يمين الرب صنعت قوة

يمين الرب رفعتني فلن أموت بعد بل أحيا وأحدث بأعمال الرب

تأديباً أدبني الرب وإلى الموت لم يسلمني.

( مزمور 118 ).

بعد نجاح إصدارات ( الحق والحياة ):

1- مجلة ( الحق والحياة ) للمسيحيين الشرقيين في هولندا وأوربا .

2-كيف آمنت بالمسيح ( قصة إيمان الأخ : زكريا السيد فضل الله ).

3 – حوار صريح حول الإسلام .

4 – كان ميتاً فعاش " الجزء الأول ".

5 – كان ميتاً فعاش " الجزء الثاني "

6 - رسالة إلى صديقي المسلم .

يسعد ( الحق والحياة ) أن تقدم إلى قرائها الأحباء إصدارها السابع :

نحن و الآخر

تعليقات منشورة بالموقع الانتريتي لصحيفة الشرق الاوسط

( الجزء الأول ).

المؤلف: صموئيل بولس عبد المسيح .

الناشر: صموئيل بولس عبد المسيح .

 المطبعة:  (The Truth and the life ) For oriental Christians in Netherlands & Europe

www.deaconsamuel.net

( الحق والحياة ) للمسيحيين الشرقيين الأحرار في هولندا [ تأسست سنة 1996].

الطبعة : الثالثة فبراير 2005

 

يطلب الكتاب من المؤلف مباشرة  :

 

 

 SAMUEL

POST BOS  401173

7504 RD. Enschede

 HOLLAND.

 

مقدمة الطبعة الثانية

 

الحوار مع الآخر هو فن من فنون الحياة الإنسانية ، فضلاً على كونه ضرورة حتمية للتعايش والتواصل بين البشر . وهو أيضاً أمراً لا مفر منه لملء نصف الدائرة الشاغر ، وإلا فسوف تبقى ناقصة وغير مكتملة الاستدارة  .  والوضع الطبيعي داخل المجتمعات الراقية المتحضرة هو أن تسمع للرأي ، والرأي الآخر ، وبسماع الرأيين يمكن للمرء أن يلم بجوانب القضية إلماماً كاملاً ، ومن ثمة يستطيع أن يصدر حكمه أي من الرأيين الذي يكون على صواب . والإنسان السوي المتحضر ، والوائق من قوة وسلامة حجته، ومن عدالة قضيته ، هو فقط الذي يسعى إلى إقامة الحوار مع الآخر المختلف معه ، وذلك بغية تحقيق التواصل والتفاهم ، وتضييق شقة الخلاف . أما الشخص الديكتاتوري القمعي والرجعي والمتزمت ، فهو ذاك الذي يرفض الحوار مع الآخر لعلمه المسبق بفساد رأيه ، وعدم عدالة مطالبه ، مما يوجد لديه شعوراً بالخوف والعجز وعدم الثقة ، فيلجأ إلى القمع ومصادرة حق الآخر في التعبير عن نفسه وممارسة حقه الطبيعي في إبداء رأيه ، كما يميل إلى محاولة ابتلاع هذا الآخر ، من خلال حجب رأيه ، ومصادرته ، بهدف فرض الهيمنة عليه . لذلك اهتمت الامم المتقدمة بإعلان ميثاق حقوق الإنسان ، ومن ضمنها حقه في إبداء الرأي . ويمارس هذا الحق على نطاق واسع جداً داخل المجتمعات الديمقراطية ، الأمر الذي ساعدني كخادم قبطي أرثوذكسي يعيش في أوروبا ، في إبداء رأيي بحرية تامة حول الكثير من الأديان والفرق والمذاهب المضادة . كما أقيمت حوار مفتوح مع الإسلاميين المتطرفين ، ومع الأخوة المسلمين المعتدلين ، ومع الصابئة المندائيين، ومع النساطرة ، ومع شهود يهوا ، ومع المرمون ، ومع الأدفنتست، ومع الأرمنيسين ، ومع العديد من الفرق الأخرى .وكان من الطبيعي جداً أن أقيم حوار مع المسيحيون أنفسهم من أتباع الطوائف المختلفة ، على هذا تحاورت مع الأخوة الكاثوليك ( الشرقيين والغربيين ) ، ومع مطران الكنيسة الكاثوليكية القديمة "المستقلة" .ومع الروم الأرثوذكس ، ومع البروتستانت.كما تحاورت مع الكثير من الفرق الإنجيلية المتطرفة في عداؤها الشديد لإيمان الكنيسة الجامعةالرسولية المقدسة ، كفرق الخمسينيين ، والمعمدانيين ، والبلاميث ، وبقية الفرق المتحررة المنشقة عن البروتستانت . كما أقيمت حوار داخلي أيضاً مع أتباع الكنائس الشقيقة والمتحدة إيمانياً مع كنيستي القبطية ، كالأخوة السريان ، والأخوة الأرمن . فانا من أكثر الداعيين إلى الحوار ، سواء أكان مع الآخر القريب ، أو مع الآخر البعيد . وترجع علاقتي بالحوار مع الآخر ، إلى مرحلة ما قبل هجرتي من االوطن ، وبالتحديد إلى سنة 1988 ، حيث اختارني الرب لخدمة التكريس في خدمة الحالات الخاصة ، والتي ظللت أقوم بها حتى مغادرتي الوطن عام 93 19.  وكان الحوار مع الآخر هو من صلب عملي ، فالشخص الذي كان يريد ترك الكنيسة المسيحية والانضمام إلى ( الآخر )، كنت أذهب إليه من أجل الحوار معه لمعرفة دواعي هذا الانسلاخ ، وهذا الانضمام. وكنت اصغي لرأيه أولاً ، ثم أعلن له عن رأيي بعد ذلك.وكذلك كنت أتحاور مع الشخص الذي كان ينتمي إلى الآخر ، ثم صار يرغب في الانضمام إلينا ، فكنت أذهب إلى ذاك أيضاً للتحاور  معه بغية معرفة حقائق داوفعه للانضمام إلينا ، وأيضاً للرد على كافة استفسارته .

