كان ميتاً فعاش

 ( ج 2 )

 

مقدمة :

ما أن صدر الجزء الأول حتى نفذ فور صدوره مباشرة ، فاضطررت إلى عمل طبعة ثانية ، وثالثة ، ورابعة ، وخامسة  وجميعهم نفذوا فور صدورهم أيضاً ! كما خصصنا كذلك كميات للتوزيع المجاني على أشقاؤنا المسيحيين الشرقيين من نزلاء الكمبات والسجون في هولندا وأوروبا .

ونأمل أن نتمكن من تدبير نفقات هذه الطبعة ، ويكون هناك عائد يتم توجيه إلى دعم مجلة ( الحق والحياة)  ولتغطية الأعداد المجانية  من هذا الكتاب التي ننوي تخصيصها لأشقائنا المقيمون في الكمبات والسجون .

تناول الجزء الأول ظهور السيد المسيح لحقارتي ودعوته لي من داخل الكعبة لتبعيته والإيمان به   كإله ورب ومخلص ، وقيادته لي إلى كنيسته الأمينة وتعامله معي بكل رفق بالرغم من شروري وخطاياي المميتة ، الأمر الذي جعل الكثيرين من القراء يبكون فرحاً وهم يرون بأنفسهم محبة الرب للخطاة وعطفه الكبير عليهم .بكوا أيضاً وهم يرون نفس بشرية معذبة وجريحة تئن وتتألم وتشتاق للاهتداء إلى الحق ، فلما هداها الله إلى ذاك الحق ،  ثبتت فيه ، وتشبثت به بأيديها وأسنانها  وكأن لسان حالها يقول :  نصيبي هو الرب  هكذا قالت نفسي .ولقد أنعم على الرب يسوع المسيح بهذه الهداية من خلال ظهوره  العجائبي في سماء الكعبة ،ودعوته الكريمة لحقارتي لأكون من أتباعه .فلبيت الدعوة ، والتصقت به على الفور ، ولم أسمح لأي قوة أخرى بفصلي عن محبته . وكان أروع اكتشافات العمر التي أعلنها لي السيد المسيح أنه هو

( الإله الحي )  وليس مجرد النبي عيسى ابن مريم - كما يعتقد بذلك المسلمون - كما أكد لي أنه هو وحده : ( الطريق والحق والحياة ) وأن أي طريق آخر سواه ، إنما هو طريق الموت والهلاك. وكانت هذه باختصار شديد هي دعوة الله لي وأنا شيخ مسلم يؤدي مناسك العمرة  في الكعبة يوم 1 – 1 – 1987 م

فالله قد دعاني ، وأنا لبيت الدعوة ، ولم أقاوم ولم أعاند ، بل آمنت به في بساطة قلب ، وأتبعته بدون أدنى تردد ، لأني أدركت أنه ( الحق الوحيد ) في عالم كاذب .

 والله الذي سبق ودعاني للحق والنور والهداية والخلاص . هو نفسه الذي يدعو جميع الناس ، لأنه ( يريد من جميع الناس أن يخلصون ولمعرفة الحق يقبلون ) . لكنه بالرغم من ذلك لا يرغم أحد منهم على قبول هذه الدعوة ، بل يترك للإنسان الحرية المطلقة في القبول أو الرفض . ومن هنا كانت مسئولية الإنسان في تحديد مصير أبديته بمحض إرادته : فأما أن يخضع لمشيئة الله ، فينجو . و أما أن يتمرد على مشيئة الله ، فيهلك . والله دوماً مشيئته صالحة ، وهي لخير الإنسان متى عمل الإنسان بها . وطوبى لذاك الإنسان الذي يوجه مشيئته لتسير وفق مشيئة الله ولا تتعارض معه . ومن وهنا يأتي دور الإنسان في خلاص نفسه بمدى استجابته لقبول خلاص المسيح المقدم له . فالسيد المسيح لا يقتحم أبواب حياتنا ليدخلها عنوة ، بل يقول : ( ها نذا  واقف على الباب وأقرع إن سمع أحد صوتي وفتح الباب أدخل إليه ..) [ رؤ 3 : 20  ]

وظهور السيد المسيح لحقارتي في الكعبة كان بمثابة نداء لي وطرقاً على باب حياتي ،  فلما سمعت صوته قمت من فوري لأفتح له باب حياتي ،  فدخل السيد  إلى قلبي وحياتي ، وأعانني ، وقواني على السير ورائه رغم كل التحديات الرهيبة التي واجهتني - ولا تزال -  تواجهني حتى اليوم .

أقول هذا رداً على هؤلاء الأخوة الذين يقولون لي : نحن خطاة لأن المسيح لم يظهر لنا ولم يدعونا كما ظهر لك ودعاك !! وهؤلاء ينسون أنه كان في إمكاني تجاهل مثل هذه الدعوة وعدم تلبيتها ، أو كان ممكن تلبيتها في  وقتها ، ولكن بعدها أعود فأنقضها بسبب التحديات التي لاقيتها ، لكني لم أفعل ذلك . بل تصرفت كرجل مسيحي يحترم نفسه ، ولا يعاند الحق . رجل مريض ويريد أن يبرأ من مرضه المزمن . ثم أن تبعية السيد المسيح ليست نزهة ، بل هي رحلة محفوفة بالمخاطر ، ومحبة المسيح في قلوبنا ليست مجرد كلام ، بل واقع تبرهن عليه الأفعال من تضحيات وكفاح ومثابرة وجهاد ، ورجولة في الإيمان ، رجولة ناضجة وراسخة فلا تزعزعها شدة الرياح ، ولا تؤثر فيها عنف الأعاصير . لأنه ما أكثر الذين آمنوا بالمسيح وساروا ورائه لفترة من الزمن ، ثم سرعان ما رجعوا للوراء وارتدوا عنه من أول تجربة اضطهاد واجهتهم !! عن أمثال هؤلاء قال المسيح : ( وهؤلاء ليس لهم أصل فيؤمنون إلى حين وفي وقت التجربة يرتدون ) [ لو 8 : 13 ]. ولماذا ارتد هؤلاء ؟ لأن محبتهم للسيد لم تكن راسخةً في قلوبهم !! ومشاعرهم له لم تكن  ثابتة في أنفسهم ! لذلك لم يثبتوا أمام التجارب والضيقات . أما المسيحي الحقيقي ( الناضج إيمانياً وروحياً ) فهو راسخ في محبته للمسيح كالفولاذ ، ثابتاً فيه حتى الموت   كما أنه جاداً جداً في تبعيته ، حتى لو أتبعه إلى الجلجثة . لذلك فسوف ترون في هذا الجزء كم تألمت ، وكم واجهت من صعوبات في سبيل إيماني بالمسيح وتبعيتي له   وكم تعرضت للغدر والخيانة والخسة من كثيرين ، حتى من بعض المسيحيين أنفسهم !!  لكني رغم ذلك تصرفت كرجل مسيحي وبذلت كل جهدي للثبات في المسيح متحملاً كل العار والهوان والإذلال من أجل شدة تمسكي باسمه الكريم ، وكنت أقضي أيامي وليالي باكياً بدموع حارقة ، الأمر الذي جعل الرب ينظر إلى دموعي وصبري وجهادي في احتمال الألم ، فتحنن ورفع نفسي من الحضيض ، وعوضني عن كل تعب تعبته من أجل أسمه مائة ضعف .  نعم يا أخوة فالله لا يساعد الكسالى ! ،  بل يساعد فقط هؤلاء الذين يعملون معه ، أو على الأقل الذين يحاولون أن يعملون معه . فنراه يساعدهم ويشجعهم ويقويهم ويُسر بهم ، كما نراه لا يضيع تعب عملهم من أجل أسمه - مهما كان هذا التعب بسيطاً في نظر البعض  وهنا أتذكر قول الكتاب : ( الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج ) . وقد زرعت تبعيتي للرب بدموع سخينة ، فجعلني الرب أحصدها بفرح وابتهاج .  فالرب فرح قلبي وسر روحي يوم رفع أسمي بين الناس ومحا عاري ورد اعتباري بينهم ، وسمح بأن ينتشلني من الحضيض إلى كرامة التكريس لخدمة أسمه الكريم المبارك .

أنها دعوة للعمل مع الرب لبرهنة محبته في قلوبنا ،  إذ لا يكفي أن نقول عن أنفسنا أننا نحب الرب ، ثم نقبع في مكاننا ساكنين بلا حركة ، بل يلزمنا أن نقدم برهاناً عملياً  ليؤكد هذا الحب بشكل محسوس وملموس . علينا أن نضحي بكل ما نملك في سبيل محبتنا للمسيح ، وعلينا أن نحمل صليبه بكل قوة  وإصرار ، وعلينا أن نكون رجال معه فلا نتعرج بين الفرقتين بسبب الخوف من الموت أو من فقدان المصالح ، بل يكون نصيبنا هو الرب وحده ، وعلينا أن نجتهد لنعرف ، وننمو في المعرفة .

فعمل ( النعمة الإلهية ) كان بظهور السيد المسيح لحقارتي في الكعبة .

وأما عمل ( الجهاد الروحي ) ، فكان بقبولي الخلاص بدم المسيح والإيمان به وبذل كل الجهد لأكون أداة طيعة للكرازة لاسمه وسط الآخرين ، وإعلان التحدي بتبعيتي له وللبشارة لأسمه وسط عالم مقاوم متغلباً على طبيعتي ومميتاً الخوف من قلبي ، فسار الموت يعمل في ليل نهار دون أن أتراجع أو أتزعزع عنه سنتيم واحد . وفي هذا الجزء سوف ترون العملين يسيران معاً في خط متوازي : النعمة & الجهاد .

أرجو من السيد الرب يسوع المسيح أن يستخدم هذا العمل المتواضع لمجد أسمه القدوس ، ليعرف الجميع أن الله أمين وعادل وأنه لا ينسى تعب المحبة ، وعلى قدر ما نتعب من أجل أسمه ، على قدر ما نأخذ من مجد مائة ضعف ، فمن أجل المسيح صرت بواب في العمارات وخدام في البيوت ، وصرت صبي صيدلية ، وصرت طريداً ومشرداً بلا بيت وبدون دخل أتعيش منه .  فماذا كان موقف الرب ؟

كان موقفه هو الآتي : كما تعبت من أجلي يا صموئيل ، فسوف أعوضك مائة ضعف ، وسوف أقيمك من التراب وأرفعك من المز بله وأجلسك مع رؤساء الشعب  . وسوف أجعلك محبوباً من الكنيسة ومن الشعب ، وسأجعلك أخاً لكثيرين ، وسأستر عليك بستر رحمتي فلا أسمح لأحد يرى ضعفك ، ولن أسمح لأعدائك بأن يقوون عليك ، بل سأجعلك  تفتش عن مقاوميك فلا تجدهم . سوف أوفر لك كل ما تحتاجه ، سأعتني بك كما يعتني الأب بولده . سوف أظل ممسكاً بيدك ، مظللاً عليك بحمايتي ، لذلك فمهما قام ضدك الناس إلا أنهم لن يقدرون عليك وشعرة واحدة من رأسك لن تسقط ، والخوف لن يعرف طريقه إليك . سأفتح ذهنك لتدرك الحق وتوصله للناس وتدافع عنه دفاع الأبطال . سوف أجعل الناس تتعجب عندما تراك تفسر كلمتي بالحق والاستقامة ، ويقولون من أين له بكل هذه المعرفة وهو الوافد الغريب ؟ سأجعل رجال كنيستي يشيدون بك ويشهدون لإيمانك . وكما كنت أمين في القليل سوف أقيمك على الكثير .

وهذا هو عمق اختباري الحقيقي مع المسيح ، أنه لم يكتفي بقبولي فقط ، بل وسُر أن يستخدمني لمجد أسمه ، فسمح بتكريسي للكرازة  والخدمة ، ثم عمل بي عجائبه مُظهراً قوته من خلال  ضعفي وقلة حيلتي .

مع تحياتي ومحبتي

 أخوكم في الإيمان ، خادم الرب المكرس

 صموئيل بولس عبد المسيح

 

ذكريات سريعة قبل مغادرتي الدير

  

 

  

الرب ينبئ أمي بأنني سأكون مبشراً لأسمه وسوف أعاني الكثير من أجل ذلك !!!

 

حكاية ( القلم و القربانه )!!!

 قبل مغادرتي للدير تذكرت الرؤيا التي أراها السيد المسيح لوالدتي ( رحمها الله) وتفسير الآباء الرهبان لها :

فلقد حدث أن جاءت أمي لزيارتي في الدير في شهر يوليو1987 ( وفي اليوم الذي يوافق عيد ميلادي السابع والعشرون ) شاء الرب أن ينبئ أمي بهذا الأمر العظيم ، فحدث أثناء جلوسها في استراحة السيدات ، أن فوجئت بنفسها وهي تتغيب عن الوعي للحظات خاطفة ، ثم رأت شخص يتقدم منها وهو يمسك في يده  ( قلم وقربانه ) ويقول لها : قومي يا ست وخذي ( القلم  والقربانه ) دول  وأعطيهم لأبنك صموئيل !!!!

 وعندما أفاقت أمي ، ولم تجد الرجل الذي كان يتحدث معها ، تعجبت جداً من هذه الرؤيا وأسرعت بقصها على أحد الآباء الرهبان المباركون وكان أسمه أبونا شار وبيم ، فقال لها : أفرحي يا أمي ! ، فهذه رؤيا عظيمة جداً شاء الرب أن يعلنها لك !!

