمودية أم لا؟!!

وهل يجوز أن يتكرر الصليب بالنسبة له، أو بالنسبة لنا؟!!

وما فائدة أسرار الكنيسة والمعمودية؟

وما فائدة عمل الروح القدس فى الكنيسة؟!!

نحن ننال شركة الموت مع المسيح فى المعمودية، ولهذا قال القديس بولس الرسول فى حديثه عن المعمودية : "إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته" (رو6: 5 )

ونحن في قوله"صرنا متحدين معه" يدل على أن هذا شيء قد حدث في وقت العماد ولم يكن حادثاً من قبل. وإلا فما معنى الصيرورة هنا (من كلمة صرنا)

إننا نحذّر من هذا التعليم الغريب والخطير الذى يهدم عقيدة الفداء فينبغى أن نثبت على تعليم الآباء القديسين القدامى وتعليم قداسة البابا شنودة الثالث أطال الرب حياته الذى أكد مراراً ضرورة التمسك بالتعليم الآبائى الصحيح "كى لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكر إلى مكيدة الضلال" (أف4: 14)

 

+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

23- كيف؟!

 

نحن غالبا ما نتفق في الاهداف، ولكننا نختلف في الوسائل!

نتفق مثلا في لزوم الاصلاح، والتغيير الي افضل.. ولكننا نختلف في كيف نصل الي هذا الاصلاح، وكيف يكون التغيير الي افضل!!؟ وكل نزاعنا وصراعنا يدور حول كلمة 'كيف'؟!

وجوب حل المشاكل القائمة امر يسعي اليه الكل. ولكن المشكلة الاهم هي كيف تحل هذه المشاكل؟! وهنا تتعدد وتتباين الاراء من المفكرين والسياسيين، ورجال الاجتماع والعلم.. والكل في حيرة وخلاف حول كلمة 'كيف؟'

ليس عند الكل حل.. ثابت شاف يليق

فحلول لفريق.. غير اخري لفريق

هناك امور صعبة، لا نعرف كيف نصل الي اجابة سؤال عنها. مثل مشكلة النسيان، وكيف نصل الي نسيان امور متعبة؟

 

وهنا اذكر قصيدة كتبتها منذ 54 عاما عنوانها 'كيف أنسي' كانت بدايتها هكذا:

سوف انسي اليوم والامس وقد انسي غدا         وسأنسي فترة 'في العمر قد ضاعت' سدي

غير أني سوف لا انسي سؤالا واحد        حين قال القلب يوما في ارتباك كيف انسي؟

 

نعم، كيف ينسي الانسان امورا دخلت الي عمق اعماق تفكيره، ورسمت في ذاكرته وفي عقله الباطن وفي اللاشعور؟ كيف ينسي؟!

ايضا تدخل عبارة كيف؟ في التعامل مع الامور المضادة

كيف تتعامل احيانا مع امرين احلاهما مر؟!

 

فتاة مثلا قد حملت سفاحا، ولجأت الي طبيب لاجهاضها. ويقف الطبيب امام تحريم الإجهاض كجريمة قتل جنين وحرمان نفس من الحياة.. وبين ما تقابله هذه الفتاة من عار وفضيحة، وربما يلجأ اهلها الي قتلها بحجة تلويثها لشرف الاسرة وهنا يقف الطبيب الذي لجأت اليه هذه الفتاة الخاطئة امام سؤال صعب: كيف يتصرف؟!

ومن دخول كلمة 'كيف' في الامور الصعبة: قصة القط والفئران:

* زعموا ان قطا متوحشا كان يهجم علي مكان الفئران، فيفترس منها ما يشاء فاجتمع الفئران في مؤتمر لبحث مشكلتهم والوصول الي حل لها. وهنا وقف فأر متحمس، وقال: افضل الحلول هو ان نعلق جرسا في رقبة القط. فاذا جاء الينا يرن الجرس الذي في رقبته، فنحترس منه ونهرب.. وصفق الفئران الصغار فرحين بذكاء زميلهم..

