 |
الحق
والحياة العدد 42 يناير فبراير 2006
لاهوت النور
 |
 |
قرائي الأحباء ..
هل يمكنكم إثبات ألوهية السيد المسيح من خلال هذه النبوة :
( الشعب السالك في الظلمة أبصر نوراً عظيماً . والجالسون في أرض ظلال الموت
أشرق عليهم نور) [ اش 9 : 2 ] ؟
إن حاولتم ولم تتمكنوا ، فدعونا نحاول سوياً مرة ثانية:
لعل ( ظلمة الموت) هو أدق وصف يمكن أن نطلقه على حالة البشر قبل ميلاد
السيد المسيح له المجد ، إذ أشرق عليهم بنوره الباهر العجيب فأنار عليهم
الطريق، وجلى ظلمة دهرهم. ونظرة عابرة لحالتهم ، كما لخصها القديس بولس
الرسول في الاصحاح الأول من رسالته إلى أهل رومية ، لكفيلة بأن توضح لنا
مقدار هوانهم ومدى انحطاطهم ، وسواد بحور ظلماتهم.. لذلك فلقد قيل عن
ميلاد السيد المسيح أنه :
( نور اعلان للامم
ومجدا لشعبك اسرائيل)
لو 2 : 23 .
لكن أي نور هذا الذي يمكنه اختراق استار الظلام داخل بطون الكهوف والمغائر؟
وأي نور هذا الذي له خاصية الدوامية المتواصلة غير المنقطعة ؟ فكل مصباح
مهما امتلأ بالزيت فلابد أن يأتي عليه وقت ويفرغ. وكل فتيل مهما طال ، لابد
أن يستهلك وينتهي. إذن فلابد أن يكون هذا النور مختلفاً عن بقية وسائل
الإنارة التقليدية المحدودة البقاء .. نوراً أزلياً لا ينطفىء ، نوراً يظل
( منيراً ) دوماً وأبداً .
إذن فهم يحتاجون إلى نور الله نفسه. لأن الله هو الوحيد الذي له الدوام
الأزلي :
(
المبارك العزيز الوحيد ملك الملوك ورب
الارباب.
الذي
وحده له عدم الموت ساكنا في نور لا يدنى منه الذي لم يره
احد من الناس ولا يقدر
ان يراه الذي له الكرامة والقدرة الابدية.آمين.)
[ 2 تيمو 6 : 16]. ولكن كيف يمكنهم رؤية نور الله وطبيعتهم البشرية
لا تحتمل ذلك ؟ إذن فليس من حل آخر سوى أن يشرق الله بنوره عليهم متجسداً
في صورة إنساناً مثلهم ليتمكنوا من رؤية نوره العجيب ، نور
"
يسوع أصل وذرية داود - كوكب الصبح المنير-
" ( رؤ 22 : 16) القائل : (
انا هو نور العالم)
[ يو 8 : 12 ].
والنور هنا هو البر . لأن الظلمة هي الخطية . فكان لابد لله أن يشرق بنوره
علينا ليجلي عنا ظلمة خطايانا . وهكذا نستطيع أن نفهم من نبوة ( اش 9
: 2 ) كونها تشير إلى ألوهية المسيح من منطلق قداسته المطلقة ، وكماله
الأدبي اللا متناهي ، لأن صفة النور متلازمة مع صفة الألوهية ، ومرتبطة بها
برباطاً أزلياً ، بدليل ما أورده الوحي الإلهي في افتتاحية الإنجيل ( يو 1
: 1 – 9 ):
[في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان
الكلمة الله...
فيه
كانت الحياة والحياة كانت نور الناس.والنور
يضيء في
الظلمة والظلمة لم تدركه.
كان
انسان مرسل من الله اسمه يوحنا.
هذا
جاء للشهادة ليشهد للنور لكي يؤمن الكل بواسطته.
لم
يكن هو النور بل ليشهد للنور.
كان
النور الحقيقي الذي ينير
كل انسان آتيا الى العالم)
ونلاحظ هنا عبارة ( النور الحقيقي ) أي نورالله البار القدوس "الدائم إلى
الأبد".