وهي تتعلق بمصير أبنك صموئيل ، ف " القلم : يرمز إلى ( البشارة ) وأما " القربانه " فهي ترمز إلى ( الألم ) المصاحب لهذه البشارة . وتفسير هذه الرؤيا هو الآتي  :

الله  يعلن لك بأن أبنك صموئيل هذا سوف يأتي عليه يوماً يصبح فيه مبشراً باسم المسيح !!!

وسوف يتألم كثيراً جداً بسبب هذه البشارة !!!

 

فتعجبت أمي من هذا التفسير وقالت بثقة عجيبة :

أنا كان قلبي حاسس من زمان أن أبني هذا الذي كان مكروهاً ومنبوذاً من المسيحيين بسبب محاربته لهم ، سوف يأتي عليه يوم ويلتقطه المسيح من أرض الضلال والتجديف ويجذبه إليه ، ثم يجعله مبشراً لأسمه بشجاعة ، لأن أبني  طل عمره وهو راجل شجاع ، ولا يخاف من أحد !!

وهاأنتم  كلكم قد رأيتم بأعينكم كيف استطاع أبني أن يتحدى كل هؤلاء المسلمون الجبابرة ، ويخرج عن  طوعهم ويصير مسيحياً ، ثم أن ابني هذا كان ( بركة البيت ) وهو طفل صغير ، وأذكر أنني حلمت له حلم عجيب وهو لم يزل في الخمسة من عمره ، أن رأيته قد كبر وأصبح رجلاً ويقف وسط ساحة كبيرة جداً وحوله جماعة من شيوخ مسلمين وممسكون بأيديهم بسيوف وعصي وسكاكين ، وأبني واقف بينهم يدافع عن الإيمان المسيحي بطلاقة عجيبة ، ثم أخذوه وطرحوه أرضاً وربطوه بالحبال ، ثم ظهر شيخ كبير منهم يبدوا عليه أنه رئيسهم ، ثم أصدر على ابني حكم بالموت بطريقة صعبة ، وهي عبارة عن إلقائه على ظهره ثم تمر من فوقه خيولهم فتمزق أحشائه بحوافرها !!!  فحاولت أن أموت بدلاً منه ، لكنهم رفضوا وأصروا أن يميتوه هو .. فقمت من نومي وأنا مذعورة ، ولا زلت أتذكر هذا الحلم العجيب .

وفي نفس هذه السنة أيضاً حلم أبني بأن هناك أناس قاموا بتعريته وربطوه ووضعوه داخل إناء كبير وعلى حواف الإناء شعلات نارية ، وهناك ديوك رومي متوحشة تنهش لحمه وهو يصرخ !!!

ثم قالت :

والآن وبعد كل هذه السنين هاهو الرب يفسر هذه الأحلام القديمة ، لأن أبني صار مهدداً بالموت  من أجل المسيح ، فهل سيموت شهيد ؟

فقال لها أبونا شار وبيم : لا أعرف ، ولكن هذا أمر محتمل جداً ، لكن ليس الآن ، بل بعدما يتمم رسالته !!!

 

أما أنا فتعجبت جداً  من تفسيرات هذا الأب الراهب القديس البسيط ،  واستبعدت تماماً إمكانية تحقيها !!

وقلت في نفسي :

لربما تكون مجرد تهيؤات من أمي ، أو أن  تكون هذه هي رغبتها الداخلية كأي أم مسيحية مجروحة في أبنها ( الذي كفر ) وتريد أن تراه وقد عاد للإيمان وصار مبشراً مسيحياً  ومدافعاً عن الإيمان المسيحي بقوة وشجاعة ورجولة .

قلت هذا رغم علمي بأن أمي كانت مسيحية مؤمنة إيمان بسيط وعميق وقوي وكانت تؤمن بلاهوت المسيح إيمان راسخ غير مؤسس على العلم ، بل على الإيمان وحده المدعم بالمواقف الحياتية المتنوعة .  وكانت لا تعرف شيء في الدنيا سوى المحبة والتضحية وإنكار الذات من أجل أولادها ، وكانت من فرط بساطتها يتعامل معها الرب عن طريق الأحلام والرؤيا و ( الإحساس عن بُعد ) ، وكانت كل ما تراه من أحلام أو تحس به ، غالباً ما يتم تحقيقه بحذافيره فيما بعد !!

ونظراً للمظالم الكثيرة التي تعرضت لها هذه الانسانة المسكينة في حياتها ، فقد دفعها ذلك لتلقي بكل أحمالها على الله ليحملها هو عنها ، وليعولها هي وأطفالها الصغار ، وكان لها إيمان عميق ودالة كبيرة عند ربنا ،إذ كانت تعتقد أن ربنا هو ( زوجها ) و( أبو ) أطفالها !! وكانت تبرر ذلك قائلاً : 

 ألم تقل يا رب في كتابك : أنك أبو اليتيم وزوج الأرملة ؟! وأطفالي أيتام ، وأنا أرملة !!!

وكانت على علاقة قوية جداً بالقديسة العذراء مريم ، وبالقديس بولس الرسول التي كانت تحبه بجنون وتسميه ( أستاذ المسيحية ، و فيلسوف ها ) بعد المسيح مباشرة .

وكانت تعجب جداً بدفاعه الحار عن المسيح ،  وسعة صدره في إقناع غير المؤمنين .  كما كانت تحب شخصية داود النبي محبة كبيرة ، وتتعلق بالمزامير بطريقة غير عادية ،  وكثير من آيات المزامير كانت تبكيها !! وأذكر أنها بعدما ضعف بصرها ولم تعد قادرة على قراءة الكتاب المقدس ، كانت تطلب مني أقرأ لها من المزامير حتى تنام !!!  وكانت تتشفع بكل القديسين على رأسهم القديسة العذراء مريم ، والقديس بولس الرسول ، والقديس مار جر جس .

كما كانت تتشفع بالملاك  ميخائيل ، وتخاطبه في صلاتها قائلة : يا رئيس جند الرب ، تشفع لي عند المسيح ملك الملوك ورب الأرباب ..

ورغم فقرها الشديد إلا أنها كانت تستضيف الناس في بيتها بكل كرم ومحبة حتى لو اقترضت من الناس تكاليف هذه الضيافة !! لهذا فالرب أحبها وباركها وأعلن لها الكثير من الأمور المستقبلية .

 

وقد حدث لأمي وهي أرملة شابة أن التقت بالقديس العظيم البابا كيرلس السادس وصلى على رأسها وباركها بصليبه وقال لها بدون ما تشرح لقداسته أي شيء عن ظروفها الصعبة باعتبارها أرملة تعول سبعة أطفال في مراحل التعليم المختلفة : متخافيش يا ابنتي لأن ربنا ها يسترها معك !!

 

وكان أبونا القديس القس بولس شاكر يقول عن أمي أنها  قديسة ، وشبهها بالقديسة مونيكا أم القديس أغسطينوس ، فقال أن دموعها هي التي جعلت المسيح يذهب ورائي حتى الكعبة !!!

وألقى عظة في كنيسة العذراء بالدقي عام 1987 عن إيمان أمي ودموعها ورجاؤها في المسيح .

 

وإجلالاً لدور هذه الأم المسيحية المؤمنة والشجاعة ، أذكر لكم هذا الحادث العجيب الذي يدل على شجاعتها الإيمانية المذهلة :

عندما سمعت أمي بأنني صرت أبناً بالتبني للشيخ النجار ، جن جنونها ، وعادت وفتحت بيتنا الذي كانت قد أغلقته لظروف قاهرة ، وراحت تفتش عني في الشوارع والطرقات وهي تبكي وتنتحب ، وكانت تقول : هذا ظلم ، كيف يأخذون طفل صغير من أمه ، وكيف يجعلونه مسلماً ، وهو لا يعرف شيء بعد عن الأديان ؟

 

وحدث أن رأتني مصادفة وأنا أسير في الشارع وكان عمري آنذاك 16 سنة ،  فألقت بنفسها علي ، وقبلت يدي وقدمي في الشارع !! ، وتوسلت أمامي بدموع حارقة لكي أعود معها للبيت وقالت لي :

سامحني يا أبني لأني تركتك فترة وأغلقت البيت في وجهك ، لم أكن أعرف أن الثمن سيكون ضياعك مني ، لكن أنا رجعت لك الآن وفتحت لك البيت ، فتعال وعش معايا ، وأرجع لأمك ،  أنظر إلى كسرة قلبي عليك ، أنظر إلى عيوني التي عميت من كثرة البكاء على ضياعك ، والتي ستموت بحسرتها عليك ، و أنا آسفة يا أبني عن كل ما حدث لك من (…) وأنس الماضي وتعال لي ، أنا سأكون خدامه تحت رجليك ..

ثم سألتني قائلة : هي  فين الأوراق اللي عملها لك الناس الأشرار دول ؟!

ثم فتشت جيوبي فوجدت أوراق التبني ووثيقة أخرى تقول أنني ( مسلم ) ..

فأخذت كل هذه الأوراق التي بحوزتي !!!

وهنا جن جنوني ، وتصرفت معها بقسوة ووحشية  لأن الشيطان كان قد تملكني وصرت في قبضته ، ورغم من قلة أدبي معها ، إلا أنها احتملتني ، وقالت لي :

أفعل أي شيء معي ، اقتلني ،  لكن لا تسير في هذا الطريق المظلم ، أنا خائفة عليك لتموت عندهم وأنت كافر؟

فقلت لها بكل صفاقة وقلة حياء :

أنا لست كافر ، بل أنا على دين الحق ، لكن أنتي اللي كافرة !!!

فقالت المسكينة :

زي بعضه يا أبني ، كافرة ، كافرة ، لكن أنا أمك ، وأنت أبني ، ولازم ترجع لبيتك وتعيش معايا ومع أشقائك .

فقلت لها : أنت لست أمي !

أنا أمي هي (…) زوجة الشيخ النجار !!!

وعندما لم أجد فائدة من الحديث معها ، هممت بأن أتركها ، لكنها طوقتني بذراعيها وقالت لي :

أنا لن أتركك تهرب مني ، أنا ما صدقت لقيتك .

فدفعتها بعنف شيطاني ، وجريت منها ، فظللت تجري خلفي ( رغم كبر سنها وضعف بصرها ) وكانت تصرخ ورائي وتقول :

  أرجع يا أبني ، حرام عليك تقضي علي ..

 

وكانت تصرخ وتلطم خدها ، وأخيراً سقطت على الأرض !!! ،  وتجمع الناس من حولها وأشفقوا على حالها  وأقاموها وتطوع أحدهم بإرجاعها لمنزلها . بينما أنا كنت اختفيت وسط  الزحام ، ثم ذهبت إلى قسم شرطة شبرا لأشكوها للبوليس ، وأطالبها برد أوراقي لي !!!

( تخيلوا مدى ظلمي وشري وانحطاطي وسلوكي الإجرامي مع أمي وأنا مسلم )

وتخيلوا هذه الجريمة البشعة : أبن يشكو أمه في الشرطة ويطالب بالقبض عليها ‍‍‍!!!

 

وانظروا ماذا فعله بي الشيطان ، وكم كنت مجرم وسفيه ، وكم كان قلبي متحجر ،وكم كانت قسوتي ، فلقد أعمى المسلمون قلبي وحجروا مشاعري منذ صغر سني ..

 

وقام أحد ضباط المباحث باستدعاء أمي من منزلها لقسم الشرطة ، فجاءت أمي ووقفت أمام الضابط بكل شجاعة ولم تهاب الموقف ..

فقال لها الضابط : ابنك يا ست يتهمك بمحاولتك إرجاعه عن الإسلام ، ويقول أنك أخذت منه بعض أوراقه التي تثبت هويته الإسلامية ، وهو يطالبك الآن بإعادتها ، وعدم التعرض له في الطريق .

فقالت أمي للضابط بشجاعة مسيحية نادرة تذكرنا بأمهات زمان :

أي إسلام ؟! وأي أوراق ؟!

أن كل ما تم مع أبني من إجراءات ، هي باطلة ،  لأن أبني كان طفل صغير ، ولا يزال حتى الآن صغير لأنه لم يبلغ سن الرشد بعد ، حتى يقدر أن يقرر مصيره  بنفسه ، ثم أنا والدته والمسئولة عنه وولي أمره بعد وفاة والده ، وأعرف تماماً ظروفه ، ولماذا التجأ للغرباء ، وأنا لم أكن موجودة معه في المنزل عندما حدثت له كل هذه المآسي ، والله يجازي اللي كان السبب ، وكل ما حدث لأبني من تجاوزات كان في غيابي ، ولو كنت موجودة لكنت وفرت له الحماية وقطعت اليد التي امتدت له بالتعذيب والضرب والكي في جسده الصغير ،  ثم أنا قد تركت كل شيء من أجله وعدت لبيتي ثانياً ، وقررت أن أتفرغ لرعايته ، ولا يمكن يكون هناك قانون يمنع ولد عن أمه الأرملة والتي عاشت شبابها كله من أجل رعاية أولادها ، ثم أن هذه الأوراق أنا مزقتها بيدي من غيظي ودوست عليها بقدمي من حرقة قلبي ، ويمكنكم الآن أن تسجنوني ، فأنا أعترف أنني أخذتها منه ومزقتها ، لأنها أوراق باطلة ، لأن هذا هو أبني الشرعي ، لكن الشيخ النجار منه لله سرق مني أبني  ،  وأستغل ظروفه الأسرية والنفسية استغلال سيئ   و حتى  لو أبني في نظر الحكومة قد صار مسلم ، فهو أيضاً سيبقى أبني ، ولو صار كافر فهو أبني ، ومهما تغيرون له أسمه وهويته الدينية ، فهو أبني  من لحمي ودمي ، وسيظل أبني لآخر نفس من عمري ، ثم أنت يا حضرة الضابط ألم يكن لك أم تحبك ، وتخاف عليك ومستعدة أن تضحي بحياتها من أجلك ؟ فكيف تستكثر علي أيها الضابط أن أمارس حقي كأم تحاول حماية أبنها واستعادته من طريق تراه أنه لم يختاره بمحض إرادته ؟ بل الظروف القاسية هي التي فرضته عليه .