علي ان فأرا كبير السن مختبرا وقف وقال:

ما اذكي هذا الاقتراح المقدم لنا، ولكن كيف يمكننا ان نعلق الجرس في رقبة القط؟!

واحتار الجميع في كيف يمكن الجمع بين الذكاء النظري والاستحالة العملية؟!

وكثيرا ما تبرز كلمة 'كيف' في أمور اخري تبدو مضادة..!

كيف يمكن الجمع بين القوة والوداعة؟

وكيف الجمع بين الحزم والعطف هنا نذكر بيتين في مدح احد الحكماء:

يا قويا ليس في طبعه عنف         ووديعا ليس في ذاته ضعف

يا حكيما ادب الناس وفي         زجره حب وفي صوته عطف

 

وايضا يقف امامنا السؤال:

كيف الجمع بين البساطة والحكمة؟

لاشك ان الامر يبدو صعبا ويعاود الناس السؤال كيف الجمع بينهما اذن؟ ولعل هذا الجمع يكون ممكنا اذا كان معني البساطة هو عدم التعقيد، وليس معناها السذاجة. فيمكن الجمع بين الحكمة وعدم التعقيد

سؤال اخر هو كيف الجمع بين الصراحة والمجاملة؟

الامر يحتاج الي قوة في الشخصية، مع البراعة في الاسلوب ليكون مقبولا ويحكي في ذلك ان هارون الرشيد كان في ليلة من الترف، وحوله جماعة من الشعراء سألهم ان يصفوا جمال تلك الليلة، فتباروا في مدحها وكان بينهم ابو العتاهية وهو من الشعراء الزاهدين وقد جلس صامتا فسأله الرشيد رأيه فأجابه بصراحة شجاعة:

عش ما بدا لك هانئا        في ظل شاهقة القصور

فإذا النفوس تحشرجت        ما بين خافقة الصدور

فهناك تعلم موقفا        ما كنت إلا في غرور

وتقول القصة: فبكي الرشيد حتي ابتلت لحيته، واجاب 'صدقت يا ابا العتاهية'..

 

سؤال آخر حول كلمة 'كيف'، وهو: كيف سلك البعض في مجال المال والكرامة والسلطة؟

وتتعدد انواع الناس. فيقول ايليا ابو ماضي من جهة المال:

لما صديقي صار من اهل الغني        ايقنت اني قد فقدت صديقي

ويقول الاستاذ مكرم عبيد 'باشا' عن عكس ذلك:

'الرجل الحق هو الذي يتطور دون ان يتغير ويكبر دون ان يتكبر ويحتفظ بثباته في وثباته'.

ويقول القديس الانبا انطونيوس: قد يوجد انسان يمكنه ان يحتمل الاهانة ولا يقدر ان يتحمل الكرامة لان احتمال الكرامة اصعب من احتمال الاهانة

 

سؤال آخر من اسئلة كيف. وهو كيف يمكن الاجابة علي اسئلة حرجة؟

نقول بالذكاء والحكمة فيتكرر السؤال: وكيف؟ نضرب لذلك مثالين:

o قيل انه في احدي المرات، قام أمير البلاد بزيارة احد كبار موظفيه المقربين إليه وفيما هو في بيت هذا الموظف سأل ابنا ذكيا له ليختبر ذكاءه. فقال له: بيت ابيك اعظم ام بيت الامير؟!

 

وكانت الاجابة محيرة : كيف يجمع بين اكرامه لابيه وولائه للأمير!

ولكن هذا الطفل اجاب بذكاء وقال 'مادام الامير في بيتنا، يكون بيت ابي اعظم من بيت الامير' وهكذا فيما يمتدح عظمة بيت ابيه، ارجع سبب عظمته الي وجود الأمير فيه.

 

o وفي احدي المرات سألوا احد الوزراء وكان كبيرا في السن واشيب الشعر: هل انت اكبر ام السلطان ؟ فأجاب علي هذا السؤال المحرج في ذكاء وقال 'فخامة السلطان هو اكبر مني ولكنني ولدت قبلا منه'.