 ليس ذلك فحسب ، بل وشاء الرب أيضاً أن أقيم نوع خاص من الحوار غير التقليدي مع المسجلون خطر جنائياً بهدف مساعدتهم على التوبة، وكان الحوار مع هذه الشريحة الصعبة يتطلب قدراً كبيراً جداً من الصبر وطول البال ، وقدراً أكبر من المحبة المسيحية العملية . وقد اكتسبت خبرات كبيرة جداً طوال الخمس سنوات التي قضيتها في هذه الخدمة الهامة بمصر ، حيث كنت أتحاور مع كل فئات الحالات الخاصة ، وهو الأمر الذي ساعدني كثيراً في خدمتي في الغرب التي تطلبت إقامة الكثير من الحوارات مع فرق شتى،كما سهلت من خدمتي الروحية داخل أوساط أشقائي المسيحيين الشرقيين في المهجر ، حتى أنني صرت معروفاً عند السريان والأرمن والموارنة والكلدان ، وبقية المسيحيين الشرقيين ، أكثر من بني جلدتي الاقباط !!!

وقد عُرف عني ميلي الكبير للحوار مع الآخر، اقتداء بالسيد المسيح له المجد الذي احترم قيمة الإنسان ونزل إليه ليتحاور معه وجهاً لوجه ، بعدما كان إنسان العهد القديم يعتبر أن الله محتجباً في سمائه عن هموم البشر فجاء الله بنفسه في العهد الجديد آخذاً شكل بشر ليتحاور مع البشر وجهاً لوجه ، رغم أنه لم يكن محتجباً عنهم في العهد القديم ، لأنه كان يقول لهم آنذاك : هلم نتحاجج !!! وقد اقتدى القديس بولس الرسول بالسيد المسيح في حواره مع الآخر اقتداءاً مذهلاً ، حتى أنه كان يتحاور مع اأتباع الآخر كواحد منهم ، قائلاً :  ( فاني اذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لاربح الاكثرين . فصرت لليهود كيهودي لاربح اليهود. وللذين تحت الناموس كاني تحت الناموس لاربح الذين تحت الناموس. وللذين بلا ناموس كاني بلا ناموس . مع اني لست بلا ناموس الله بل تحت ناموس للمسيح . لاربح الذين بلا ناموس. صرت للضعفاء كضعيف لاربح الضعفاء . صرت للكل كل شيء لاخلّص على كل حال قوماً )  [ 1  كو9 : 19  - 22 ]. ولذلك فلم يكن غريباً أن نعرف عنه ميله الشديد لإقامة الحوار مع جميع الناس من مختلف الأمم والاديان ، فكان  يتحاور مع كل من يلتقيه ، سواء في الشارع ، أو في الأسواق ، أو في المجامع ،أو حتى داخل السجن !  ومن يتأمل رسائل آباء كنيستي الاقباط القديسين التي كتبت في القرون الأربعة الأولى من الميلاد ، ووجهت إلى الوثنيين ،والهراطقة ، يشعر بذهول تام لسعة قلوب وعقول هؤلاء الآباء القديسين .

وهذا الكتاب الذي بين يديك الآن هو حصاد الثمرة الأولى من حواري مع بعض الأخوة السعوديون ، والعديد من الأخوة العرب ، عبر صحيفة الشرق الأوسط السعودية الدولية ، من خلال قيامي بكتابة مجموعة من التعليقات على بعض ما يكتبه محرري الصحيفة ، وهم من مختلف البلاد العربية ، فمنهم سعوديون ، وكويتيون، ولبنانيون ، ومصريون ، وسوريون وعراقيون ..كما أنهم من مختلف التيارات ، فمنهم ليبراليون وأشتراكيون ومحافظون وإسلاميون الخ   وهي تجربة مفيدة وغنية ، وقد أثمر عنها الكثير من الإيجابيات ، ومد جسور الود والتفاهم والتواصل مع الآخر البعيد ، وتوضيح وتصحيح المفاهيم المغلوطة عنده . وقد تطرقت بعض التعليقات إلى المسألة الدينية ، رغم أن جوهر الحوار كان يتصل بقضايا الأمة العربية ، وقضايا الإرهاب ،

وحقوق الأقليات في الوطن العربي . وكان الداعي إلى ذلك هو الرغبة في تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة عن ديننا ، كما كانت أيضاً لتوضيح بعض تعاليم هذا الدين .

وهي المرة الأولى – منذ ايماني بالمسيح - التي يسمح لي بنشر تعليقاتي داخل صحيفة عربية ، وسعودية على وجه الخصوص ، ورما أكون أول خادم مسيحي شرقي ، وقبطي أرثوذكسي على وجد التحديد ، يقوم بمتابعة ما ينشر في إحدي الصحف العربية الدولية واسعة الانتشار ، ويرسل تعليقاته للصحيفة بشكل منتظم . كما إنها المرة الأولى التي تسمح فيها صحيفة عربية كبيرة ، وسعودية على وجه الخصوص ، بنشر مثل هذه التعليقات  ، وهو الأمر الذي يجعلنا نحترم صحيفة الشرق الأوسط لرحابة صدرها بسماع الرأي الآخر .

وكما هو متوقع في مثل هذه الحالالت ، فلقد رفضت الصحيفة نشر بعض تعليقاتي ، كما حذفت بعض فقرات من تعليقات أخرى ، ولكن نسبة الرفض والحذف لم يزيدا عن 20% من إجمالي ما سمحت بنشره – كما هو -  وقد ساعدتني النعمة الإلهية من خلال التدبير الذي سمح لي باكتساب خبرات طويلة جداً في التعامل مع الأخوة المسلمين ، ودراستي المتعمقة للإسلام ، في إقامة هذا الحوار الخاص معهم ، وهو اتسم بحكمة شديدة وفقاً  لمعايير محسوبة بدقة متناهية ، تسمح بتمرير الفكرة داخل قوالب تجد قبولاً داخل مجتمعات عربية شديدة الخصوصية  والمحافظة ، كالمجتمع السعودي . وكان ولا يزال الدافع الأساسي وراء هذه التعليقات هو الالتزام بالمنهج المسيحي في الشهادة للحق :

+ ( لا تخف بل تكلم ولا تسكت ) [ أع 18 : 9 ].

+ ( ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس ) [ أع 5 : 29 ].

+ ( لي حياة هي المسيح والموت هو ربح )[ في 1 : 21 ].