قالت هذا ثم انهارت باكية .

 

ووضع المسيح رحمة في قلب الضابط المسلم ، فتأثر بدموعها ،  وقام عن مقعده وأجلسها ، وقال لها :

أنتي فعلاً أم عظيمة ، وأنا شخصياً أحمل لك كل احترام ، وأقدر مشاعرك ، ولكن يا أمي أنا هنا أطبق القانون ، والقانون يقول أن أبنك هذا أصبح مسلم ، وهو ابن بالتبني للشيخ النجار،  ويحذر عليك محاولة اعتراض طريقه أو إرجاعه عن الإسلام .

ثم وجه كلامه لي قائلاً :

أما أنت فعليك أن تصالح أمك وتعتذر لها أمامي  الآن ، فالله كرم الأم ، وهي ذو فضل كبير عليك والقرآن يقول لو أن أبيك وأمك طلبوا منك تشرك بالله فلا تطيعهما ، لكن تصاحبهما في الدنيا بالمعروف والإحسان ، ولا تقل لهما : ( أف ) . وعيب عليك أن تدفعها بيدك ، وعار عليك أن تتسبب في سقوطها في الشارع عندما كانت تجري خلفك ، وجريمة في حقك أن تشكوها وتجرجرها لأقسام الشرطة !!!

 

لكني من شدة قسوة قلبي رفضت الاعتذار لها !!!

وغادرت قسم الشرطة ناقماً عليها !! وقمت بعمل استخراج بدل فاقد للأوراق التي مزقتها

 

سامحيني يا أمي ، أنطقها بدموع وقلب منكسر وأتمني أن أراك الآن لأركع تحت أرجلك وأقبلهما ، لكن أين أنتِ الآن يا أمي ؟

 

ولعل الأخوة القراء يعرفون الآن لماذا أنا أقول لهم بشكل دائم : أني خاطئ ؟

فهذه هي جرائمي التي تطوق عنقي ، اعترف بها وأتذكرها وكأنها حدثت بالأمس ، ولعلهم يعرفون على الجانب الآخر كيف أن الرب من فيض كرمه ومحبته غفر ذنوبي وقبلني إليه رغم كل خطاياي المميتة .

 

وأعود إلى استكمال موضوع رؤيا أمي في الدير :

رفضت تصديق هذا الأمر الغريب ، لأنه  كيف يصدق عاقل أن كلب مثلي يمكن له أن يصبح مبشراً مسيحياً ذات يوم ؟ لذلك قلت لأبينا  الراهب القديس :

يا أبونا أنت باين عليك رجل طيب ، وبتقول كده عشان ترفع من روحي المعنوية ، لأنه كيف لي أن أصير مبشراً بالمسيحية وأنا مجرد جحش لا يفهم ؟ ثم أن حياتي يا أبونا هي كلها خطايا وتجديف في حق الله ، فكيف يتنازل ويجعلني من خدام أسمه؟  ثم أنا إنسان غبي وبطيء الفهم ولا أعرف شيء عن المسيحية بعد ، فكيف أصير مُعلم مسيحي ؟  لعل قداستك يعرف أنني لا زلت أجاهد حتى الآن لأصير مسيحياً وتعترف بي الكنيسة ضمن أولادها وأتباعها ، فكيف يمكن وأنا مجرد شخص تائب ومبتدئ في حياة الإيمان أن يختارني الرب لأكون مبشراً باسمه ؟ وهل معقول يا أبونا أن الله يختار نفاية الناس ليجعلهم خدام لأسمه المبارك ؟

ثم كيف يختارني المسيح لهذه المهمة بينما أنا نجس القلب  وأقل من البهيم في المعرفة ؟

فقال أبونا القديس :

( شوف يا أبني ، جيد جداً أن ترى نفسك هكذا ، فهذا مؤشر حسن للنضج الروحي ،  بل هو من أول درجات القداسة الحقيقية أن يعترف الإنسان بخطاياه ونقائصه ، ويشعر بعدم الاستحقاق ، فالرب يا أبني يرفع المتواضعين ويقاوم المتكبرين ، ثم لابد أن تعرف أن الله  عنده  كثير من العطايا الثمينة لأولاده ، وهو قد اختار جهلاء العالم ليخزي بهم الحكماء ، والمسيح يا صموئيل يستطيع كل شيء ولا يعسر عليه أمر ، وهو سوف يعلمك ويعدك لهذه الرسالة في الوقت الذي يراه مناسباً ، وأنا لم أقول أنك ستصبح مبشر الآن ، إنما بعدما يعدك الله بنفسه لهذه المهمة ،  وأنت الآن في مرحلة هذا الإعداد ، ووقت فرزك للبشارة  سوف يتحقق ذات يوم ،  لكن  ليس الآن ، وإن كان ليس ببعيد جداً ، ولربما يكون بعد سنة ، أو سنتين ، وأما بالنسبة لضعفك فالرب قادر على أن يقويك ويسندك ويؤهلك لهذا العمل . وثق يا أبني أنك سوف تصبح مبشر معروف ، وسوف تتحدث مع الناس عن مراحم الرب في حياتك ، وستكون لك رسالة كبيرة ، ولربما تتخطى حدود مصر لتصل إلى بلاد أخرى ، وسوف تدافع عن استقامة الإيمان بقوة وجراءة ، وسوف تعيش وترى بأم عينيك عمل الرب العجيب في حياتك .

 

كان أبونا الراهب القديس يتحدث بثقة عجيبة ،  ولكنى بصراحة لم أكن أتخيل أبداً إمكانية تحقيق مثل هذا الأمر ، رغم أني كنت أشعر في قرارة نفسي بأن الله أحضر بي إلى هذا الدير وسمح ببقائي طوال هذه المدة لهدف بعيد المدى ضمن ترتيباته لإعدادي لخدمة أسمه ،  وأحياناً كنت أرى هذا الهدف يلوح أمامي في الأفق البعيد ، ولكن بطريقة غير واضحة المعالم .

تذكرت ذلك وخاطبت ذاتي قائلاً :  هل حقاً يا أيها النجس الشفتين والقلب ، أن السيد الرب سوف يجعلك مبشرا باسمه ذات يوماً ، كما قال بذلك أبونا الراهب القديس ؟!

وهل حقاً أنك سوف تتألم من أجل اسمك المبارك ؟ أنت الذي ترفهت على حساب مقاومتك لهذا الاسم ؟ فهذا لو حدث ، فسوف تكون معجزة فريدة من نوعها ، وسيكون شرف كبير لا تستحقه .

 وتذكرت أيامي الأخيرة في الجامع عندما كنت ألقى الدروس الدينية  على المصلين ، وكيف أنني خاطبت الله ذات مرة قائلاً له بتلقائية :

يا سلام يا رب لو يأتي علي يوم وألقى فيه  دروس دينية على المسيحيين في الكنيسة [1]!!!  

  بدلاً من إلقائي الدروس على المسلمون في الجامع ؟؟!!!

وبدلاً ما الناس تناديني ب ( الشيخ محمد ) ، تناديني ب ( أبونا ) ، أو ( المبشر ) !!!

 

أول محاولة لإعلان إيماني  المسيحي الوليد :

 

 كنت وأنا في الجامع قد عاهدت السيد المسيح بأنني مجرد خروجي منه سوف أوشم يدي بالصلبان ، حتى يعرف كل من يقابلني من المسلمين أني صرت مسيحياً فيقتلوني وأموت شهيد !!!! ولكن بعد خروجي من الجامع توجهت للدير  مباشرة ، ولم يكن هناك فرصة لوشم يدي .

خاصة والذين يقومون بعملية وشم الصلبان على الأيدي يجلسون على أبواب الكنائس في مناسبات أعياد القديسين ، فينتهزها الأقباط فرصة لوشم أيدي أطفالهم بالصلبان كعلامة على هويتهم المسيحية وسط بلد غالبيته من المسلمين المتعصبين . وحدث أن سمح لي الدير بالنزول أجازه لثلاثة أيام وكان هذا موافق لعيد القديسة العذراء ، فأخذت زوجتي وذهبنا سوياً إلى كنيسة القديسة العذراء مريم  الأثرية بمنطقة ( مسطرد ) وكان بأسفل الكنيسة بئر به ماء لا ينضب ، يقول التقليد أن السيد المسيح والعائلة المقدسة قد شربوا منه فذهبت وشربت من هذا الماء المقدس ، وبعدها نزلت إلى المغارة التي جلس فيها المسيح مع أمه العذراء ، وعندما دخلتها  شعرت برهبة كبيرة ، وبقشعريرة تسرى في جميع أنحاء جسدي ، ثم صممت بعدها على أن أوشم يدي بالصلبان  ، وتعمدت أن يكون موضع الوشم شديد الوضوح حتى يراه الجميع فيعرف أني صرت مسيحي . فوشمت يدي اليمنى ليس بصليب واحد ، بل ثلاثة صلبان على ظهر كف يدي الأيمن ، وصليب كبير في الرسغ ، كما وشمت صورة  المسيح  وهو داخل الصليب ، وهذا الوشم الكثير على جلد يدي قد سبب لي الكثير من الألم الشديد ، لكني كنت فرحان جداً به ، ولم أتمالك دموعي من الفرحة وأنا أرى يدي أصبح بها الصليب رمزاً لإيماني المسيحي الوليد .

أما زوجتي فلما رأتني أتألم فخافت واكتفت بوشم صليب صغير في يدها اليمنى !!!

ثم رجعنا ثانياً للدير ، فلما شاهد الآباء يدي وبها كل هذه الصلبان ، قاموا بتوبيخي بشدة بسبب تسرعي في إعلان إيماني ، فبكيت أمامهم وقلت لهم :

أنا كنت مشتاق لأعلن إيماني بالمسيح بعد سنوات طويلة من الاغتراب عنه ، ولم أجد طريقة أخرى أعلن بها إيماني سوى وشم يدي بالصلبان !!!

 

فتفهموا موقفي وقالوا : يا أبني نحن نعرف صدق إيمانك ، ولكننا نخاف عليك لئلا يراك أحد من المسلمون الذين كانوا يعرفونك في الماضي ، فيرون الصلبان على يدك فيعرفون إنك صرت مسيحياً ، وقد يعذبونك بعنف لحملك على الارتداد ، ولربما لا تحتمل التعذيب ، فترتد وتعود ثانياً  للإسلام ، لكن ليعطيك الرب حسب قلبك ، وما دمت أنت مشتاق لإعلان إيمانك بهذه السرعة فالرب سوف يقويك لو دخلت في هذه التجربة .

ثم قال أب راهب آخر :

يا بني نحن نخاف عليك لأنك لازلت في بداية الطريق ، ولا نعرف لماذا تتعجل الإعلان عن إيمانك بشكل واضح وصريح أمام الناس ، فلقد يؤدي ذلك إلى إيذائك .

فقلت له وأنا أبكي : يا أبونا أنا لا يهمني الإيذاء ، ولكن كل ما يهمني هو أن يعرف الجميع أني صرت مسيحي ، فلقد وعدت المسيح أنه بمجرد خروجي من الجامع سوف أدق صليب كبير في يدي إعلاناً عن  إيماني المسيحي ، وهاأنا قد وفيت بوعدي للمسيح .

فربت على كتفي وقال لي : الرب يباركك يا أبني ويعطيك بحسب قلبك .

 

كان لدي اشتياق جارف للاستشهاد على اسم المسيح ، وكنت أحلم بأنني وقعت في يدي  المسلمون وقاموا بتعذيبي حتى الموت لحملي على الارتداد ، فكنت أتخيل نفسي وأنا صامد أمامهم حتى الموت !!!

 

الجلباب الأسود الخشن ، والصليب الحديدي العجيب 

 

كان أصعب شيء قبل مغادرتي للدير هو أن أخلع جلبابي الأسود الذي أعطاني إياه  المرشد الروحي للآباء الرهبان قداسة الأب القمص ( م ) وهو راهب شيخ قديس ، بل وأقدم راهب في الدير . وهو الجلباب المبارك الذي  ظللت ارتديه طوال فترة إقامتي بالدير ، وكان خشناً جداً ، وقديم للغاية ، لكني كنت أشعر وأنا أرتديه بأنني أرتدي زي ملوكي !!!

ثم نظرت إلى الصليب الثقيل الذي يلتف حول عنقي وقلت في نفسي : قد أخلع الجلباب لنزولي للعالم ، لكن لن أخلع هذا الصليب أبداً ..

 صليب عجيب من أسلاك الكابلات الكهربائية الضخمة والمسامير الكبيرة !

 وكان هذا الصليب العجيب يزن حوالي خمسة كيلو ! ، وقد قمت بصنعه بنفسي من مخلفات الحديد وأسلاك كابلات الكهرباء الضخمة ، ومن المسامير الحديدية الكبيرة !!

 فلقد اهتديت إلى فكرة صنع هذا الصليب الثقيل من باب تأديب النفس وتعذيبها !!

وظللت أسبوع كامل أصنع فيه في سرية تامة ، وكان شائك جداً ويسبب لي الكثير من الألم ، خاصة وأنا كنت أنام به ، ولا أنزعه من حول عنقي  أبداً  حتى أنه سبب لي جروح حول عنقي وصدري ، لكني  كنت أتلذذ بهذه الآلام ، واعتبرها نوعاً من التوبة والانسحاق وجلد الجسد !!!