 

يسألون ايضا من جهة كلمة 'كيف': كيف يمكن التعامل مع المتصفين بالعناد ومع غير الطبيعيين في عقلياتهم وطباعهم واعصابهم؟

ونجيب بان الاشخاص العاديين قد يرون كيفية التعامل مع هؤلاء صعبة ولكنها بلا شك ليست صعبة مع الخبيرين بالنفوس والذين لهم طول البال والحكمة ويستطيعون ان يصلوا الي المفاتيح التي يفتحون بها عقول غير الطبيعيين وطباعهم... اما كيف يمكنهم معرفة تلك المفاتيح فهذا سؤال يحتاج الي اجابة طويلة، ليس الان مجالها ولكنها ممكنة ومغلفة بكلمة 'كيف'.

امامنا اسئلة اخري صعبة، نضع امامها كلمة 'كيف؟'

 

o كيف يواجه الناس الموت وبخاصة بعد بعض امراض عديمة الشفاء؟

لاشك ان الناس يختلفون في ملاقاة الموت: ما بين مؤمن عاش حياة صالحة وهو مستعد للموت، وله رجاء في الحياة الابدية السعيدة وهذا يختلف عن خاطيء يرتعب من الموت، وامامه كل خطاياه بدون ان يقدم عنها توبة وثالث يفاجأ بالموت وقد خدعوه بان شفاءه قريب وانه سوف لا يموت .. مع حالات اخري لا نعرف نفسياتها .. و مع نوع رابع يتشبث بالحياة وامامه آمال لم يحققها بعد .. وخامس يكون عمق تفكيره فيمن سيخلفهم بعد موته من ابنائه وباقي اسرته. وسادس للاسف يكون تفكيره قبل موته في امواله وممتلكاته التي سيتركها بعد ان تعب كثيرا في تكوينها وجمعها.

امور اخري صعبة تكتنفها كلمة 'كيف؟':

o كيف يمكن ان يعيش المشوه والمعوق ؟ بأية نفسية؟

o كيف يعيش اليائس الذي لا أمل أمامه. وكل بارقة أمل تعرض عليه يشعر باستحالتها عمليا وانها مجرد تشجيع وهمي!

o كيف يمكن تعزية قلب فقد اعز الناس اليه؟ وكل كلمات التعزية لن تعوضه عما فقده وقلبه يرفض العزاء!!

كيف يحيا من قال عنه سليمان الحكيم 'إن جريت مع المشاة فأتعبوك، فكيف تباري الخيل؟!

o اسئلة اخري كثيرة تبدأ بكلمة 'كيف؟' اري ان هذه الصفحة قد ضاقت عن استيعابها.

+++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++

 

 

24 – الحكمة

 

الفرق بين الحكمة والذكاء  والحكمة والدهاء، مصادر الحكمة  ومعطلات الحكمة

ما اروع الحكمة. انها من اعظم الفضائل. بل هي اهم مفتاح للفضائل كلها. يحتاج اليها البشر جميعا وبخاصة القادة وكل من هو منصب بل تحتاج اليها الدول ايضا. وهي الميزة التي يجب ان يتصف بها رجال السياسة، ومن يطلق عليه لقب دبلوماسي.

انها باب التوفيق والنجاح والتفوق. وما اجمل قول سليمان الحكيم: 'الحكيم عيناه في رأسه. اما الجاهل فيسلك في الظلام'. لذلك فهي نور داخلي ينير العقل والقلب كما انها نور خارجي ينير للآخرين طريقهم.

هنا ويقف امامنا سؤال: هل من فارق بين الحكمة والذكاء؟

الحكمة لها معني اوسع بكثير من الذكاء. وقد يكون الذكاء مجرد جزء منها. فكل انسان حكيم يكون ذكيا. ولكن ليس كل ذكي حكيما..!