وفي الرغبة الصادقة بالتعايش السلمي مع الآخر، والتوكيد على العناصر المشتركة التي تجمعنا كمسيحيين ومسلمين نعيش في وطن واحد ، وتجمعنا أمة واحدة ذات مصير واحد مشترك . ولكم ارجو من السيد الرب يسوع المسيح أن يجعل هذا العمل المتواضع ذو فائدة لخدام الرب الراغبون في إقامة حوار مع الآخر، ولا سيما إخواننا السعوديون ، وقد اكتشفت أن عدد غير قليل منهم يؤمن بالحوار مع الآخر ، ويحترم حقوقه في التعبير ، ويرفض العنف بشكل صريح . وهذا يؤكد لنا أن الخير موجود في كل مكان وداخل كل نفس ، وأن الله لا يترك نفسه بلا شاهد ، وأنه يعلن نفسه في بعض هؤلاء الناس من خلال احترامهم لناموس الضمير .ولكننا نود أن ننبه على أمر هام للغاية ، وهو أن الحوار مع الآخر ليس متاحاً للجميع ، بل للخدام من ذو الاختصاص فقط حتى لا تأتي النتائج عكسية ، فلكل منا مواهبه التي أخذها من السيد المسيح .

مع تحياتي ومحبتي ،

 وأرجو أن تذكروني في صلواتكم اليومية  صموئيل بولس عبد المسيح هولندا في ( عيد الرسل )

الموافق الاثنين 12 – 7 – 2004

بركة صلواتهم المقدسة  فلتكن  مع جميعنا آمين .

 

مقدمة الطبعة الثالثة

كثيرين من القراء لم يسمعوا بهذا الكتاب ، وذلك لأني أصدرت الطبعة الأولى منه في يناير 2004 في تكتم شديد ، واقتصر توزيعه على عدد محدود جداً من خدام الرب ، وقدامى قراء مجلة ( الحق والحياة). أما الطبعة الثانية ، فلقد أصدرتها من مصر ، في شهر يوليو 2004 ، واقتصر توزيعها على عدد محدود جداً من الآباء والخدام . وهذه هي المرة الأولى التي تطبع في هولندا طبعة عامة ، ويتم الإعلان عنها . وكانت تعليقاتي في صفحة الرأي بصحيفة الشرق الأوسط اليكترونية ، وفي صفحة بريد القراء بالصحيفة المطبوعة ، قد لفتت نظر الآباء ، وعلى رأسهم أبي الروحي ، الذي أشاد بهذه الخطوة ، وأعتبرها تتويجاً لخدمتي في مجال الشهادة للرب، بأسلوب مختلف . والكل نظر إليها على إنها خطوة هامة في الطريق الصحيح ، لا سيما وهناك اتهامات كثيرة موجهة للمسيحيين الشرقيين بالسلبية ، والإنكفاء على الذات ، والانغلاق ، والانعزال عن الآخر، وعدم المشاركة في الحوار معه لعرض قضاياهم ، وتوضيح موقفهم من الأحداث الجارية ، مما ترك الساحة الإعلامية العربية شبه خاوية من المشاركة المسيحية . وتعجب المسيحيين الشرقيين عندما تأكدوا بأنفسهم إنه من الممكن إيجاد موطيء قدم لهم داخل صحيفة عربية سعودية ، مثل صحيفة الشرق الأوسط ، التي سمحت لي بنشر بعض التعليقات الصريحة الملغمة ، من باب البرهنة على إنها صحيفة محترمة ، تؤمن بالديمقراطية ، وبحرية التعبير ، واحترامها للرأي ، والرأي الآخر . الأمر الذي تستحق عليه الشكر والتقدير والاحترام . ويخطىء كل من يظن إنني أتظاهر أمامهم بالسلم والموادعة ، خصوصاً ومعروف عني التشدد في الدفاع عن المسيحية . لكن الله وحده يعلم إنني أكتب إليهم مدفوعاً بمحبة حقيقية ، وبرغبة جادة في نشر ثقافة المحبة والسلم بينهم ، وفي المساهمة بمقاومة الكراهية والعنف والإرهاب ، والدعوة إلى تحقيق التعايش السلمي بيننا وبينهم . كما إن توضيح حقائق الأمور أمامهم واجباً على كل مسيحي ، خصوصاً وهم يعتقدون إن هناك مؤامرة صليبية صهيونية تستهدف النيل منهم ومن دينهم ، وإن العالم المسيحي كله على عداء معهم ، لذلك كان لابد لي من المساهمة بتوضيح الحقائق ، وإجلاء موقف المسيحية منهم ، ومن العديد من القضايا التي يطرحونها ، كما كان الواجب المسيحي يحتم علي تصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة التي يحملونها للدين المسيحي ، مثل اتهامهم لنا بتحريف الكتاب المقدس ، والشرك بالله ، الخ  لذلك فما أقوم به بينهم ، هو في الواقع من صميم عمل الكنيسة تجاه (الآخر) ، فدور الكنيسة هو توضيح ما غمض على الناس ، وإجلاء حقائق ما خفى عنهم، والهدف هو إعلاء قيم الحق ، وبالتالي تمهيد الطريق أمامهم لمعرفة  الإله الحق. وهو الأمر الذي يفسر الفرح الكبير الذي أشعر به كلما كتبت تعليقاً للصحيفة ،وتسمح بنشره، فالشهادة للحق سعادة ليست بعدها سعادة ، لأن الذي يشهد للحق إنما يشهد لله القائل :( أنا هو الطريق والحق والحياة ).

مع تحياتي ومحبتي وأرجوأن تذكروني في صلواتكم اليومية

صموئيل بولس عبد المسيح

هولندا في ( فصح يونان ) الموافق الخميس  24 فيراير 2005 بركة صلواته فلتكن معنا آمين .


 

والمسلمون أيضاً ارتكبوا جرائم بشعة ضد الإنسانية دون الاعتذار عنها.

بقلم : صموئيل بولس عبد المسيح .. رداً على مقال ( لأول مرة : واشنطن في موقف الدفاع وليس الهجوم ) للأستاذ: فهمي هويدي ( أبرز  نجوم الجناح الإعلامي للجماعات الإسلامية ) ، والمنشور بصفحة الرأي  بتاريخ 12 – 5 – 2004 [ تم نشر الرد في نفس الموقع بتاريخ 13 – 5 – 2004 ].


 

يعجبني في الأستاذ: فهمي هويدي، أنه مقاتل عنيد وشديد المراس، ولا يرتضي الاعتراف بالهزيمة، أو يقبل الانسحاب من الميدان.

فضلاً على أنه يرفض الاستسلام رفضاً بتاً. إذ يرفع شعار:

أما القتال.

أما الموت.

ولا ثالث.

لا شك أنه إنسان عظيم وصاحب قضية يدافع عنها دفاع المستميت، رغم علمه التام بأنها قضية غير عادلة وغير منصفة للحقائق، لكنه في سبيل نصرتها يناطح السحب.