 

الرب ينقذني من الغرور والشعور بالبر الذاتي

 

كان لي قانون روحي أسير بمقتضاه داخل الدير ، وهو عبارة عن عدد معين من الصلوات والأصوام ، والقراءات الكتابية والإيمانية والروحية والكنسية ، وعدد معين من المطانيات ( السجود للمسيح أثناء الصلاة) وهذا التدبير أو " القانون " يسلمه المرشد الروحي لأبنائه بحسب قامتهم الروحية ، وهو غالباً يأخذ بالتدرج من أسفل إلى أعلى ، وكان لكل راهب في الدير قانون روحي يسير بمقتضاه ، وكان أبي الروحي في الدير رجل قديس وبسيط  جداً وكان أب روحي لكثيرين من الرهبان ، كما كان متخصص في توجيه وإرشاد طالبي الرهبنة ، وقد اعتبرني هذا الأب القديس أنني راهب !

فطبق علي الكثير من قوانين الرهبنة ، وخاصة في طريقة الصلاة اليومية لأنه كلفني بصلاة ( الأجبية ) كلها كل يوم ما عدا ( تحليل الكهنة ) فقط !!

وفي البداية استصعبت الأمر ، لكن مع تذكري لخطاياي ، ورغبتي في المصالحة مع الله ،والنمو في حياة النعمة والجهاد والتوبة ، بدأت لا أشعر بثقل هذا القانون ، بل واعتدت عليه مع الممارسة اليومية ، ثم بدأت أزيد عليه من عندي بدون الرجوع للمرشد الروحي ، فصرت  أطيل الصلوات ،  وأكثر من المطانيات والقراءات والأصوام السرية ..

وذات مرة كنت أصلي في الجبل خارج أسوار الدير بنحو خمسة كم ، واندمجت جداً في الصلاة حتى أنني  لم أشعر بنفسي ، وكنت أردد هذه الآية المحببة لقلبي :

((( من أجل شقاء المساكين وتنهد البائسين ، أقوم الآن أصنع الخلاص علانية ، يقول الرب ))) ..

وظللت أردد هذه الآية عشرات المرات ، وفجأة شعرت بأن روحي تختطف مني ، ونسيت العالم بكل ما فيه ، وشعرت بأنني انتقلت إلى عالم آخر ، عالم أكثر سلاماً وهدوءاً ..

ظللت على هذا الحال حوالي ثلاث ساعات ، وبعدها تذكرت موعد عملي داخل الدير ، فاختتمت الصلاة وقلت :

ارحمني يا رب واقبلني إليك وخلصني من مضايقي ...

ففوجئت بالرمال أسفل قدمي وهي تتكلم وتقول لي : آمين !!!

 

فتعجبت جداً وظننت أنني أتهيأ سماع هذا الصوت ، لأنه كيف للرمال أن تتكلم ؟!!!!

فكررت العبارة  ثانياً ، ففوجئت هذه المرة بالجبال والرمال يتكلمان سوياً ويقولان في صوت واحد : آمين !!!!

ففرحت وسجدت أرضاً ، وقلت بصوت عال : أنا بحبك خالص يا ربي يسوع المسيح !!!

فسمعت صوت عجيب أشبه بصوت الرياح أو خرير الماء المتدفق وهو يقول لي : وأنا أيضاً أحبك !!!

فخلعت نعلي من قدمي وضربت به وجهي تأثراً من محبة ورقة الرب معي أنا المجرم !!!، وقلت بدموع : سامحني يا ربي يسوع المسيح  على كل خطاياي .

فسمعت نفس الصوت يقول : سامحتك وأحببتك واخترتك لتكون لي !!!

 

من هذه الحادثة وبدأت أشعر في نفسي أنني أصبحت شيء !!!

لأنه كيف يخاطبني الرب ؟

وكيف الرمال والجبال ينطقان ويقولان لي آمين على كل طلبة أطلبها ؟!

أليس كل هذا يعني أنني قد صرت قديس !!!

نعم فلقد انتهت مرحلة التوبة !!!

وجاءت مرحلة النمو والقداسة والبر !!!

 

هكذا حاول إبليس تضليلي ، فبدأت أعجب بنفسي وأنا أرتدي الجلباب الرهباني الأسود القديم ، وأعلق الصليب الشائك الثقيل على صدري ، ونسيت نفسي وخطاياها ، وظننت أنني أصبحت شيئاً ، بينما أنا في الحقيقة لا شيء ، إنما كانت محاولة من الشيطان لضربي وإسقاطي في خطية البر الذاتي .

بل وتجرأت وقلت : يا رب يسوع المسيح أنا نفسي يكون عندي قوة القديس بولس الرسول ، وغيرة القديس أثناسيوس الرسولي!!

وهما شخصيتان صار لهما مكانة خاصة جداً في قلبي من كثرة قراءاتي عنهما داخل الدير .

 

وفي نفس هذا اليوم أراد الرب أن ينقذني من الغرور ومن المجد الباطل ، كما أراد أن يعرفني حقيقة حجمي بشكل جيد كي لا أنسى نفسي ، فأراني رؤيا عجيبة :

رأيت نفسي أتسلق جبل عال جداً ، وأثناء تسلقي كان العرق يتصبب مني بغزارة والتعب يعييني ، فظننت أني أتسلق أعلى جبل في العالم !! ، ولكن بعدما بلغت قمة هذا الجبل ، فوجئت بأنه مجرد تل صغير ارتفاعه حوالي خمسون متر ، بينما رأيت جبال شاهقة قمتها في عنان السماء ، وتصل لداخل السحاب ، كما رأيتها تتلألأ بأنوار باهرة ، فوقفت مذهولاً من روعة مما أرى ، وقارنت هذه الجبال العالية بالتل الصغير الذي أقف فوقه ، فخجلت من نفسي لأني كنت قزم صغير بين عمالقة ، وأدركت على الفور أن هذا درس من الله لي في بداية إيماني أتعلم منه أن أعرف حجمي جيداً ولا أسمح لنفسي بأن ترتئي فوق ما ينبغي ، بل إلى التعقل .

وشاء الرب في هذا التوقيت العجيب من حياتي أن يحرك أحد الآباء الرهبان ناحيتي بقوة محبة عجيبة ، فكان يهتم بي روحياً ، ويأخذني إلى داخل قلا يته للصلاة معه ، وكانت صلاته تنقلني إلى عالم آخر ، وتمتد بالساعات وكان أبونا لا يصلي بالنطق فقط ، بل بالدموع التي كانت ترعبني وتجعلني أكره نفسي بسبب خطاياها وتدفعني دفع إلى التوبة والندم عن كل ما فات من عمري ..

 

وليمة رهبانية : إوز مطبوخ بريشه !!!

 

ومن المواقف الطريفة التي عايشتها داخل الدير هذا الموقف العجيب :

نظراً لأن الحياة الرهبانية في الصحراء مشيدة على مبدأ الزهد والتقشف والابتعاد عن الملذات بكافة أنواعها ، فكان الطعام الذي يعده الرهبان لأنفسهم وأتناول منه باعتباري مقيماً داخل الدير ، يتم تحضيره بطريقة عجيبة  فالخضار يطبخ أغلب المرات بسيقانه ! وأحياناً بقشره !، وأما الأرز فهو عبارة عن عجين !

وكان أفضل طعام يمكن تذوقه داخل الدير هو الفول المدمس والذي كان يقدم صباح كل يوم ، فضلاً على أن الرهبان يمضون معظم أيام السنة في صوم ، وذات يوم وعلى ما أذكر كان يوم عيد الرسل ، فكر أحد الآباء الرهبان في التخلص من مزرعة الإوز المشرف عليها في الدير ، فدعي إلى عمل وليمة ترفيهية لكل الرهبان والعمال بالدير ، وقام بذبح كل إوز المزرعة ، وليته ما فعل !!! فلقد فوجئنا بأن الإوز تم طبخه وبه أغلب الريش الذي لم ينزع منه !!!

وبعد صوم الرسل الطويل هذا العام ، وانتظار الطعام ( الإفطاري)  الشهي ، يفاجئ الجميع بأن الإوز ليس له أي طعم !! 

فضحكت وقلت : الرهبان دول ها يجننوني معهم بتصرفاتهم !!

وقلت في نفسي لربما الأب الراهب تعمد ترك هذا الريش حتى ينفر الرهبان من أكل لحم الإوز لمزيد من التقشف ،  ولم أستطع أكل شيء من هذه الوليمة واستبدلتها بالفول الصيامي !!

 

كانوا أناس طيبون جداً وبسطاء إلى أبعد الحدود ، وكان منهم راهب طيب القلب أسمه أبينا (ب) وكان يشفق جداً على حالي ، فيأتيني في الأيام التي ليست بها أصوام بعلب البولبيف والبيض ، ويطلب مني أن أعدهما لنفسي ، وكان يرفض أن يأكل معي ، لأنه لا يأكل مثل هذا الطعام المترفه !!!

ومع تكرار المرات كرهت نفسي وأصررت على تحمل نوع الأطعمة المطبوخة في مطبخ الدير وعدم طلب طعام بديل ، ومع الأيام اكتشفت روعة مذاق هذا الطعام البسيط ، وأدركت أن القداسة في المسيحية هي أن يحيا الإنسان حياة التجرد ، في المأكل والملبس ويموت عن مباهج العالم .

وهكذا بدأت أستسيغ هذا الطعام وأحبه ، وكنت أحياناً أتندر لو قُدم الفول ( بدون سوس ) أو العدس ( بدون طوب ) ، فأقول لأحد الرهبان مداعباً :

يا أبونا الطعام اليوم غير لذيذ ؟!

فيسألني : لماذا ؟

فأجيبه ضاحكاً :

لأنه خالي من السوس ، والطوب !!!

فما أحلى الفول بسوسه !!

وما أروع العدس بطوبه !!!

 

وذات يوم لم أتمالك نفسي من الضحك عندما حاول أحد الآباء الرهبان طبخ الملوخية !!!

فسألت أبونا وقلت له :  ما أسم هذا الطعام الغريب يا أبونا ؟

فقال أبونا بزهو بالغ : هذه ملوخية يا ولد !!

فقلت له : يا أبونا من قال لك أنها ملوخية ؟! هل يوجد أحد يطبخ الملوخية بسيقانها يا أبونا ؟!

وهل يوجد أحد في الدنيا لا يخرط أوراق الملوخية ؟

وكان أبونا خفيف الدم ، فقال لي مداعباً : هذه هي الطريقة الرهبانية في طبخ الملوخية !!!

 

وعلى فكرة يا أخوة فكثير من الآباء الرهبان كانوا خفيفي الظل ومرحون جداً ، وأذكر منهم أبونا ( ش )  وأبونا ( ت ) فلقد كانا على ما يبدوا أنهما متخصصان في إضحاك بقية الرهبان والتخفيف عنهم قسوة حياة الصحراء ، وكان بعضهم يجلس على المصطبة بعد انتهاء صلاة الغروب ويضحكون معاً ، وكنت أترقبهم من بعيد واضحك لقفشاتهم الظريفة ، وكان ضحك بريء وراقي وخالي تماماً من التجريح والتهريج .

وكان يقيم بالدير شخص بسيط جداً لم يعش في العالم ، ولم يعرف عنه شيء ، فلقد جاء للدير وهو طفل صغير وبقى فيه ولم يغادره حتى بلغ الستون من عمره ، ولكن بقى عقله عقل طفل صغير فكان لا يتردد في ضرب الرهبان والجري خلفهم بالعصا !!!

وكان الرهبان يحبونه و يحتملونه ، وكذلك أسقف الدير ، وبقية الآباء الكبار ، وصار وجوده من معالم الدير ، وكان طول النهار يصنع صلبان من الجريد ، ويردد كلام عجيب ، وكان أحياناً يتنبأ بأمور ثم تحدث ، مثل قوله : سوف تأتي سيارة رحلات . وبعد ساعات تصل بالفعل سيارة رحلات من أحد الكنائس .

وهذا الرجل كان يضحكني كل يوم ، ويضحك معي بقية الرهبان ، وكنت أتعجب كثيراً من ترتيبات المسيح وكيف أنه يرفه عن أولئك الرهبان الذين يعانون شغف الحياة بالصحراء .

 

اللعب مع العقارب !!

 

كنت أتعجب كيف لهؤلاء الآباء يجلسون فوق الرمال ولا يخافون من العقارب التي تمرح بالقرب منهم ، فالصحراء مليئة بالثعابين والعقارب ، لكن رغم ذلك لم يسمع أحد أن راهب عضه  ثعبان ، أو لدغه عقرب ، وتحقق فيهم قول الرب لتلاميذه وأعطيكم سلطان أن تدوسوا العقارب والحيات وكل قوات العدو .

وذات مرة كنت أجلس وأقرأ في كتاب فوجدت عقرب كبير أسفل قدمي العارية ، فلم أخاف منه بل ظللت ألعب معه !!!  وأخيراً أحضرت قنينة صغيرة وأدخلته بها !!

وكلما شعرت بسأم ، كلما أخرج القنينة وأشاهد العقرب وهو يرفع ذنبه ..

وكانت زوجتي تخاف من الجلوس على الرمال لأن أسفلها تختبئ العقارب بكميات كبيرة ، وعندما كانت تراني وأنا جالس على الرمال ، بل وأحياناً وأنا  نائماً عليها ، تقول لي :

أنت ما بتخافش من العقارب رغم أنك نائم فوقها ؟! فأقول لها : لا  ، لأن العقارب لا تلسع المسيحيين بحسب وعد المسيح !!!