فقد يتمتع انسان بذكاء خارق وعقل ممتاز ومع ذلك لا يكون حكيما في تصرفه فربما توجد عوائق تعطل عقله وذكاءه اثناء التصرف العملي!

فما الحكمة اذن؟ وفي اي شيء تتميز عن الذكاء؟

الذكاء مصدره العقل. وقد يكون مجرد نشاط فكري سليم اما الحكمة فهي لا تقتصر علي التفكير السليم بل تتبعه بالتصرف الحسن في السلوك العملي. وهي لا تعتمد علي العقل فقط، انما تستفيد ايضا من الخبرة والارشاد ومن معونة الله بالصلاة.

فالحكمة ليست هي مجرد المعرفة السليمة او الفكر الصائب انما هي تدخل في صميم الحياة العملية لتعبر عن وجودها بالسلوك الحسن.. فان كان العقل يميزه الفهم والتفكير فان الحكمة يميزها حسن التصرف والتدبير.. حقا ان الذكاء او التفكير السليم يجوز اختبارا دقيقا عند التطبيق العملي فان نجح فيه يتحول الي حكمة.

وهكذا تشمل الحكمة جودة التفكير ودقة التعبير وسلامة التدبير.

معطلات الحكمة:

قد يكون الانسان ذكيا يفكر افكارا سليمة ولكن تنقصه الدقة في التعبير لنقص معلوماته عن المدلول الدقيق لكل لفظة. فيخطيء حينما يعبر عن قصده. اما الانسان الحكيم، فانه يقول بدقة ما يقصده. وايضا يقصد كل ما يقوله.

من معطلات الحكمة ايضا السرعة في التصرف، ولذلك يتصف الحكماء بالتروي.. فالحكيم لا يندفع في تصرفاته. وانما يهدٌيء اقتناعه الخاص حتي يتبصر باسلوب اعمق واوسع.  ان السرعة لا تعطي مجالا واسعا للتفكير والبحث والدراسة ومعرفة الرأي الاخر. كما انها لا تفسح مجالا للمشورة ولعرض الامر علي الله في الصلاة.. وربما تحوي السرعة في طياتها لونا من السطحية.. ولذلك كثيرا ما تكون التصرفات السريعة هوجاء طائشة!

والانسان الذي يتصرف بتسرع قد يرسل الله له من ينصحه قائلا: 'خلي بالك من نفسك'. اعط نفسك فرصة اوسع للتفكير. راجع نفسك في هذا الموضوع.

أذكر في هذا المجال بعض ابنائنا من المهجر، الذين يحضرون الي مصر ويريد الواحد منهم ان يتزوج في بحر اسبوع او اسبوعين!

ان الحكماء تصرفاتهم متزنة رزينة قد نالت حظها من التفكير والدراسة والعمق والفحص مهما اتهموهم بالبطء.

ولا ننكر ان بعض الامور تحتاج الي سرعة في البت.

ولكن هناك فرقا بين السرعة والتسرع!!

والتسرع هو السرعة الخالية من الدراسة والفحص ويأخذ التسرع صفة الخطورة اذا كان في امور مصيرية او رئيسية. كما يكون بلا عذر اذا كانت هناك فرصة للتفكير ولم يكن الوقت ضاغطا لذلك فانني اقول باستمرار:

 

ان الحل السليم ليس هو الحل السريع بل الحل المتقن.

وقد تكون السرعة من صفات الشباب اذ يتصفون بحرارة تريد ان تتم الامور بسرعة ولكنهم حينما يختبرون الامر مع من هو اكبر منهم يمكن ان يقتنعوا بان السرعة لها مخاطرها! وقد تكون السرعة طبيعية في بعض الناس وهؤلاء يحتاجون الي التدريب علي التروي والتفكير وكثيرا ما يندم الانسان علي تصرف سريع قد صدر منه فاخطأ فيه او ظلم فيه غيره.

 

من معطلات الحكمة ايضا: قلة المعرفة!