تحية لنضاله الجسور والصريح والشجاع. لكنه كم سيكون أعظم لو كانت قضيته عادلة ومنصفة ؟ فسيادته سخر من قيام أمريكا بالدفاع عن نفسها من وصمة العار التي لاحقت نظامها الديمقراطي بسبب رعونة بعض جنودها، فأسرعت بتقديم الاعتذار عبر وسائل الإعلام العربية والعالمية، لأن الاعتراف بالخطأ، والاعتذار عنه، هو من أبرز سمات الأمم المتقدمة. فما فعلته أمريكا يحسب لها وليس عليها، فاعتذار الرئيس بوش 7 مرات في لقاء واحد، وسعيه لتوضيح الأمور لبعض الصحف العربية، وإسراع حكومته بفعل الأمر نفسه كل هذا يؤكد لنا فرق الحضارة بيننا وبينهم، فهم لو اخطأ وه يعتذرون، هكذا اعتذروا للهنود، والفيتناميين. وهكذا اعتذرت اليابان للصين، واعتذر الفاتيكان للعرب عن حروب الفرنجة، والأمثلة كثيرة..

  بينما نحن الأمة الوحيدة في هذا العالم التي ترفض الاعتراف بأخطاء أبنائها، ولا تقدم أي اعتذار للطرف المخطأ في حقه، بل وتفعل الجنون بذاته عندما تطالبه بوجوب تقديم الاعتذار لنا !!

فهناك من المنتسبين للأمة العربية متهمون بارتكاب العديد من جرائم ضد الإنسانية لأنهم أبادوا الكثير من الأمم والشعوب.  وفي حوزة اليهود العرب، والمسيحيون العرب، والشرقيون، الكثير جداً من الملفات الضخمة الموثقة، ويتم تأجيل فتحها لحين إتيان الظرف المناسب. فالكثيرين من الغزاة العرب خالفوا تعاليم دينهم الإسلامي المتعلقة بقوانين وأخلاقيات الحروب والفتوحات، فبينما تحظر هذه التعاليم قتل الراهب والمزارع والمرأة والطفل والعاجز، رأينا بعض الغزاة يضربون بهذه التعاليم عرض الحائط ويرتكبون مذابح مروعة تم تسجيلها في كتب التاريخ الإسلامي والمسيحي واليهودي. وما فعله العرب، فعل مثله العثمانيين بإبادتهم للأرمن والملف القبطي متضخم بتجاوزات معاصرة تتعلق بذبح نحو ألف قبطي خلال العشرين سنة الماضية، وحرق عشرات الكنائس وقتل العديد من الرهبان والقسس والشمامسة والأطفال، والاعتداء على البنات، وكلها وقائع موثقة محلياً وعالمياً، ونفس الأمر بالنسبة للمسيحيين في جنوب السودان، وفي تيمور الشرقية..

وهذا هو الوجه الآخر للمسألة الذي لا يعرفه غالبية العرب والمسلمين بفضل الإعلام الكاذب المزيف للحقائق والذي يتعمد طمس ما فعله العرب، وإبراز ما فعله غيرهم.

على ذلك لم تفكر الأمة العربية والإسلامية في تقديم أي اعتذرا للشعوب التي تعرضت للذبح والإبادة بواسطة أهواء بعض الحكام الظالمين.ولم تكتف بعدم الاعتذار فقط، بل وتعداه إنها تصر على إنكار مسئوليتها عن تلك المذابح، متعللة بأن الدين الإسلامي السمح ينهي عن ارتكابها، متجاهلة أن الجناة الذين ارتكبوها كانوا مسلمين، وارتكبوها باسم الدين الإسلامي تحت ستار الجهاد في سبيل الله ونشر الدين الحق!   بل والمسلمين أنفسهم لم ينجوا من التعرض للمذابح بشعة بيد مسلمين مثلهم! ليس المسلمين العاديين فقط، بل وبعض أقارب نبي الإسلام نفسه تعرضوا للذبح، كما حدث للحسين، ولا داع أن نتحدث للذي حدث لنسائه المحصنات؟  ولا للإذلال الذي تعرضت له السيدة عائشة زوج النبي في موقعة الحرة؟ بل ووصل الأمر إلى إحراق الكعبة، وتخريب المدينة واغتصاب نسائها، وتحويل مسجد النبي ومرقده إلى إسطبل للخيول، وأنتم تعرفون ما فعلته هذه الخيول بهذا المكان الإسلامي المقدس؟
ولا داع لفتح ملف إبادة شعب النوبة أو فتح ملف الحشاشين.

ولم تقدم الأمة أي اعتذارات عن هذه الجرائم الوحشية حتى اليوم، لأننا أمة لا تعترف بأخطاء أبنائها. بينما رئيس أكبر دولة في العالم لم يجد أي غضاضة من الاعتراف بأخطاء جنوده، وقدم اعتذار ات علنية عنها، وهكذا فعلت الأمة الأمريكية، نعم أمريكا هبت في الدفاع عن نفسها من وصمة التعذيب لأنها أمة تحترم نفسها، مع إنها لم تدعي على نفسها إنها خير أمة أخرجت للناس.

عبد الناصر مات دون أن يعتذر للشعب عن الجرائم التي ارتكبها نظامه ضد الإخوان والشيوعيين.  السادات مات دون أن يقدم اعتذاره للشعب عن الجرائم التي ارتكبها في حق الناصريين والأقباط.

والأمثلة كثيرة، فنحن نرى ان الاعتراف بالخطأ رذيلة! والاعتذار فضيحة! بينما يرى غيرنا أن الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه هو من سمات الأمم الراقية المتحضرة الواثقة من نفسها ومن قدراتها. والأستاذ فهمي أعلن عن شماتته في أمريكا بسبب إسراعها في الاعتراف بأخطاء جنودها واضطرارها إلى الدفاع عن صورتها كدولة ديمقراطية يعيبها جداً أن توصم بتعذيب المساجين.

ولكن يا فرحة ما تمت يا أستاذ فهمي !!! فأخينا المتشيخ المجاهد الكبير (ألزرقاوي ) قد قلب الآية رأساً على عقب، عندما أخرج سكينه من بين طيات ملابسه وقام بذبح الرهينة الأمريكي بوحشية شديدة تؤكد تجرده من أبسط المشاعر الإنسانية، وخصوصاً عندما صرخ الرهينة صرخة الموت التي أرعبت كل من قدر له مشاهدة المذبحة على شبكات الإنترنت وبالصوت والصورة !!