ثم أقول لها : تعالي أريك واحد منها أحتفظ به في قنينة في جيبي !  فأخرج لها القنينة وأجعلها تتفرج على العقرب !!

فكانت تتعجب وتقول : سلامة عقلك !!

بل وفكرت كيف أجلب طعام لهذا العقرب المسكين الحبيس ؟! ، وكان الأمر سهلاً لأن الصحراء مليئة بالحشرات ، ولكن بعدها بأيام أشفقت عليه وأطلقت سبيله !!!

 

كانت أيام عجيبة تلكم التي قضيتها داخل الدير ومن خلالها تشكلت حياتي المسيحية ، والذي يريد أن يعرف ( سر) شخصية  صموئيل فعليه بالعودة لهذه المرحلة المبكرة من إيماني المسيحي ، قبل أن أصير خادماً ، فمن داخل هذا الدير بدأت لا أخاف من شيء ، ولا أريد أي شيء سوى المسيح ، المسيح وكفى، فلهذا كنت أشعر أني أسعد إنسان في العالم حتى وأنا داخل الصحراء الجرداء ، وبدأت أدرك لماذا كان داود النبي لا يحلو له الصلاة للرب إلا داخل الصحراء ..في مكان ليس به ماء ..

 

أحببت الجبال والرمال ، وبدأت أعرف  لماذا اختار الرب يسوع الجبل ليبدأ منه رسالته بحسب الجسد ،        وكيف ألقى عظته الأولى على الجبل ؟!

وكيف ذهب القديس بولس الرسول إلى الصحراء قبل البدء في إعلان رسالته الكرازية ؟

ففي هذه الصحراء الشاسعة لا شيء سوى الله .. فلا مال ، ولا نساء ، ولا جاه ولا سلطان ولا ألقاب ، ولا إعلام ، لا يوجد أي شيء مما لأهل العالم ،  ولعل هذا ما يفسر سر قوة وروحانية رهبان الصحراء ومن قبلهم القديسين القدامى .

 وقبل مغادرتي للدير التقي بي الأب المسئول ( الربيتة ) وأعطاني مبلغ بسيط من المال وقال لي : الدير مفتوح لك في أي وقت ، فكلما تمر بضيقة في العالم تعال إلى هنا ، فنحن أحببناك ونعتبرك واحداً منا .

وقدم لي أبونا الحبيب ( ب ) جهاز كاسيت صغير ومعه حوالي خمسة وأربعون شريط كاسيت عظات لقداسة البابا شنودة ، وشريط قداس بصوت أبونا يوسف أسعد ، ومبلغ بسيط من المال .  وأب راهب آخر مسئول عن ورشة الخياطة المخصصة للملابس الرهبانية ، قدم لي جلباب  مخطط قام بصنعه خصيصاً لي حتى ارتديه في العالم ! وأب ثالث أعطاني كرتونة بها معلبات غذائية !!

وكان موقف مؤثر جداً وأنا أودع هؤلاء الآباء الذين شملوني بمحبتهم طوال هذه المدة ، ومنهم تعلمت الحياة المسيحية الأصيلة والقداسة الحقيقية وحياة الإنجيل المعاش .

فهؤلاء الرهبان القديسين كانوا في العالم من الأثرياء ومن حاملي الشهادات الجامعية المرموقة ، وتركوا العالم كله وارتضوا على أنفسهم بالعيش في الصحراء مثل هذه الحياة الخشنة حباً في المسيح الذي ملكوه كل حياتهم وصار هو الكل في الكل ، ودفنوا كل أحلامهم البشرية تحت قدم المصلوب وتركوا كل مباهج العالم في سبيل محبتهم له .

هنا في الدير كانت بدايتي الحقيقية مع المسيح ، وهنا تأسست على استقامة الإيمان ، وأدركت تمام الإدراك  أنه لا خلاص لإنسان خارج إيمان الكنيسة .

وداخل الدير أيضاً كانت بداية معرفتي بآباء الكنيسة من القديسين وأبطال الإيمان من الشهداء والمعترفين وعشت بكل كياني وأنا أقرأ سيرتهم العطرة ، فأحاديث الآباء الرهبان كلها عن هؤلاء القديسين الأبرار الذين أحبوا المسيح حتى المنتهى ، وبرهنوا للعالم كله - من خلال سلوكياتهم اليومية – إمكانية أن يحيا المسيحي في القداسة التي سلمها لهم المسيح ، الرب الطاهر القدوس الذي لم يفعل خطية وقال للناس من منكم يبكتني على خطية ؟

وهؤلاء القديسين اقتدوا بسيرته وتشبهوا به ، ولم تكن قداستهم كلام ، بل حياة ، وهذه الحياة تبرهنت بالقوة من خلال حياة الإنجيل المُعاش التي يحيونها ويعيشونها أمام الآخرين  فكانوا نوراً للعالم وملحاً للأرض .

وأحببت هؤلاء القديسين الأبرار حباً جماً وكان أعظمهم على الإطلاق قديسون الكنيسة الجامعة الرسولية المقدسة أي الذين ظهروا في الخمسة قرون الأولى للمسيحية .

فهؤلاء عاصروا نشأة المسيحية وما تعرضت له من اضطهاد دموي عنيف على أيدي اليهود والإمبراطورية الرومانية الوثنية في أوج مجدها وجبروتها العسكري ، كما عاصروا تعرض الكنيسة للاضطهاد الفكري الرهيب على أيدي كهنة الآلهة الوثنية والفلاسفة والسحرة وكل قوات الشر ..

كما عاصروا نشوء الهرطقات وتصدوا لها بقوة ..

وكان عصر الاستشهاد هو العصر الذهبي للكنيسة المسيحية بأسرها والذي بدأ بصلب المسيح وأستمر بعنف بالغ طوال القرون الثلاثة الأولى ، وما بعدها ..

والذي يريد أن يجمع معلومات كافية عن المسيحية كدين سماوي عليه أن يدرس أوضاع المسيحيين في هذه القرون الأولى وكيف رغم تعرضهم للمذابح الوحشية من دينهم إلا أنهم صمدوا وكانوا أبطالاً في الإيمان كما كانوا أبطالاً في القداسة وقهر الذات ..

والقديسون الذين نعنيهم هنا هم قديسون الكنيسة من الشرق والغرب على حد سواء وكثير منهم لا يعرفهم العالم ، أما المعروفين منهم فقرأت عن سير معظمهم ، وخاصة أولئك الذين عاصروا أحداث تاريخية خطيرة في تاريخ الكنيسة كالقديس أثناسيوس الرسولي ، ومار أنطونيس أبي الرهبان ، ومار يوحنا فم الذهب ، ومار كيرلس عمود الدين ، ومار ديسقورس بطل الإيمان المستقيم ، ومار أفرام السرياني قيثارة الروح ، ومار سويروس العلامة العظيم ، ومار اسحق السرياني ، والشيخ الروحاني يوحنا سابا ..

وفي الغرب القديس جيروم والقديس إيلاري والقديس أغسطينوس وغيرهم ..

ولن أنس أبداً دموعي التي ذرفتها وأنا أقرأ عن الشهداء القديسين الأبطال مار جر جس ومار يعقوب المقطع والقديس جر جس المزاحم وغيرهم كثيرون ..

كان كل الرهبان يعشقون سير القديسين ويتحدثون عنها بفخر واعتزاز ، وعندما قرأت بستان الرهبان وأطلعت على سير معظم القديسين القدامى ، وجدت نفسي أهتف من أعماقي : يا ليتني أصير مثلهم !!!

وهكذا رتب الرب في هذا الوقت المبكر من حياتي المسيحية ( 1987 ) أن أتعرف على قديسون وقديسات كنيسته المنتصرة وعلى كفاحهم وجهادهم فأحببتهم وتأثرت بهم تأثر عظيم . وكانت القديسة العذراء مريم أم النور تحتل مكانة عظيمة جداً في نفوس كل الرهبان فتأثرت بمحبتهم لها وبدأت أدعوها بأمي العذراء ، وأحببتها حباً جماً ، وكنت أطلب شفاعتها بدموع لتساعدني بصلواتها لدى أبنها الحبيب ليدبر أمور حياتي . ونظراً لأني رأيت بعيني قبس من بهاء نور لاهوت المسيح ، فكنت أتسائل بيني وبين نفسي كيف للقديسة العذراء استطاعت احتواء هذا النور الإلهي في أحشائها دون أن تحترق ؟!

وقضيت أياماً طويلة أتأمل في ( العليقة ) التي أراها الرب لموسى في البرية ، وكيف رغم شدة النيران حولها إلا أنها بقيت سليمة ولم تحترق !!!

كنت أسأل نفسي في عجب :  كيف كانت القديسة العذراء تحمل ربها بين يديها وترضعه من ثديها ؟

ومن هنا بدأت أوقر وأكرم وأقدر أمي العذراء ، أم الطهارة والنور التي استحقت أن تلقبها الكنيسة بوالدة الإله وأستطيع القول بأن وجودي داخل الدير في السنة الأولى من إيماني  قد أفادني إيمانياً وعقائدياً وروحياً إفادة عظيمة لا زال استفيد منها حتى اليوم .

 

تجولت في أرجاء الدير مودعاً كل مكان فيه والدموع تملأ وجهي ، ففي هذا الدير المقدس عشت أجمل أيام حياتي ، سنة كاملة بدون خطية الشهوة وبدون كراهية وبدون أحقاد  كان شيء عجيب على شيخ مسلم نشأ على الظلم والشهوة والعنف والكراهية أن يعيش مثل هذه الحياة المقدسة المباركة التي أتمنى أن يعرفها المسيحيين الشرقيين المولودين في المسيحية والتي تسلموها أباً عن جد دون أن يعيشوا عمق حلاوتها داخل الصحراء حيث التجرد والقداسة والعيش مع الرب عيشه كاملة لا ينازعهم فيه شيء ، لا نساء ولا أولاد ولا جاه ولا سلطان ولا مال ولا أطماع ..

تذكرت هذه الأيام المباركة من عمري وكيف كنت أستيقظ في الثالثة فجراً لأحضر صلاة التسبحة مع الرهبان ، وكيف كنت أحضر ثلاث قداسات يومياً من الخامسة صباحاً حتى الثانية عشر ظهراً ، لأنه كان في الدير ثلاث كنائس ، منهم كنيسة أثرية تحت الأرض كانت في الأصل معبد فرعوني وثني ، ثم تحولت لكنيسة تحمل اسم قديس الدير ، وهو من آباء القرن الخامس الميلادي .

وأما الكنيسة الثانية بالدير فهي الكنيسة الكبرى وكانت  تحمل اسم القديسة العذراء مريم ، والكنيسة الثالثة فكانت تحمل أسم اثنان من القديسين .

وكنت أحضر قداس كامل في الكنيسة الأثرية تحت سطح الأرض ، رغم أنها كانت مخصصة تماماً للآباء الرهبان فقط ، ولكنهم كانوا يسمحون لي بالصلاة فيها ، وكانت صغيرة جداً لا تسع إلا أفراد قليلين أحياناً لا يزيد عددهم عن خمسة رهبان !!  وكان القداس غالباً ما يقام في هذه الكنيسة في الخامسة صباحاً وينتهي في السابعة ، وهو القداس الذي أتناول فيه ثلاث مرات متتالية وكانت لقمة الجسد كبيرة جداً ، وثلاث ملاعق من الدم المقدس . وبعدها أذهب للكنيسة الثانية لأحضر ما تبقي من القداس حتى نهايته ، ثم أذهب بعدها للكنيسة الكبرى والتي كان يصلي فيها الزوار بجانب الرهبان ، فأحضر ما تبقى من القداس .

ومجرد الانتهاء من هذا القداس الأخير ، أذهب وأجهز الطعام للكهنة الزوار في القصر .

وبعدها كنت أكنس مدخل الكنيسة ، وأنظف دورة مياه الزوار ، وأحياناً كنت أقوم بتحميل جرارات الدير بالحجارة المخصصة للبناء داخل الدير بعد تقطيعها من الجبل القريب 

وأحياناً كنت أعمل في المخبز ، أو أزور المزارع وأجلس مع الآباء الذين يرحبون بي ويعدون لي الشاي ، وكان هناك أب راهب قديس متواضع أسمه أبونا ( إ) وكان كلما يراني يقول لي : يقول يا أبونا (إ) يا حمار !!

فأقول له : العفو يا أبونا .

فكان أحياناً يمسكني من رقبتي ويقول لي مش هاسيبك إلا لو قلت لي يا حمار !!

وكان يفعل الأمر نفسه مع العمال في الدير !!!

وكنت قد التقيت بهذا الأب الراهب لأول بعد وصولي للدير بقليل ، إذ أثناء تجوالي أسفل أحد الجبال رأيت مغارة منحوتة في أعلى الجبل ، فصعدت إليها بصعوبة وطرقت بابها وكانت أبونا يعتكف بداخلها ولم يشاء أن يفتح لي ، لكني بكيت وظللت أطرق على الباب طالباً منه أن يفتح لي ليباركني ، ففتح أخيراً وذهلت عندما رأيت المغارة من الداخل ، كانت ضيقة جداً ومنخفضة للغاية ولم يكن بها شيء من الأثاث سوى سجادة صغيرة مهللة ولمبة جاز واو بور صغير وبراد شاي قديم وكوز صفيح صدئ يستخدم ككوب ، وكتاب مقدس قديم وكتاب بستان الرهبان .. ورحب بي وأعد لي كوب من الشاي وحكيت له ظروفي فباركني وصلى على رأسي وطلب مني أن أذهب إلى الرئيس السابق للدير، والمتواجد حالياً في البطريركية بالقاهرة ، وأسمه أبونا (أنسطاسي ) وأن هذه المغارة هي في الأصل راجعة له ، وكان يقضي بها أغلب أيامه ويقود ويدبر الآباء الرهبان والدير وهو بداخلها !!