ومن امثلة ذلك: ربما يكون رجل ذكيا جدا ومع ذلك هو فاشل في حياته الزوجية اذ لم يكن حكيما في تعامله مع زوجته! وسبب ذلك هو جهله بنفسية المرأة والمفروض في الزوج الحكيم انه يدرس عقلية المرأة ونفسيتها وظروفها. ولا يتعامل معها كأنها بنفسية رجل! وبالمثل علي المرأة ان تدرس نفسية الرجل وعقليته، لكي تعرف كيف تتعامل معه بما يناسبه.

 

ونفس الكلام نقوله في معاملة الاطفال اذ ينبغي ان ندرس نفسية الطفل وعقليته في كل مرحلة حتي نعرف الطريقة الحكيمة للتعامل معه.

وهكذا في التعامل عموما ينبغي للانسان الحكيم ان يدرس نفسية وعقلية وظروف كل من يتعامل معه.. سواء كان زميلا في العمل او رئيسا او مرؤوسا، او صديقا او جارا. ويعامله بما يناسبه.

فان درست نفسية وعقلية من تتعامل معه تعرف حينئذ المفاتيح التي تدخل بها الي قلبه. وتنجح في تصرفك معه.

وحتي لو تعطل المفتاح حينا تعرف كيف تزيته وتشحمه.. ثم تعيد بعد ذلك فتح الباب فينفتح.

حقا انه في بعض الاحيان يكون فشلنا في التعامل مع اشخاص معينين ليس راجعا الي عيب فيهم، بقدر ما هو راجع الي عدم معرفتنا بطريقة التعامل معهم.

مصادر الحكمة:

اول مصدر هو الله  تبارك اسمه  الذي يهب الحكمة لمن يشاء وهكذا قد يولد الانسان حكيما كموهبة له من الله. وتظهر حكمته في مراحل سنه المختلفة.. انها الحكمة النازلة من فوق.

وايضا نحن في مواقف عديدة نطلب من الله ان يهبنا حكمة لكي نستطيع ان نتصرف حسنا، بمعونته.

المصدر الثاني هو المشورة نأخذها من ذوي الحكمة. كما قال الشاعر:

فخذوا العلم علي اربابه        واطلبوا الحكمة عند الحكماء

وفي ذلك يضيف الانسان معرفة الي معرفته وعقلا الي عقله.. ويصير حكيما بشرط ان ينفذ المشورة التي اخذها من حكمة غيره. وما اجمل قول الشاعر في ذلك:

اذا كنت في حاجة مرسلا        فأرسل لبيبا ولا توصه

وان باب امر عليك التوي        فشاور حكيما ولا تعصه

وعكس ذلك يقول الاباء الروحيون: ان الذين بلا مرشد يسقطون مثل اوراق الشجر، وبخاصة المبتدئون منهم.

المصدر الثالث هو قراءة سير الحكماء والناجحين في حياتهم لكي يتأثر القاريء بسيرة هؤلاء وسلوكهم وكيف كانت تصرفاتهم في شتي الظروف والملابسات وكيف كانوا يجيبون علي الاسئلة المعقدة وكيف كانوا يحلون المشاكل العويصة.

وكل ذلك يقدم للقاريء امثولة طيبة في فهم الحياة وفي حسن التصرف فيعمل علي محاكاتها والسير علي نفس النهج من الحكمة.

كذلك يدرس كيف يحترس من الاخطاء التي وقع فيها الغير. ومعرفة اسباب ذلك السقوط، وكيفية النجاة منه. وهكذا كما قال احد الحكماء 'تعلمت الصمت من الببغاء..'!

المصدر الرابع، هو الخبرة

فالانسان المختبر يكون اكثر حكمة. وكلما زادت خبرته تتعمق علي هذا القدر حكمته، لهذا يتحدث الكثيرون عن 'حكمة الشيوخ' من واقع ما مر عليهم من خبرات في الحياة.

وبعد، ايها القاريء العزيز ألا تري ان موضوع الحكمة يحتاج الي مزيد من التفصيل؟ يخيل الي هذا.

++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++++