ولأدهى من ذلك هو صيحات التهليلات والتكبيرات: الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر !! التي صاحبت تنفيذ هذه الجريمة، وهي أول جريمة ذبح بشري ترتكب باسم الدين يتم مشاهدة تنفيذها بالصوت والصورة عبر شبكات الإنترنت ليراها العالم كله، في مشهد بشع لن يمحى من ذاكرة كل من رآه بعينيه.

 * كانت هناك سيدة مسلمة عربية لم تستطع مشاهدة المنظر فوضعت يديها على عينيها وهي تصرخ: هؤلاء ليسوا مسلمين، هؤلاء سفاحون، الإسلام بريء منهم.

لكن العالم لن يصدق إلا ما رآه بعينيه، سوف يقول إن كل المسلمين وحوش آدمية، أنهم جزارو بشر !!

المسلمون المساكين المظلومون المطحونون والذين يسعون وراء لقمة العيش من الفجر حتى الليل، ويجمعون القرش فوق القرش لشراء الطعام والكساء لأطفالهم، هؤلاء الناس الغلابة الطيبين، أهل الحارة الجد عان، كلهم صاروا في نظر العالم:
(بفضل هذا الجزار الأزرق)، مجرد جزاري بشر مثله!!
والله في سماه، لو اجتمعت كل شياطين الجن والإنس على تشويه صورة المسلمين في العالم، ما كانت تنجح مثلما نجح ألزرقاوي وأمثاله في تشويهها، لكن ماذا نفعل أمام محاولات بعض المسلمين السذج في الدفاع عن جرائم القتلة واعتبارها أعمال تخدم الإسلام؟ ، بينما هي في الواقع تجعل الناس تزداد نفوراً وهلعاً من مجرد ذكر اسم هذا الدين الذي أصبح ( بفضل عبقرية المجاهدين ) مرادفاً ً للإرهاب وذبح البشر.

 لقد صرنا نحن العرب مطالبون اليوم بالدفاع عن أنفسنا لإبعاد شبهة ذبح البشر عنا، وهكذا انقلبت الآية علينا، وبناء على ذلك أقترح على كاتب المقال أن يكون عنوان مقاله هكذا:

لأول مرة: العرب في موقف الدفاع وليس الهجوم!!!  فهذه هي التسمية المنطقية التي فرضها علينا جزار السلخانة البشرية ألزرقاوي، ومن قبله جزارو الجزائر.

صموئيل بولس عبد المسيح.


 

من الذي يغالط من ؟؟؟

بقلم : صموئيل بولس عبد المسيح .. تعليقاً على مقال : أمريكا والإعلام العربي حزمة أغاليط وادعاءات.لكاتبه الأستاذ : فهمي هويدي . والمنشور بتاريخ 18 – 2 – 2004 صفحة الرأي .

 

أميركا والإعلام العربي : حزمة أغاليط وادعاءات ..

 هكذا اختار الكاتب الإسلامي الكبير

فهمي هويدي هذا العنوان المثير ليُعرف به مقاله .. و- بسبب بساطتنا - فلقد ظننا للوهلة الأولى بأنه قرر أخيراً مواجهة الحقيقة المجردة ، حتى لو أدى الأمر إلى الاعتراف بالخطأ ، الذي هو من شيم الكبار، وأن يسرع بتشخيص الداء وتقديم الدواء - حتى لو كان مراً - لكنه كرر الخطأ كالعاده ، فأنكر على الاعلام العربي تحامله على الولايات المتحدة ! وأنه أحادي الإتجاه ، وأنه مسئولاً عن تعبئة الجماهير بالكراهية .. ولم يكتف بهذه الحزم من المغالطات ، بل وأضاف ( حزمة جديدة ) على حزم أغاليطه وادعاءاته ، فأتهم صحيفة الشرق الأوسط بطرف خفي ، بأنها باتت عميلة للأمريكان وكبار كتابها أبواقاً للسياسة الامريكية ، ويتضح ذلك من قول سيادته: ( أغلب الصحف العربية " المهمة " شهدت في أعقاب 11 سبتمبر ما يمكن أن نسميه غزواً أميريكياً واسع النطاق .. وعدد غير قليل من كبار الكتاب الامركيين اصبحوا ينشرون مقالاتهم في كبريات الصحف العربية، ذلك بالاضافة الى الكتاب العرب الذين اصبحوا ابواقاً للسياسة الاميريكية )؟ وبالرجوع إلى ما تكتبه الصحف العربية - باستثناء الشرق الأوسط - نجد أن أغلبها يشتم الأمريكان ( ليل نهار ، عمال على بطال ، وعلى الفاضية وعلى المليانة !) بعدما أصبح شتم الأمريكان في عرف هذه الصحف هو لوناً من الوطنية ! وبمراجعة ما يكتبه كتاب هذه الصحف ، نجد أن كتاباتهم لا تخرج عن أمرين ، أما شتم الأمريكان ، أما لعن الصهاينة، أو الاثنان معاً. بخلاف غالبية كتاب الشرق الأوسط ، الذين يحترمون عقولهم، ويسعون لمد جسور السلام مع الآخر وتحاشي الاصطدام به  ، وحتى لو أبدوا اعتراضاتهم على بعض توجهات هذا الآخر ، فنراهم يتحلون بآداب الحوار معه، ويصبغون اعتراضاتهم عليه بالموضوعية والواقعية ، والبعد عن أسلوب الخطابة الذي لم يعد مناسباً لهذا العصر. كما أنهم يفصلون بدقة، ما بين رفض أفكاره الهدامة وبين رفضه هو شخصياً ؟ فليس كوني أختلف مع فكر شخص ما، معناه أني أكرهه وأحقد عليه وأود قتاله - كما ينادي بذلك جهابذة الجناح الإعلامي لجماعات العنف الذين يتحملون مسئولية تحريض الجماهير وشحنها بالعداء والكراهية للآخر بحجة الاختلاف معه.  والكاتب - كما هو معروفاً عنه في وطنه، وفي بقية البلاد العربية ، بل وإيران أيضاً ، محسوباً على هذا الجناح - بل وتستعين به بعض الأنظمة التي تريد إبعاد الجماهير عن الانشغال بالفساد الإداري ، وتدهور إداء المؤسسات الخدمية ، وتدني حقوق المواطنه ، إلى الانشغال بشيء آخر ، وهو في هذه الحالة سيكون شتم الصليبيين واليهود، (الشماعة ) التي يعلقون عليهما عيوبهم وأخطاؤهم وكأن أمريكا وإسرائيل هما المسئولان عن تفشي الجهل والتخلف والظلم الاجتماعي وتدهور التعليم والعلاج ، والغش وانعدام الضمير ، حتى صرنا نسمع أنهم يبيعون لحم الكلاب والحمير على أنها خراف وأبقار ! فضلاً على الأموال المنهوبة من البنوك، ولا داع أن نشير إلى القمع والديكتاتورية وسجناء الرأي - حتى لا ندخل في المحظور-! كان حرياً بهؤلاء الكتاب الإسلاميين أن يتقوا الله في أنفسهم ،ويدفعوا مواطنيهم إلى إثبات وبرهنة انهم بالفعل خير أمة أخرجت للناس ، من حيث الصدق والأمانة والعمل بجدية على بناء الأوطان ومعالجة السلبيات ، لا بسرقتهم من واقع قضاياهم ، وإلقائهم في أتون النار كوقود للثورة الإسلامية الخومينية الكبرى التي يحلمون بها ، حتى نشارك اليمن والسودان وأفغانستان وإيران والجزائر والصومال ، في سعادتهم !! ورغم أن الكاتب من بلد كبير وعزيز مثل مصر ، ويعرف كم يعاني المصريون الآن من أزمات اقتصادية طاحنة ، أدت إلى وقوف الناس بالطوابير للحصول على رغيف الخبز ، وإلى التوقف عن أكل اللحوم لارتفاع اسعارها ويعاني من بيرقواطية ليس لها مثيل في العالم من حيث التعقيدات  ويعاني من تدهور المرافق وأزمات الإسكان والتعليم والصحة  ناهيك عن تفشي الغش التجاري والصناعي، إلى آخر هذه الأمراض المزمنة ..  فكان والحالة هذه أولى به التوجه بقلمه إلى شعبه ليساهم في معارك التنمية ، بدلاً من الاشتراك في حفل شتم الأمريكيين . وبدلاً من أن يطاول قلمه صرحاً إعلامياً شامخاً ، كصحيفة الشرق الأوسط ، كان عليه أن يتحدث أولاً عن العيوب الكثيرة الموجودة في وسائل إعلام بلده، ذلكم الإعلام الذي يتعامل مع المواطنين وكأنهم أطفال صغار فيقنن لهم ما ينبغي معرفته ، وما لا ينبغي معرفته ، متجاهلاً وجود شيء أسمه انترنت، وثورة هائلة في تبادل ونقل المعلومات ، فصار إعلاماً رتيباً مثيراً للغثيان، وهو الأمر الذي دفع الكثيرين من المصريين إلى مقاطعته . ولو حدث واشترى أحدهم صحيفة ، فأول شيء يقرأه صفحة الوفيات ، ثم صفحة الحوادث الجنائية المثيرة ، وبعدها يذهب إلى الحمام ليغسل يديه من أثار الاحبار !!!