وأنه لم يكن يغادرها إلا يوم السبت من كل أسبوع ويبقى في الدير حتى مساء الأحد وبعدها يعود إليها لأنه كان راهب متوحد  ، وقال عنه أنه رجل قديس وقوي ، وأنه يستخدم هذه المغارة بإذن خاص منه لقضاء خلواته الروحية  بها . وقال لي : أن هذا الأب سوف يساعدني كثيراً . ونفس الأمر كان يقوله أغلب آباء الدير ، الكل كان يريدني أن أغادر الدير وأسافر للقاهرة لمقابلة أبونا أنسطاسي في البطريركية ، لكني كنت لا أرغب في مغادرة الدير ، ولم أكن متحمس للذهاب للبطريركية لأنها مكان رسمي وعلى أبوابها يجلس أفراد من الشرطة ومن مباحث أمن الدولة ، وخشيت أن ترددي عليها قد يسبب في حدوث مشاكل للآباء .

لهذا السبب كنت أستبعد فكرة ذهابي للكاتدرائية ، وكنت أقول في نفسي : من أنت أيها المجرم حتى تدخل مقر رئاسة الكنيسة ، حيث قداسة البطريرك والآباء الأساقفة والكهنة ؟لذلك كنت أتجاهل هذه الدعوة ، وأقول إن شاء الله أن أذهب للبطريركية فسوف أذهب وأن شاء أن ألتقي بقداسة الأب أنسطاسي  فسوف أفعل .

وكان من ضمن الأماكن التي أتردد عليها داخل الدير الفسيح ،  مصنع الشمع .

وكان المسئول عنه أب راهب طيب القلب أسمه أبونا ( ي )  فكنت أزوره وأجلس معه وكان يرحب بي ويعد لي الشاي ويحدثني عن محبة المسيح للخطاة ، أما معظم وقتي فكنت أقضيه مع أبي الحبيب ( ب) الذي كان مسئول عن القصر الذي كنت أقيم فيه .

كنت حريص جداً أن أجلس مع الآباء الرهبان لأتعلم منهم ، وكان يدهشني فيهم بساطتهم ونقاوة قلوبهم  وطهارة نفوسهم ، أحببتهم واحترمتهم وصاروا معلمون لي ، ومع الأيام صرت كواحدً منهم ، وكانوا يحبونني ويخافون علي للغاية .

وكان أبونا ( ب ) المقرب جداً من قلبي هو أول من علمني ( المحبة العملية المسيحية ) وكان يأخذني لقلا يته لنصلي سوياً بداخلها ، وكنت لا أقدر على مواصلة الصلاة واقفاً لأنها كانت تمتد بالساعات ، فأضطرر للجلوس أرضاً بينما كان أبونا يواصل الصلاة واقفاً وبدموع حارقة كانت تلهب ضعفي ، كان يضع أمامه صوره كبيرة لجنب المسيح المطعون ، وكانت صورة مؤثرة  تجلد خطاياي وآثامي .وقد علمني هذا الأب المبارك كيف احب العذراء والكنيسة والقديسين والبابا شنودة وكيف احب العطاء للفقراء والمتألمين ، كان عبارة عن كتلة من الحب والعطاء [2].

تذكرت كل ذلك وأنا أغادر الدير مودعاً كل شيء فيه بدموع ، راجياً من الرب أن يكمل  ما بدأه معي ، ونزلت إلى العالم واثقاً في قوة الرب وفي حسن تدبيره لحياتي ولسان حالي يقول احسبني كبهيم عندك .

 

  

العودة إلى العالم وبداية الأوجاع !!!

 

وأثناء عودتي للعالم ركبت أحد سيارات الأجرة ففوجئت بالسائق يشغل جهاز كاسيت السيارة ويضع فيه أغنية عاطفية لأم كلثوم !!  فجاء صوتها نشازاً !! وابتسمت ابتسامة ذات مغزى وأنا أقول : هاأنا قد عدت إلى العالم ثانياً !!

لأن الدير لم يكن جزء من العالم ، بل قطعة من الملكوت على الأرض ، وكان الرهبان هم الملائكة الأرضيين لذلك فعندما عدت للعالم شعرت بغربتي عنه ،  فقلد بدل الدير من داخلي الكثير من العادات ،  كنت زمان أحب سماع أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ، ولكن الآن لم أعد اهتم بسماع مثل هذه الأشياء ، فالمسيح ملك علي كل مشاعري وأحاسيسي حتى لم يعد مكان في قلبي بغيره ، ومنذ هذا التاريخ  لم أسمع أغاني ، ولو تصادف وسمعتها في الطريق فلا تحرك مشاعري أو عواطفي ، بل أصبح صوت القداس والترانيم والعظات هم فقط الذين يحركون كل مشاعري .

 وهذا من تأثيرات الآباء الرهبان التي بقيت معي حتى الآن .

 

 

بواب وخدام مع المسيح ولا سيد مع الشيطان!!!

 

نزلت إلى القاهرة وتوجهت مباشرة إلى منزل أبينا الحبيب القس القديس : بولس شاكر ، فاستقبلني بترحاب كبير ، وسألني عن أحوالي وما استفدت منه ببقائي بالدير ، ولاحظ هو التغير الذي طرأ على حياتي ،             ثم همست في أذنه قائلاً بفرح :

أنا يا أبونا لم أقع في خطية الشهوة لا بالفكر ولا بالعمل خلال العام الذي قضيته بالدير !!

فقال لي أبونا : هذا شيء عظيم يا أبني ، لكن كن على حذر لأن إبليس لن يسكت ولن يتركك في حالك ، أحترس لنفسك من هذه النقطة الحساسة لأن هذه الخطية طرحت كثيرين جرحي وكل قتلاها أقوياء .

وأنت الآن مسبى في حب المسيح لأن محبتك له الآن ساخنة ،  فلا تسمح بأن تبرد ، لأن هذه المحبة النارية  لو بردت فسوف تفتر رو حياتك وتهمل نفسك ولا تعد مدققاً فتسقط ، لذلك كن محترساً .

قال هذا ثم طالبني بتحمل المرحلة القادمة في سبيل إتمام المصالحة بيني وبين الله .

وقال لي :

أنت الآن بقيت نصف راجل يا صموئيل ، ولابد لك أن تحتمل بقية البرنامج الروحي المعد لك لتكمل النصف الثاني من رجولتك المسيحية ، فالرجولة المسيحية هي قوة تنتصر على الضعفات وتحتمل كل شيء في سبيل المسيح ، وليكن معلوماً لديك بأنك كلما كبرت في الإيمان والمعرفة ، كلما سمح لك الرب بالألم لتقوية إيمانك وخلال السنة الماضية كان الرب يعرف أنك لم تزل طفلاً مبتدئ ، لذلك وفر لك مكان آمن تعيش فيه للتتعلم ويشتد عودك ، ولكن الآن فتوقع أن تتحمل المسؤولية ، فسوف تتعرض للتشرد والإهانات والفقر والمطاردات وسائر الأوجاع ، وعليك أن تحتمل كل شيء برجولة وصبر وصمت .

 

وأحسست من كلام أبونا بولس أنه يعد لي برنامج روحي صعب وقاسي وهو الجزء الهام من تأديبي الروحي وكسر نفسي من الداخل ..

وفوجئت به يقول لي :

أنت فاكر يا أبني لما قلت لي السنة اللي فاتت أنك تحب المسيح حتى الموت ومستعد أن تفعل أي شيء في سبيله ؟

فقلت له : طبعاً يا أبونا فاكر ، وأنا لازلت عند كلامي .

فصمت قليلاً ، ثم بادرني قائلاً :

ما رأييك تشتغل بواب في عمارة ؟؟؟!!!

فظننت أني سمعت خطأ ، فقلت :

ماذا قلت يا أبونا فأنا لم أسمع جيداً !!

فقال أبونا القديس الحكيم :

قلت تشتغل بواب في عمارة ، تمسح وتكنس السلالم ، وتغسل السيارات ، وتشتري الخضار للسكان من السوق ، وتجلس على باب العمارة لحراستها ..

ما رأييك عمل حلو أليس كذلك  ؟؟!!!

 

فصعب الأمر على ولذت بالصمت .

فقال أبونا : لماذا صمتت يا صموئيل ولم تتكلم ، هل صُدمت من كلامي ؟

فقلت : لا يا أبونا ، ولكن ألا يوجد عمل آخر غير البواب ؟!

فقال : إيه يا صموئيل جرى لك إيه ؟

يعني وشك تغير وتبدل لما سمعت كلمة بواب ، هو أنت ندمان لأنك تركت عملك ومركزك وسوف تصير بواب ؟

فقلت : لا يا أبونا ولكن حضرتك فجئتني بمثل هذا العمل الغريب .

فقال أبونا : أسمع يا أبني أنت الآن بلا سكن ، ولا زلت مطارداً  من ( المقاومين ) ولابد أن تختبئ في مكان آمن  ما حتى تهدأ الأمور ، ثم لا يوجد أحد من أعدائك يتخيل أنك ممكن تعمل بواب في عمارة ، وفي نفس الوقت ستكون فرصة لنموك روحياً لتتعلم حياة الانكسار وانسحاق القلب وكلما تذللت أمام الرب ، كلما أشفق عليك ورفعك وعوضك عن كل تعب من أجل أسمه ، عليك يا أبني أن تنسى نفسك وتنسى كرامتك وتتشبه بسيدك الذي لم يكن أين يسند رأسه والذي أفتقر من أجل أن يغنينا .

 

أصغيت إلى حديث أبونا بولس بكل اهتمام ، ووجدت نفسي أتذكر تفسير الآباء الرهبان للرؤيا التي رأتها أمي في الدير ، فقلت في نفسي :

الرهبان يقولون أني سأصير مبشر ، ولكن هاهي الكنيسة في شخص أبونا بولس تأمرني بان أصير بواب !!

فأيهما أصدق ؟!

أصدق الممكن والمتاح .. وهو في هذه الحالة أن أكون بواب ( أحقر عمل يمكن أن يقوم به إنسان في مصر ، حيث يمسح سلالم العمارة ويشتري الخضار للهوانم من السوق ويغسل السيارات ويحمل حقائب السكان ويكون عرضه لاستهزاء الأطفال المرفهين المدللين ، وبقية اليوم يجلس على باب العمارة لمراقبة الداخلين والخارجين ، وطوال الليل يسهر لحراستها من اللصوص ، ويأتيه زبائن الليل ليسألونه عن شقة مفروشة لقضاء أوقات محرمة مسروقة ، بواب تناديه الهوانم لينظف زجاج النوافذ ويغسل الصحون ويمسح البلاط وكأنه امرأة شغالة ، عمل صعب لا يمكن أن يقوم به أي شاب ، بل غالبيتهم من الجهلاء الأميين النازحون من الريف ممن لم يتلقوا أي تعليم مهني أو حرفي ، عمل بلا كرامة لا يقدم عليه إلا نوع من البشر ماتت كرامتهم تحت وطأة الجهل والفقر وقد يبدوا هذا العمل مقبول في الغرب ، لكنه في مصر يعتبر عمل مكروه ومحتقر ونوع من العبودية والذل والمهانة وخاصة بين السكان المستهترين بالقيمة البشرية فيتعاملون مع البوابين باستعلاء وينظرون لهم على أنهم مجرد حيوانات ناطقة غير نظيفة  )!!

وأنا بحكم ما ارتكبته من خطايا وتجديف في حق الفادي الكريم صرت مستحقاً للقيام بمثل هذا العمل التأديبي .

وهو عقاب إلهي عادل لتطهيري من غروي وكبريائي وعزة نفسي ..

ثم وجدت نفسي أقول :

من أنا حتى أصير مبشراً باسم المسيح إلهي ؟

يكفيني أن أكون بواب عنده ، ألم يقل القديس بولس ومن قبله داود النبي ، احسبني يا رب كبهيمة عندك ؟

والبواب هنا حاله أفضل من حال البهيمة .. وأنا لو كنت إنسان نظيف مثل داود وبولس لجعلني الرب بهيمة عنده ، لكن نظراً لقذارتي فاكتفى بأن يجعلني بواب عنده .

استيقظ أيها النائم وقم من الأموات وأشكر ربك لأنه تنازل ودعاك لنور محبته ..

أيها المتكبر المتعجرف حان الوقت لتنحني وتنزل إلى أسفل ،  لأنه هاهو  سيدك نفسه بجلالة قدره وعلو مكانته ، هاهو ينحني  وينزل من عليائه إلى العالم ليخدم الكثيرين ، بل وغسل أرجل تلاميذه ، فمن أنا حتى أعتبر نفسي سيد ؟

كلا أنا لست سيد ولن أكون ، أنا مجرد بواب حتى لا أنس نفسي وما ارتكبته من مظالم ، وعموماً بواب ولا خدام مش مهم عندي ، فالمهم عندي هو أن أكون مع حبيبي يسوع ربي الذي فداني وخلصني وأحياني ، لأته ما الفائدة لو ربحت العالم كله وخسرت ربي ؟

صموئيل البواب

 

فقال أبونا : أنا الأول كنت أسميك صموئيل ( المعترف ) ، لكن من الآن وصاعداً فسوف  أسميك   صموئيل ( البواب )!