لأن هناك أنوار أخرى تنير كأنوار الرسل والقديسين، كما قال السيد المسيح عن
يوحنا المعمدان:
(كان
هو السراج الموقد
المنير وانتم اردتم
ان تبتهجوا بنوره ساعة
واما انا فلي شهادة اعظم من يوحنا..)[
يو 5 : 35 ]
لماذا أيها الأعظم !؟
لأنني وحدي " شمس البر" الذي ينير كل إنسان ويقدم له الشفاء من كل علله (
مل 4 : 2 ) :
(
لكم ايها المتّقون اسمي تشرق شمس البرّ والشفاء في
اجنحتها).
فالنور هو البر ، والمسيح هو شمس البر .
والنور هو القداسة ، والمسيح هو القدوس .
علماً بأن " القدوس " غير " القديس "، لأن الأول يعني ( مطلق القداسة)،
بينما الثاني يعني ( محدود القداسة ) .
فالقدوس هو النبع الذي يرتوي منه القديس. والقديس مهما بلغت درجة قداسته ،
إلا أنه يبقى مجرد إنسان تحت الضعف ، أي يكون عرضة للخطأ والسقوط والفساد .
لهذا لم يعرف الله نفسه ب ( القديس ) ، بل ب ( القدوس ).
أي المنزه عن الخطأ والخطيئة.
ومن هنا نستطيع أن نفهم قول السيد المسيح لليهود ( يو 8 : 46) :
[ من منكم يبكتني على خطية ]؟ وهو قول لا يجرؤ أي قديس على التفوه به.
لذلك فقداسة المسيح المطلقة هي من أبرز دلائل ألوهيته له المجد ، لأن لا
يوجد أحد معصوماً من الخطأ سوى الله وحده، وكل من يتجرأ وينسب العصمة لنفسه
إنما يحكم عليها بالكذب:
+ (
ان
قلنا انه ليس لنا خطية نضل انفسنا وليس الحق فينا.
ان
اعترفنا بخطايانا فهو امين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا
من كل اثم
.ان
قلنا اننا لم نخطئ نجعله كاذبا وكلمته ليست فينا
(1 يو 1 : 8 – 10 ). لماذا ؟
لأن الكتاب يصرح بفساد البشر :
+ (
الكل
قد زاغوا معا فسدوا.
ليس من يعمل صلاحا ليس ولا واحد)
( مز 3 : 14 )
+ (
فسدوا
ورجسوا رجاسة . ليس من يعمل صلاحا)
( مز 53 : 1 )
+ (
كلهم قد ارتدوا معا فسدوا . ليس من يعمل صلاحا ليس
ولا واحد)
( مز 53 : 3 ).
+
(
الجميع زاغوا وفسدوا معا . ليس من يعمل صلاحا ليس
ولا واحد
)
.
( رو 3 : 12 ) .
+ (
الجميع اخطأوا واعوزهم مجد الله)
( رو 3 : 23 ) .
وهي الحقيقة التي ادركها القديسين ( الذين هم بالحقيقة قديسين ) فكاونوا
أول من اعترفوا بضعفهم ، وأول من جاهدوا في سبيل الفوز بالحياة الأبدية ،
ولنأخذ من القديس بولس الرسول مثالاً : فبالرغم من أتعاب هذا القديس العظيم
والتي تؤهله ليكون أعظم التلاميذ والرسل ، باعتباره قد تعب أكثر من جميعهم
(1 كو 15 : 10 ) . فضلاً على أنه قد اتى الى مناظر الرب واعلاناته إذ
اختطف إلى الفردوس (السماء الثالثة) ليسمع كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ
لإنسان أن يتكلم بها ( 2 كو 12 : 1 – 5 ) لدرجة جعلت الرب يسمح بوجود شوكة
المرض في جسده حتى لا يرتفع : (
ولئلا
ارتفع بفرط الاعلانات اعطيت شوكة في الجسد ملاك الشيطان
ليلطمني لئلا ارتفع.من
جهة هذا تضرعت الى الرب ثلاث مرات ان يفارقني.
فقال
لي تكفيك نعمتي لان قوتي في الضعف تكمل)[
2 كو 12 : 7 – 9 ]. ولو تمت مقارنته ببقية الرسل ، سنجده الأفضل بحكم جهاده
:(
فانا افضل؟
في الاتعاب
اكثر.
في الضربات اوفر.
في السجون اكثر.في
الميتات
مرارا كثيرة.
من اليهود خمس مرات قبلت اربعين
جلدة الا واحدة.