 

لماذا أنقلب الإخوان المسلمين على مامتهم أمريكا !؟

بقلم : صموئيل بولس عبد المسيح تعليقاً على مقال (علاقة العرب مع أميركا .. صورة مسرحية ) للأستاذة الكبيرة : صافي ناز كاظم   والمنشور بتاريخ 11 – 5 – 2004  

مسرحية ( ما ما أمريكا ) التي أشادت بها الكاتبة الأستاذة صافي ناز كاظم، هي من إحدي الأعمال الفنية المسيسة وليس لها أدنى صلة بالفن، لأن الفن رسالة إنسانية تهدف إلى السمو بالإنسان وبالرقي بأحاسيسه ومشاعره تجاه الحب والخير والجمال، بينما مسرحية ماما أمريكا تدعو إلى العنف والإرهاب وكراهية الآخر والدعوة إلى محاربته، وتدغدغ مشاعر رجل الشارع المتوثبة دوماً للهجوم على الآخرين من أجل التنفيس عن الكبت الذي يعيشه داخل وطنه، حيث ساكني القصور، وساكني القبور! وما بينهما في الشوارع وأسفل الأنفاق . فالموجة السائدة الآن هي العنف، وكل من يريد أن يشتهر ويكون له اسم فعليه أن يكون عنيفاً ويدعو إلى العنف، وصار شتم أمريكا لوناً من ألون الوطنية، أو برهاناً على صدق الإيمان!

والفنان صبحي لم يتردد لحظة واحدة في قبول القيام بمسلسل فارس بلا جواد المأخوذ اعتباطاً عن أسطورة ما يسمى بحكماء صهيون المزورة والملفقة من تأليف قيصر روسيا نكاية في اليهود، وهو الذي سبق له القيام برحلات مكوكية لزيارة طاغية بغداد وتقبيل يديه، وهو أيضاً الذي قيل عنه أنه من متلقي العمولات والكوبونات .. لكن الكاتبة صورته وكأنه زعيماً وطنياً ومن حماة الإسلام، لا لشيء إلا لأنه شتم أمريكا! فكلكم تشتمون أمريكا عملاً بقول الشاعر:

أوسعوني ضرباً

 فأشبعتهم سباً!!!

إذا كنتم ترون أن أمريكا عدوتكم، وإنها أوسعتكم ضرباً، فلماذا لم تنهضوا من كبوتكم، وتنكبوا على المعامل والمصانع وتسعون لتطوير أنفسكم حتى تحترمكم أمريكا كما تحترم اليابان وألمانيا وكلاهما نال ضرباً من أمريكا لم ننل 1% منه ؟

لماذا لا تنتجون سوى العنف والتفجير والتعصب وتكفير بقية الأمم والشعوب؟ مسرحية صبحي لن تقدم حلوال لملايين يسكنون المقابر وملايين يتكدسون كعلب السردين في وسائل النقل وداخل البيوت وملايين يموتون بسبب عدم الرعاية الطبية وسوء الطرق، وملايين من العاطلين في الشوارع والمقاهي، ومئات الألوف من الاطفال المشردين واللقطاء ونزلاء الإصلاحيات، وآلافا ملقاة في غياهب السجون ،ومئات من رجال الأعمال النصابين الذين هربوا بمئات الملايين .. مسرحية صبحي المعادية لأمريكا لن تعيد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولن تصلح الصورة المشوهة للعربي في بلاد الغرب ، بل ستزيدها تشوهاً .

 لقد سرقتم أمة بأكملها بكتاباتكم التحريضية والتي تدعون إنها تدافع عن ثوابت الإسلام، وكأنكم تريدون أن تؤكدوا للعالم الغربي، وعلى رأسه أمريكا، بأن الإسلام يدعو إلى العنف والكراهية. فأسأتم إلى دينكم، وشابهتم ذلك الدب الذي رأى ذبابة تقف على عين صاحبه فاراد أن يبعدها عنه لكنه فقأ عين صاحبه ! ومن هنا جاء المثل القائل:

كالدب الذي فقأ عين صاحبه. أو كالمثل الشعبي المصري : جاء يكحلها عماها .