ثم رمقني بنظرة فاحصة ليرى تأثير هذه العبارة على نفسي ، فابتسمت وقلت له :

المهم يا أبونا هو أن أبقى صموئيل ابن المسيح ، سواء كنت ( المعترف ) ، أو( البواب ) .

ففرح أبونا من إجابتي وربت على كتفي وهو يقول : يبقى اتفقنا يا بطل ، غداً تأتيني لأذهب معك وأريك عملك الجديد .

 

غادرت منزل أبونا وأنا في غاية الذهول ، وبدأ الشيطان يلعب برأسي ، فقال لي :

ماذا يريد منك هذا الأب الكاهن العجيب ؟

ولماذا يتعمد إذلالك دوماً ؟

فكنت أحارب الشيطان بفكر مماثل ، فأقول له :  أبعد عني أيها الشيطان ، أنا ضعيف ولست في مثل قوتك ، ثم أن أبونا من حقه أن يتأكد أكثر من صدق إيماني وجديتي في تبعية  المسيح . ولعله يريد أن يكسر نفسي من الداخل ، حتى يقتل آخر ما علق بي من كبرياء ؟

فيرد علي الشيطان :  إذا كان الله نفسه ظهر لك وطهرك وأعفى عنك ، فمن هو أبونا حتى يعاقبك ويؤدبك ؟

فكنت أرد عليه قائلاً :  أبونا لا يعاقبني ولا يؤدبني ، بل يعلمني ويهذبني .

والرب نفسه هو الذي يرشده ليعاملني بمثل هذه الطريقة ، كما أنني لابد أن أثبت للكنيسة ( بشكل عملي ) ، بأنني مستعد في سبيل المسيح أن أفعل أي شيء .

 

كان أبونا بولس ( بحسب إرشاد المسيح له ) يتعامل معي كجراح  يستخدم المشرط الجراحي بدقة ومهارة لاستئصال الأورام الخطرة من جسدي المريض لإنقاذي .

فلقد أختار الرب هذا الأب المبارك ليقودني روحياً في بداية الطريق ليؤسس إيماني المسيحي على  الصخر ، حتى متى هبت الرياح على إيماني  يصمد ولا ينهار .

لأن تبعية المسيح ليست نزهة ، بل هي رحلة محفوفة بالمخاطر ، وعلي أن أثبت لأبرهن للجميع صدق إيماني بالمسيح الرب . وقلت في نفسي :

حسناً أيها العبد النجس البطال ، فالله بنفسه يريدك أن تكون بواب وخدام في البيوت ، أنه يريد أن يطهرك بالضيقات ، ويريد أن يشعرك بفداحة جرمك في حقه ، الله يتعامل معك بطريقة فيها عتاب أبوي ، يريد أن يؤدبك برحمة ليستوفي عدله منك ، وفي نفس الوقت ليشد من عودك ، وليجعل منك رجل مسيحي لا يهاب شيء في سبيل الإيمان .

وأنت أيها العبد الشرير.. يا شيخ الجامع .. يا من عشت عمرك كله مقاوماً لإلهك ، وترفهت كثيراً على حساب معاداتك لأسمه الكريم ، قد حان الوقت أيها النجس لكي تتألم من أجل هذا الاسم ، ولكي تدفع ثمن رمزي لخطاياك وتجدي فاتك ، فالمسيح مات من أجلك على الصليب ودفع ثمن خطاياك ، ولكنه يريدك الآن أن تعرف وتقدر قيمة الخلاص والغفران وأن تشترك معه في ألم الصلب ، حتى يكون لك نصيب في بهاء القيامة .. وعليك أن تحتمل هذا التأديب الإلهي لأن الذي يحبه الرب يؤدبه .

فأي أب لا يؤدب أبنه ؟

فوجدتني أقول لنفسي :  لو جلدتني يا رب  فأنا راضي ، لو مسحت بكرامتي الأرض فأنا مسرور ، أنا بحبك يا رب ومش ممكن اسيبك ويكفيني أن أقع تحت عصا تأديبك ، وليس تحت عصا البشر ، لأن تأديبك رحمة وحب ، وأنا اعتبرت نفسي كبهيمة عندك ، نعم بهيمة تسحبها وتجرجرها كما  تشاء ، وإلى حيث تريد ، ولن أسمح لشيء أيا كان أن يفصلني عنك ، فأنت ربي وأنت إلهي وأنت أبي ، وأنا عبدك وخادمك وأبنك وأفعل بي كما يحلو في عينيك .

 

في الغد ذهبت إلى أبونا فأخذني بسيارته إلى عمارة في منطقة المهندسين وكانت على ما أذكر مكونة من ثمانية  طوابق ، وليس بها أسا نسير ، ويملكها دكتور صيدلي إنجيلي ، ولكن يسكنها أربع عائلات من     الأقباط ، وبقية السكان كانوا  من المسلمين .

 

غرفة معيشة في صندوق الكلاب !!!

 

وأراني أبونا موضع إقامة البواب ، فكان موضع صعب جداً يدل على جشع وطمع صاحب هذه العمارة وعدم إنسانيته ، لأنه عندما أشاد هذه العمارة أعتبر أن البواب هو مجرد حيوان في حجم الكلب !!  لذلك خصص لسكن البواب في بدروم العمارة مساحة لا تزيد عن مساحة صندوق الكلاب ! إذ لا تزيد مساحته عن متر مربع !!!

وكان هذا الصندوق يطل على المركز الرئيسي للصرف الصحي للعمارة وشبكة التوصيلات الكهربائية ، وكان مليء بالفئران والحشرات .. شيء صعب لم أره له مثيل من قبل

وهنا حاربني الشيطان فقال لي : كيف تعيش في هذا المكان الصعب الذي يتعفف الحيوان من العيش فيه ؟

وكانت أمامي مكنسة كبيرة ملقاة بجوار الحائط ، فأخذتها وقلت بصوت عال :

خدام مع المسيح ولا سيد مع الشيطان .

 

وصعد بي أبونا للقاء أحد السيدات المسيحيات من ساكنات العمارة ، وكانت أرملة مسنة تقية ، وأوصاها     علي كثيراً بدون أن يذكر لها أي شيء عن حقيقة ظروفي .

وبعدها هبطت إلى البدروم وظللت طوال اليوم انقل أكوام النفاية من هذا المكان وأنظفه  أنا أرنم للرب فرحاً ومسروراً قائلاً : نصيبي هو الرب ، هكذا قالت نفسي !!!

 

كنت آنذاك لم أزل شاباً في السابعة والعشرون من عمري ، مملوء اً بالحيوية والنشاط ، ولا أشكو من           أي مرض أو ضعف أو تعب ، وفضلاَ على ذلك فكانت نفسي تشتاق للعيش مع المسيح الذي سباني بحبه .. فنسيت نفسي وطوال النهار أحمل أكوام القمامة من مكان إقامتي الجديد وأسير بها لمسافات طويلة لإلقائها بعيداً ، وهكذا نظفت المكان وطهرته من الحشرات وصار صالحاً للسكنى بداخله ..

لكن فجأة تذكرت أني لا أملك أي شيء من لزوم المعيشة الضرورية !!!

فليس لدي كوب أشرب به الماء !

ولا طبق أكل فيه الطعام !

ولا مقعد أجلس عليه !

ولا سرير أنام فوقه !

 ولا غطاء أدثر به !

ولا مال أتعيش منه !!!

بل ليس لدى أي شيء البتة سوى إيماني بالمسيح ربي وإلهي عريس قلبي وحبيب نفسي وأبي الحنون المعتني بي كما لو كنت طفله الصغير .

وقلت بإيمان وثقة : ربنا يسوع المسيح سوف يدبر كل ما أحتاجه .

وما هي إلا لحظات حتى صاحتا علي سيدتين مسيحيتان من سكان العمارة الأولى السيدة الأرملة المسنة مدام  ( ب ) والثانية كانت سيدة متزوجة بارة جداً ، وهي مدام ( م ) كانت في منتصف العمر وتملك قلب مسيحي  من ذهب ، فصعدت إليهن وفوجئت بمدام ( م ) تعطيني ( دجاجة ) وكيس أرز ، وكيس ملوخية مجمدة وخبز ، وتقول لي : أنت تعبت اليوم في تنظيف البدروم ولابد أن تأكل الآن ، فخذ هذه الدجاجة وأطبخها وكلها يا أخ صموئيل ( ولم تقل لي يا بواب ) !!!

فقلت لها : شكراً يا سيدتي ،  ولكن ليست لدي آواني طهي ولا  بوتاجاز !!

ففرت دمعة من عينيها وهي تقول :

ليس عندك أي شيء ؟!

فقلت لها : لا ، بل عندي إيماني بالمسيح !!!

فربتت بيدها الحانية على كتفي وهي تقول : طوبى لك يا أخ صموئيل ..

قالت هذا ثم دخلت مطبخها وأحضرت لي آنية طهو بالبخار !!! ومعها وأبور جاز صغير ومبلغ خمسة جنيه !!

وأما السيدة الثانية مدام ( ب ) فأعطتني طبقان وملعقتان وكوبان وبراد شاي وكمية من السكر والشاي والزيت والصابون ..

وهكذا صار عندي مطبخ صغير !!!

فشكرت الرب وقلت لزوجتي : شفت يا مريم ربنا حنين قد إيه ؟!

قالت : أيوه طبعاً ، بس فكر بقى يا بطل إحنا سوف ننام فين ؟  وإزاي ؟!

فقلت لها : إحنا ممكن نحشر نفسنا بداخل هذا الصندوق الخشبي !

فقالت : ممكن ولكنه صغير جداً ، ثم هو مجوف من الداخل !!

فقلت لها : بسيطة ، أنا سوف أتصرف وأجعل منه سرير !!

ثم أرسل لي الرب ألواح خشبية فأخذتها ونظفتها وصنعت منها ما يشبه بموله السرير وهكذا ملئت بها فراغ الصندوق !! فصار مسطح ومستوياً ، ثم أحضرت ورق كرتون وفرشته عليه ليكون بمثابة مرتبة !!!،       وهكذا أصبح شبه سرير ، ولكن بقيت مشكلة الغطاء والوسادة !!

 

وسمعت إحدى السيدتين تنادي علي ، فلما صعدت إليها فوجئت بها تسألني قائلة :

هل تحتاج لبطانية لتتغط بها ؟!! ووسادة لتضع رأسك عليها ؟!

فبكيت تأثراً من محبة المسيح ، وكيف أنه لا يهمل احتياجات أولاده المتألمين من أجل أسمه .

 

يا سلام يا أخوة لما الناس تسلم نفسها بين أيدي المسيح ، وترمي عليه كل أحمالها ؟

فهو يرعاهم ويهتم بهم ويلبي كل احتياجاتهم كما لو كانوا أولاده الصغار .

وانظروا بأنفسكم ما عمله المسيح معي فأنا لا أحكي لكم حدوتة ،ـ بل أنقل لكم واقع عشته ولا زلت أعيشه ، فإلهي الذي أظهر لي ذاته في الكعبة ووعدني بحمايتي وتلبية كل احتياجاتي ( رغم كل شروري ) هو نفس الإله الذي اعتنى بي طوال سنوات عمري السابقة ، ولا يزال يعتني بي وسيظل يعتني بي حتى الموت لأن وعوده صادقة وعطاياه بلا ندامة والدليل الذي أقدمه هو بقائي حياً حتى اليوم رغم كل ما تعرضت له من مكائد من الغرباء والأقرباء على حداً سواء ، ومحاولات الإيذاء التي نجاني منها إلهي ولم يزل ينجيني .

أخذت البطانية والوسادة وعدت لزوجتي وأنا أقول لها فرحاً بمعونة الرب لي :

أنا مش قلت لك يا مريم أن ربنا حنين وسوف يهتم بنا ؟!

شوفي في لحظة واحدة دبر كل احتياجاتنا الضرورية صحيح ربنا لا ينسانا ونحن أولاده صنعة يديه ، احنا عايشين اختبار مسيحي جميل ومعزي ، صرنا مثل طيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد لكن الرب يقوتها .

ثم أخذت زوجتي الدجاجة وقامت بطهيها مع الأرز والملوخية وهذه الأكلة بالذات زوجتي بارعة فيها جداً ، كانت ست بيت ممتازة ومدبرة وراضية بالقليل ولم أسمعها تشكو لحظة واحدة من شغف حياتنا منذ أن صرنا مسيحيين ، بل كانت تتقبل كل شيء برضا وشكر ، وكانت تتفنن في ترتيب المكان بطريقة عجيبة ، ونظراً لأنه لم يكن لدينا دولاب للطعام ، فلقد اخترعت شيء جميل للحفاظ على الطعام بعيداً عن تطفل الحشرات :

أحضرت قفص جريد ووضعت حوله قماش نظيف لتغطيته ، ثم أحضرت حبل طويل وعلقته في السقف فصار القفص أو الثلاجة الجديدة يتدلل في الهواء !!!

وبعدما أكلنا وشبعنا قامت بإعداد الشاي ، وتناولناه على صوت القداس من جهاز الكاسيت الصغير ( وكان الجهاز الوحيد الذي نمتلكه ) ورغم هذا الشغف المعيشي إلا أنني كنت أشعر كما لو كنت ملكاً  متوجاً  في هذا المكان البسيط  وقلت لها :

ثقي يا مريم أن ربنا  لن ينسانا طالما نحن متمسكون به ، وأنا لن أتركك ولن أجعلك تتعرضين لأي ضيق .

وبالرغم من هذه الحياة الصعبة جداً ، إلا أنني شعرت براحة كبيرة ولم أكن أتخيل أبداً أنني يمكن أن أعيش في العالم حياة أكثر تقشفاً من حياة الدير في البرية !!