ثلاث مرات ضربت بالعصي.مرة رجمت.ثلاث
مرات
انكسرت بي
السفينة.ليلا
ونهارا قضيت في العمق.باسفار مرارا
كثيرة.
باخطار سيول.
باخطار
لصوص.
.باخطار
من
جنسي.
باخطار من الامم.
باخطار
في المدينة.
باخطار في البرية
باخطار في البحر.
باخطار من اخوة كذبة.
في تعب وكد.
في اسهار مرارا كثيرة.
في جوع وعطش.
في
اصوام
مرارا كثيرة.
في برد وعري.عدا ما هو دون ذلك.التراكم
علي كل يوم.الاهتمام بجميع
الكنائس.من يضعف وانا
لا اضعف.
من يعثر وانا لا التهب..)
2 كو11 : 22 – 29
وإذا كان البعض يعتقد إن القديس العظيم مار بطرس الرسول هو أعظم الرسل
وقائدهم ، فهوذا القديس مار بولس الرسول يوبخه لتردده في قبول الأمم خوفاً
من اليهود المتنصرين : (
لما رأيت انهم لا يسلكون باستقامة حسب حق الانجيل قلت
لبطرس
قدام الجميع ان كنت وانت يهودي تعيش امميا لا يهوديا فلماذا تلزم
الامم
ان يتهوّدوا)
غلاطية 2 : 11 – 14 ؟
هذا القديس المقدام الجسور الذي وقف أمام الولاة والملوك شاهداً وكارزاً
باسم المسيح ، وكتب ثلثي العهد الجديد ، قال عن نفسه بعد كل هذا المجد الذي
بلغه : (
فاني اعلم انه ليس ساكن فيّ اي في جسدي شيء صالح
لان
الارادة
حاضرة عندي واما ان افعل الحسنى فلست اجد.لاني
لست
افعل الصالح الذي اريده بل الشر الذي لست اريده فاياه
افعل
فان كنت ما لست اريده اياه افعل فلست بعد افعله انا بل
الخطية
الساكنة فيّ.
اذا اجد الناموس لي حينما اريد ان افعل
الحسنى ان الشر حاضرعندي
فاني اسرّ بناموس الله بحسب
الانسان الباطن.
ولكني ارى ناموسا آخر في اعضائي يحارب ناموس
ذهني ويسبيني الى
ناموس الخطية الكائن في اعضائي.
ويحي انا الانسان الشقي.
من ينقذني من جسد
هذا الموت؟
اشكر الله بيسوع المسيح ربنا.
اذا
انا نفسي بذهني اخدم ناموس
الله ولكن بالجسد ناموس الخطية)
[ رومية 7 ]
لذلك رأيناه يجري لاهثاً في ميدان الجهاد الروحي : (
الستم تعلمون ان الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون ولكن
واحدا يأخذ الجعالة
هكذا اركضوا لكي تنالوا.
وكل من يجاهد يضبط نفسه في كل شيء.
اما اولئك فلكي يأخذوا
اكليلا يفنى واما نحن فاكليلا لا يفنى.
اذا انا اركض هكذا كانه ليس عن غير يقين.
هكذا اضارب كاني لا
اضرب
الهواء.
بل
اقمع جسدي
واستعبده حتى بعد ما كرزت للآخرين لا اصير انا نفسي
مرفوضا)؟؟؟؟؟؟؟؟؟
فانظروا يا مسيحيين يا شرقيين ، يا أبناء الشهداء والقديسين .. انظروا يا
من تركتم الحق وأتبعتم أضاليل المضللين ..انظروا القديس بولس الرسول -
بجلاله قدره – وهو يجاهد جهاد مرير حتى أنه يقمع جسده ( بالأصوام
الانقطاعية الشاقة) ويستعبده
(
بالعبادات الشديدة ) وكل هذا لماذا ؟ لأنه يخشى لئلا بعدما كرز للاخرين
يصير هو نفسه مرفوضاً !
لم يقل أنا اتجددت.. لم يقل أنا ولدت من جديد .. لم يقل أنا أشفي الناس..
كما يدعي النصابون والمحتالون ممن يطلون علينا من على شاشات التلفزة
الفضائية وهم يخاطبون الجهلاء والسذج ويطلبون منهم وضع أياديهم على شاشة
التليفزيون وهم يبرئون من جميع أسقامهم !!