إن العالم الغربي لا يلقى أدنى التفات لكتابات الأصوليين الإسلاميين إنما يهتم جداً بكتابات التيار الإسلامي المعتدل والمستنير، ويعتبره منافساً قوياً له. إن رهانكم على تجييش الشارع العربي ضد أمريكا هو رهان خاسر وساذج، لأن حلم أي عربي هو الانتقال للعيش في أمريكا حيث الكرامة والحرية وفرص التقدم بدون وساطات ، فضلاً على اعتماد الكثيرين من العرب على القمح الأمريكي ليأكلوا الخبز، وكل ما في حياة العربي هو امريكي المنشأ .
أمريكا منحت المواطن العربي والمسلم المقيم على أراضيها حقوقاً لم يحظيا بربعها داخل أوطانهم .
أمريكا التي تسمونها بالصليبية، هي نفسها أمريكا التي وقفت مع مصر العربية المسلمة، ضد المسيحيين بريطانيا وفرنسا ، واليهود، في حرب 56 . وهي نفسها أمريكا التي وقفت مع المسلمين في البوسنة والهرسك، ضد المسيحيين الكروات والصرب ، وهي نفسها التي حاربت المسيحيين الصرب اليوغسلاف من أجل حماية الألبان المسلمين من الإبادة. وهي نفسها التي تدافع عن الشيشان المسلم ضد الروس المسيحيون. وهي نفسها التي تدافع عن تركيا المسلمة وترفض رفضا باتا إدانتها في مذابح المسيحيين الأرمن، وتحبذ فكرة انضمامها للاتحاد الأوربي .  وهي نفسها التي ترتبط بعلاقات وثيقة وقوية مع العديد من كبريات الدول العربية الإسلامية . وهي نفسها أيضاً التي تعشق التيار الإسلامي المتشدد التي تنتمي إليه الكاتبة، التي لا أظنها قد نسيت الضغوط التي مارستها هذه الأمريكا الصليبية، على السادات من أجل إخراج إخوانها من المعتقلات التي زجهم فيها عبد الناصر. كما لا أظنها أيضاً تستطيع التنكر للغزل المتبادل بين أمريكا وبين قيادات الإخوان، وجماعات التطرف، وكيف أثمر هذا الغزل عن تجميع أنصارها في أفغانستان ومدهم بالسلاح وبالتدريب لطرد السوفيت الشيوعيين . وليس في وسعها إنكار أن آلاف من أنصارها يعيشون في حماية أمريكا. حتى شاع القول بأن الإرهاب الإسلامي صناعة أمريكية ؟ إنها تعشقكم لأنكم ورقة رابحة في يديها، وانتم تعشقونها لأنها قفزت بكم من السجون إلى صدارة المجتمع من خلال سماحها لكم بالإعلان عن كراهيتكم لها، فجعلت منكم أبطالاً في أعين رجل الشارع، وحولت فنان كوميدي هزلي، إلى فارس، بل وحولت شعبولا من مجرد مكوجي أمي ، إلى رمز للمقاومة الوطنية !!!

فما أشبه مسرحية صبحي الهزلية، بمسرحيتكم الأكثر هزلاً ؟ كان حرياً بعنوان مقالك أن يكون هكذا : علاقة المتطرفين مع  أمريكا .. صورة مسرحية !!!


 

وقامت الصحيفة باعادة نشر تعليقي  مرة أخرى بعد حذف بعض فقراته ، ونقله من الموقع الإنتريتي للصحيفة  إلى داخل الصحيفة العادية نفسها في صفحة بريد القراء بتاريخ 13 – 5 – 2004

ماما أميركا» منشور سياسي لا علاقة له بالفن

·        من صموئيل بولس عبد المسيح ـ هولندا: samuel@deaconsamuel.net
مسرحية «ماما اميركا»، التي أشادت بها الكاتبة صافي ناز كاظم، في مقالها «علاقة العرب مع أميركا.. صورة مسرحية»، المنشور بتاريخ 11 مايو (ايار) الحالي، هي إحدي الأعمال الفنية المسيسة، وليست لها أدنى صلة بالفن، لأن الفن رسالة إنسانية تهدف إلى السمو بالإنسان وبالرقي بأحاسيسه ومشاعره تجاه الحب والخير والجمال. بينما مسرحية «ماما أميركا»، تدعو إلى العنف والإرهاب وكراهية الآخر والدعوة إلى محاربته، وتدغدغ مشاعر رجل الشارع المتوثبة دوماً للهجوم على الآخرين من أجل التنفيس عن الكبت الذي يعيشه داخل وطنه. وصار شتم أميركا لوناً من ألون الوطنية، أو برهاناً على صدق الإيمان. والفنان صبحي لم يتردد لحظة واحدة في قبول القيام بمسلسل «فارس بلا جواد»، المأخوذ اعتباطاً عن أسطورة ما يسمى بـ«حكماء صهيون»، التي أكد العالم كله أنها مزورة. وهو الذي سبق له القيام برحلات مكوكية لزيارة طاغية بغداد صدام حسين. لكن الكاتبة صورته وكأنه زعيم وطني ومن حماة الإسلام، لا لشيء إلا لأنه شتم أميركا. لماذا لا ينتج البعض سوى العنف والتفجير والتعصب وتكفير بقية الأمم والشعوب؟ مسرحية صبحي لن تقدم حلولا لملايين الناس ممن يسكنون المقابر، وآخرين يتكدسون كعلب السردين في وسائل النقل وداخل البيوت، وغيرهم ممن يموتون بسبب عدم الرعاية الطبية وسوء الطرق، وملايين من العاطلين في الشوارع والمقاهي، ومئات الألوف من الاطفال المشردين واللقطاء ونزلاء الإصلاحيات. مسرحية صبحي المعادية لأميركا لن تعيد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولن تصلح الصورة المشوهة للعربي في بلاد الغرب، بل ستزيدها تشوهاً.

·       

فقامت  الأستاذة صافي ناز كاظم بإعداد مقالاً خاصاً رداً على تعليقي ، وحمل عنوان :

عن المسرح والسياسة أتحدث.