لأمر الذي أثار تعجب أحد الآباء الرهبان الذين كنت على اتصال بهم عبر المراسلات ، فأرسل لي يقول :

كنت أظن أني راهب أعيش حياة الفقر الاختياري ، حتى وصلتني رسالتك التي شرحت لي فيها ظروفك الأخيرة  فأدركت أنني لست راهب حقيقي ، لأنه عندي سرير أنام عليه وغطاء أتغطى به وكل المستلزمات المعيشية متوفرة لدي ولدى بقية الرهبان ، بينما أنت رغم أنك متزوج ولست راهب ، إلا أنه  ليس لديك أي شيء ،        بل تركت كل شيء من أجل المسيح ، وهاأنت تُهان من أجل أسمه وتصير بواب وخدام في البيوت ،  فصرت بذلك راهب حقيقي ، بينما أنا وغيري علمانيين ، أو رهبان مترفهين ، أنا كنت أعرف من البداية أنك رجل يا صموئيل وأنك سوف تحتمل كافة الصعوبات من أجل السير وراء إلهنا المحبوب ..

سوف أحاول أن أرسل لك من الدير كرتونة بها مواد غذائية لأنك صرت تعيش داخل دير حقيقي وهذا الصندوق الصغير الذي تعيش بداخله وحكيت لي عنه ،هو في الحقيقة قلاية راهب زاهد ، بل تعتبر أصغر  قلاية في العالم !!  ثق أن الله سوف يعوض تعبك من أجل أسمه وسوف تأتي عليك أيام تتذكر فيها هذه الصعوبات وتضحك عن كل ما جرى لك في بداية الطريق .

 

والحقيقة أني فعلاً عشت حياتي كراهب وسط العالم ولا سيما في هذه المرحلة التي كنت فيها أعيش حياة زهد وتجرد عن كل شيء ، ورغم صعوبة هذه المرحلة إلا أنني كنت أشعر بسعادة تملأ قلبي ، سعادة لا يعبر عنها ، فلقد  صرت أنام الآن مطمئناً لأن المسيح معي ، وصرت أشعر بسلام كبير لإيماني المطلق بأنه مهما قام العالم علي إلا أن الرب معي يسير معي خطوة بخطوة ويحميني ويحرسني ويهتم بي كما لو كنت طفله الوحيد !!

وكنت أقول لنفسي : طالما المسيح معي فأنا  لا أريد شيئاً آخر على الأرض ، فهو كفايتي وهو غناي ويكفيني حبه ، و يكفيني رضائه عني ، فأنا أبنه وهو أبي وهذا يكفي ..

هكذا صار المسيح هو كنزي ، وهو سعادتي ومهجة قلبي ، ولم أكن أرى – ولا أريد أن أرى – أي أحد في الدنيا سواه وحده ، وكنت أشعر في كل ليلة بأنني أبيت في أحضانه الأمينة .

فأبكي فرحاً لأن الرب قبلني إليه ولم يرفضني ولم يلفظني ، وصغرت الدنيا في نظري صارت لا تسوى شيء أمام عيني ، كل ما كان يعنيني آنذاك هو الثبات في الرب حتى النهاية ، والالتصاق به إلى آخر يوم من عمري .

وبدأت أشعر بزهد كامل في كل شيء ، فلا أريد شيء ، ولا أطلب شيء ، حتى مشاعري الخاصة كرجل فوجئت بها تتلاشى ويحل محلها مشاعر أخرى في غاية السمو ، مشاعر إنسان مسيحي مكتفي بالرب وحده .

وفقدت التمييز بين رؤيتي للمرأة أو للرجل ، إذ أصبحا الاثنان عندي سواسيه ، ماتت بداخلي أمور بشرية معينة ، فلم يعد يؤثر في أي إغراء من أي نوع .

ولم أعد أشتهي أي شيء ، ولم يعد يلفت نظري أي شيء مما أراه من حولي ، وهي أمور كانت في السابق تجعلني ألهث وراؤها كالكلب .. لكن الآن نزع الرب هذه الأنتان ، وحل محلها محبته التي حاصرتني فلم تجعلني أشعر بنقص أو احتياج إلى أي شيء آخر

كنت أستيقظ من نومي في السادسة صباحاً ، وأول ما أفعله هو الصلاة من الأجبية كما علمني بذلك آبائي الرهبان الأتقياء ، ثم القراءة من الكتاب المقدس ، وبعدها أصعد إلى أخر طابق من العمارة ومعي مكنسة لأكنس السلالم من أعلى إلى أسفل ، وأصلي للرب بدموع قائلاً له :

يا رب أكنس خطاياي !!

وبعد الانتهاء من الكنس أصعد ثانياً ومعي دلو كبير به ماء وقطعة قماش كبيرة لأغسل السلالم ،

وأقول للرب : يا رب أمسح  ذنوبي !!!

كانت دموعي تتساقط على درجات السلم ، ولم تكن دموع انكسار بقدر ما كانت دموع فرح بالرب يسوع المسيح الذي فتش عني حتى وجدني وأحياني من بعد موت .

 

وكنت حريص جداً على إبعاد زوجتي عن القيام بمثل هذه الأعمال المهينة الشاقة ، لأني كنت أعتبرها تأديباً إلهياً موجهاً لي وحدي ، رغم أنه من المعروف أن زوجة البواب هي شغالة في البيوت ، لكني أفهمت السكان بأنني وحدي المسئول عن القيام بكل هذه الأعمال ،وأن  زوجتي ليس لها أدنى صلة بعملي كبواب ولذلك فلا يحق لأحد من السكان أن يطلب منها القيام بأي عمل .

لذلك فكانت زوجتي تلازم الغرفة ( الصندوق ) ولا تغادرها لأي سبب من الأسباب ولا تحتك بالسكان نهائياُ .

وكنت أرى أنه من واجبي ( كرجل مسيحي ) هو الحفاظ على زوجتي باعتبارها ( وزنة )  أعطاها لي الرب لرعايتها ، والعمل على أبعادها تماماً عن أي مشاكل متعلقة بهذا العمل المؤلم وكنت أخاف عليها جداً لئلا تعثر من تصرفات السكان وخاصة المسيحيين منهم .لذلك فكانت بعيدة تماماً عن كل ما مررت به من مآسي طوال فترة بقائي كبواب وخدام .

لذلك فكنت أقوم بكل مهام العمل وحدي ليل نهار .

وكان يحدث يومياً بعد فراغي من كنس ومسح سلالم ومدخل العمارة ، أن أهبط إلى الغرفة الضيقة لأتناول طعام الفطور على عجل وأنا استمع إلى شريط القداس بصوت أبونا يوسف أسعد ، أو عظة لقداسة للبابا شنودة ، كانت هناك ثلاث عظات أحبهم جداً هما :

الرجاء & الصليب في حياتنا & معك لا أريد شيئاً على الأرض . وكنت أتعزي كثيراً بهذه العظات ..

ثم تصيح علي الهوانم : أنت يا بواب تعال اطلع بسرعة !! فأصعد لهن وأنا أقول لنفسي :

اطلع إلى أسيادك أيها البواب الحقير ، فهذا جزاء عادل لجرائمك في حق إلهك .

ثم أطرق كل الشقق لسؤال الهوانم عما يرغبن في شرائه ، فكن يكلفنني بشراء الجرائد الصباحية والخبز وطعام الفطور ،  ثم أخذ حقيبة كبيرة وأذهب بها للسوق لشراء حاجياتهن وفي الطريق أرنم الترانيم الحلوة المعزية التي حفظتها في الدير ..

وكان شكلي مضحك للغاية بالجلباب المخطط والخف الذي أرتديه في قدمي مثل أي بواب نازح من الريف !!

وكنت أحياناً أتذكر ما كنت عليه من رفاهية في الماضي ، وكيف بعدما كنت أوزع يومياً 300 جنيه على الفقراء ، صرت أتقاضى راتباً 48 جنيه في الشهر !!!

ولو قمت بتنظيف شقة أتقاضى خمسة جنيه ، ولو غسلت سيارات السكان فكنت أتقاضى ثلاثة جنيه شهرياً عن كل سيارة ، وبذلت كل جهدي لزيادة دخلي حتى أتمكن من سداد عشور الرب وأكفي احتياجات زوجتي وأمي .

وكان إجمالي دخلي من العمارة ومن تنظيف الشقق والسيارات حوالي 120 جنيه شهرياً بأسعار عام 1988 بينما كان دخلي من الجامع 500 جنيه شهرياً ويضاف عليهم حوالي 400  دولار أمريكي شهرياً يتم تحويلهم من السعودية إلى حسابي ببنك فيصل الإسلامي فضلاً على المخصصات والمكافآت الكثيرة التي كنت أحصل عليها ، مع الفرق بين عملي كرجل دين ، وبين عملي الآن كبواب وخدام .

وعندما كانت نفسي تحدثني هكذا ، كنت أرد عليها قائلاً : ما بالك أيتها النفس الشقية القبيحة تذكريني بهذا الماضي الكئيب ؟

سيدك يا نفسي عندما ولد ، لم يجد له مكان يستقبله سوى مزود الحيوانات ، رغم أنه رب المجد الذي لا تسعه السماء ، ولا سماء السماوات . سيدك يا نفسي عاش فقيراً رغم أنه يملك كنوز الأرض والسماء ،  وكل رزق الإنسان والحيوان في يديه ليعطيهما طعامهما في حينه كل يوم .

سيدك يا نفسي لم يكن له أين يسند رأسه ،  رغم أن الأرض بمن عليها والسماء بمن فيها ،هو صانعهما ، فالسماء كرسيه والأرض موضع قدميه .

فليس عجيباً ولا غريباً يا نفسي أن أكون بواب وخدام من أجل أسمه .

 وهكذا كنت ممتلئاً بالإيمان والرجاء والتعزية .

 التكملة في الكتاب المطبوع .

 

 

 

 

إلى مقتطفات من كتاب :

نحن والآخر

 ( ج 1)

 


 

[1] تحقق هذا الأمر بحذافيره عندما ألقيت أول عظة في حياتي داخل الكنيسة ، وكان ذلك في مصر أبان خدمتي في الحالات الخاصة عندما كلفني أبي الروحي ورئيس خدمتي بإلقاء عظة بأحد الاجتماعات الروحية في الكنيسة ، وكنت في بداية الأمر في غاية الخجل والارتباك ، ولكن بفضل تشجيع أبونا وبعض الأخوة الشمامسة الإكيلريكين واصلت إلقاء العظة لمدة نصف ساعة ، وبعدها تلاها عظات أخرى في كنائس متعددة ، ولما خرجت من مصر ألقيت الكثير من العظات داخل الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية والبروتستانتية ، وبذلك حقق الرب طلبتي وصرت أعظ في الكنائس بعدما كنت أعظ في المساجد وبعدما كانت الناس تناديني بالشيخ محمد ، صارت تناديني بالمبشر صموئيل !!

 

[2] العجيب في هذا الأب المُحب الكريم والمقرب جداً من نفسي ، أنه بعد رهبنة  شاقة دامت 24 سنة قرر مغادرة الدير على أثر خلاف بينه وبين أحد الرهبان الجدد ، وبعد العديد من المواقف والأحداث قرر حلق لحيته ونزع الزي الرهباني والعودة من جديد كإنسان مسيحي عادي ،  لكنه لا يزال يحتفظ بعهد رهبانيته وطهارته ،ولا يزال نور المسيح فيه ، ولا يزال كما هو بمحبته وعطفه الكبير على الناس ،ورغم أنه لم يعد ( أبونا ) إلا أنني لا زلت أدعوه بأبونا وعندما رأيته بهيئته الجديدة بكيت بكاء مراً ، وتمنيت من الله أن يعيده إلى الدير ثانياً لأنه مكانه الطبيعي .

ولا تزال علاقتي به قائمة منذ 15 سنة وحتى اليوم ، وكل الآباء يشهدون له الشهادة الحسنة لأنه لم يفعل أي مخالفة تؤدي لعزله ، إنما هو الذي عزل نفسه بنفسه واختار هذا الطريق ، والطريف أنه كان أول من علمني محبة الكنيسة والقديسين وأول من عرفني بقداسة البابا شنودة من خلال عظاته التي كان يعطيني إياها لسماعها والتلمذة عليها في بداية إيماني ، ولذلك فعندما التقيت به بعد سبع سنوات ذكرته بكل ما كان يعلمني به عندما كنت في الدير ، وأعلنت أمامه تمسكي الشديد بإيمان كنيستي الأرثوذكسية ، ومحبتي العظيمة للقديسين وإيماني بوجوب شفاعتهم ، واحتجاجي على تركه الدير وإزالة لحيته ونزعه ملابسه الرهبانية ، وهي الأمور التي صار له آراء أخرى عنها بسبب ما رآه من البعض ، وصار يتهمني بالتعصب الطائفي للأرثوذكسية !!!

ورغم محبتي الكبيرة له إلا أن آرائه الجديدة هذه غير الأرثوذكسية لم تؤثر بالسلب على إيماني الكنسي الأرثوذكسي ، بل ومن الطريف أنني صرت نداً له في المناقشات وصار يفصل بيننا طريقان مختلفين ، رغم ذلك بقيت محبته في قلبي وثقتي فيه لم تهتز واحترامي له لم يسقط ، لأنه ذو فضل كبير علي ، وهذا هو العرفان والوفاء وهذه هي المحبة المسيحية الأصيلة ، فأنا أحبه واختلف معه في نفس الوقت ، وخلافنا لا يفسد محبتنا .