فهل تعرفون لماذا لم يقل القديس مار بولس الرسول مثل هذه الترهات ؟
لأنه عرف إن المسيح هو وحده البار القدوس الذي بلا خطية، لأنه هو الله
القادر على كل شيء .
هو الله الكلمة الظاهر في الجسد .
أنت وحدك القدوس يا ربي يسوع المسيح
وعلى كل حال ، فالمسألة ليست
مجرد أقوال ، بل أعمال:
+(
ولكن ان كنت اعمل فان لم تؤمنوا بي فآمنوا بالاعمال لكي تعرفوا
وتؤمنوا ان
الآب فيّ وانا فيه)
يو 10 : 38
+ (صدقوني
اني في الآب والآب فيّ . وإلا فصدقوني لسبب الاعمال
نفسها)
يو 14 : 11 .
فأعمال المسيح كلية الصلاح هي التي تشهد لألوهيته .
بعكس أعمالنا نحن العبيد البطالون :(متى فعلتم كل ما أمرتم به فقولوا اننا عبيد
بطالون.
لاننا
انما عملنا ما كان يجب علينا)
" لو 13 : 19 ". لذلك أتعجب كثيراً من أولئك الناس الذين يريدون اختلاس بر
المسيح وينسبوه لأنفسهم ، فآلهوا ذواتهم ، من خلال شهادتهم لأنفسهم بأنهم
قديسون ، صالحون ، متجددون ..ومسكين بولس الرسول لأنه يعتبر نفسه لا شيء
ويجاهد جهاد مرير لئلا يصير مرفوضاً ، بينما المسارح الاستعراضية ممتلئة
بهؤلاء الممثلون المهرجون الذين يدعون القداسة بينما هم في الحقيقة مجرد
هراطقة منشقون .فليت الذين انخدعوا بهم وساروا وراؤهم أن يكفوا عن كفرهم
وارتدادهم ويرجعون إلى الحق ، متذكرون قول القديس يوحنا الرسول :(
ان
قلنا انه ليس لنا خطية نضل انفسنا وليس الحق فينا..ان
قلنا اننا لم نخطئ نجعله كاذبا وكلمته ليست فينا).
فهؤلاء الذين يدعون أمامكم بأنهم صالحون ما هم في الحقيقة إلا كذبة
ومحتالون ، لأن" ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله " ( مت 19 : 17 ) &( مر
10 : 18 ) & ( لو 18 : 19 ) لذلك آمن المسيحيين بقول السيد المسيح له المجد
بأن الله وحده هو الصالح ، وحده هو القدوس، وما أعمق قول الكتاب (
من يقدر ان يقف امام الرب الاله القدوس
)؟وتعالوا يا كل قديسين الدنيا ، وحاولوا أن تقفوا أمام قداسة المسيح صفوف
صفوف ، وربوات ربوات ، بطول اليابسة وعرضها ، والبحار والمحيطات والكواكب
والمجرات ، لترون قداستكم تتلاشى أمام الإله القدوس ، الذي وحده بلا خطيئة
، الذي تحدى كل البشر قائلاً لهم من منكم يبكتني على خطية ؟؟
حقاً وصدقاً يارب ، فأنت وحدك القدوس ، وحدك القادر على أن تشرق بنورك
علينا نحن السالكين في الظلمة والجالسون في أرض ظلال الموت . وطوبى لمن
يستضىء بنورك ، والويل – كل الويل – لمن رفض نورك لتعلقه بظلمة خطاياه :(
وهذه هي الدينونة ان النور قد جاء الى العالم واحب الناس الظلمة
اكثر من
النور لان اعمالهم كانت شريرة. لان كل من يعمل السيّآت يبغض النور ولا يأتي
الى النور لئلا توبخ
اعماله.
واما من يفعل الحق فيقبل الى النور لكي تظهر اعماله انها بالله
معمولة)[
يو 3 : 19 – 21 ].
أهلنا لنؤمن بنورك لنكون أبناء النور (
ما دام لكم النور آمنوا بالنور لتصيروا ابناء النور)
يو 12 : 36 أيها الإله القدوس ساعدنا لكى نسير بقداسة "
نظير القدوس الذي دعاكم كونوا انتم ايضا قديسين في كل سيرة"
ايها القدوس ثبت إيماننا واحمنا من الهراطقة :
(واما
انتم فلكم مسحة من القدوس وتعلمون كل شيء
.).
مع
تحياتي ومحبتي .
صموئيل
بولس عبد المسيح
|