ونشر في صفحة الرأي يوم 25 – 5 – 2004 ( وهو المقال الوحيد الذي ننشره لأنه كان رداً مباشراً على تعليقي السابق  في بريد «الشرق الأوسط» الصادر 2004/5/:13,

 كتب السيد صموئيل بولس عبد المسيح من هولندا يعترض على مسرحية «ماما أمريكا» للفنان محمد صبحي قائلا : هي إحدى الأعمال الفنية المسيّسة , وليست لها أدنى صلة بالفن , لأن الفن رسالة إنسانية تهدف الى السمو بالإنسان والرقي بأحاسيسه ومشاعره تجاه الحب والخير والجمال , وقد رأى أن «ماما أمريكا» مسرحية : تدعو إلى العنف والإرهاب وكراهية الآخر والدعوة إلى محاربته ..., وقد وجدت أن من واجبي , تجاه قارئ «الشرق الأوسط» , إنعاش ذاكرته بعروض مسرحية عالمية تجيشت في سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي , بكل قوة الفن وصدقه وبكل قوة الوعي السياسي المنبه للأخطار المحدقة بالإنسان والداعية إلى محاربة قوى البغي والعدوان , وقد تمثلت في كل محتل يغتصب حقوق الآخر وينتهك حرماته ويبسط عليه هيمنته غير الشرعية . عرفنا في ذلك الإطار أسماء : بسكاتور وبريخت وبيتر فايس ورجل المسرح بيتر بروك , وعرفنا شكلا سياسيا صريحا من أشكال الفن المسرحي اسمه الكباريه السياسي , وعروضا مثل هير وأنجولا : أو غول لوزيتانيا ومارا / صاد ويو إس أو أص , وكانت كلها من عروض الاحتجاج الفني على سياسات الدول الطامعة في إذلال الآخر عن طريق احتلاله , وأخذت أمريكا بالطبع نصيبها الوفير من الغضب الفني الذي كان يهدف بالفعل إلى السمو بالإنسان والرقي بأحاسيسه ومشاعره تجاه الحب والخير والجمال عن طريق الدعوة إلى ضرورة الوعي بالمجرمين أعداء الإنسان والحض على التصدي لشرورهم ومقاومتها , وكراهية الشر والدعوة إلي محاربته من أعمال البر والتقوى . هكذا تقول رسالة الفن وهكذا تكون وظيفة الوعي السياسي

لقد كانت مسرحية أنتيجون التي وضعها سوفوكليس الإغريقي ووصلتنا , قاطعة أكثر من 25 قرنا , واحدة من الأعمال التي تأملتها طويلا , ووجدت فيها فائدة لمراجعتها في أحوال كثيرة , فهي تطرح قضية من أهم القضايا في تاريخ الإنسان ألا وهي : متى ينتهي حق الحاكم ويبدأ حق الشعب؟ أو بشكل آخر : عند أي نقطة يكون عصيان أمر الحاكم ـ أو القوة المهيمنة ـ شيئا لا مفر منه ولو كان العقاب الدفن حيا في قبر صخري بين الأموات؟ لمسرحية أنتيجون خلفية نلخصها بسرعة .

تقول الأسطورة اليونانية القديمة أن أوديب الملعون الذي قتل أباه لايوس وتزوج أمه جوكاستا , أنجب من أمه أربعة أبناء : إيتيوكليس وأخاه الأصغر بولينيس وبطلتنا أنتيجون وأختها إسمين . عندما اكتشف أوديب جريمة قتله لأبيه وزواجه من أمه , تلك الجريمة التي اقترفها من دون أن يدري , فقأ عينيه وسار هائما على وجهه لكنه قبل أن يترك مدينته لعن إبنيه بلعنة أن يقتلا بعضهما البعض , وتتشكل الأقدار بحيث يختلف الإبنان على الحكم , الذي كان من المفترض أن يتولياه مشاركة بالتناوب , إلا أن الأخ الأكبر إيتيوكليس يتفق مع خاله كريون لطرد أخيه الأصغر بولينيس مما يدفع بولينيس إلى تكوين جيش من الخارج ويحاصر مدينته محاربا أخاه وخاله ويقتتل الأخوان ويقتل كل منهما الآخر , ويقول سوفوكليس على لسان الكورس في نص المسرحية ... هذان الأخوان في الدم , من أب واحد وأم واحدة , متشابهان في الغضب ... تصادما وفازا بجائزة الموت المشتركة! وبناء على هذه النتيجة يصبح الخال كريون هو الملك الحاكم والقوة المهيمنة , ويقرر لحظة تملكه السلطة أن يشيع جثمان حليفه إيتوكليس في احتفال يليق ببطل عظيم ويوسد جثمانه القبر بيديه , إجلالا وتشريفا للميت , بينما يأمر بعدم دفن جثة بولينيس لتنهشه الوحوش المفترسة والطيور الجارحة عقوبة لخيانته ـ من وجهة نظره ـ ويتوعد من يدفن الجثة ويخالف أمره , أيا من كان , بالموت الرهيب .  ونعرف أن عدم دفن الموتى خطيئة تحرمها العقيدة اليونانية القديمة التي تنص على ضرورة دفن الموتى ولو كانوا من جيش الأعداء . لكن الملك المتغطرس كريون , في حقده البالغ , يتعدى حدوده فيكسر عقيدة الشعب ويجور على الناس . ورغم هذا الجور البالغ يعقد الخوف ألسنة الجميع ولا يجرؤ أحد على مواجهة الظالم , وهنا تبدأ حكاية أنتيجون حين تتقدم وحدها لتقاوم الملك الجائر وتقرر تحدي الأوامر الملكية تلبية للأوامر الإلهية التي تحث على دفن الموتى , وتقوم بدفن جثة أخيها رغم تحذير شقيقتها التي تتهمها بـ «حب المستحيل» لكن أنتيجون لا ترى طاعة دينها محبة للمستحيل , بل هي واجب وأمانة في عنقها , فإذا كان كريون الظالم لا يخشى , وهو بشر , الأمر الإلهي فكيف تخشى هي أمر بشر طاغية؟ وبشجاعة , مستمدة من إيمان مطلق بصحة موقفها تستعجل تنفيذ قراره الجائر بقتلها وتقول : اعطني المجد ! وأي مجد يمكنني أن أفوز به أكثر من أن أعطي أخي دفنا لائقا؟ وهؤلاء الناس يوافقونني جميعا , ولولا أن شفاههم يغلقها الخوف , لمدحوني كذلك . يا لحظ الطغاة , إنهم يملكون امتيازات القوة , القوة الفاسدة , وهي أن يرغموا الناس على قول وفعل كل ما يرضيهم ! وحين يأخذ الحراس أنتيجون إلى حيث ينفذ فيها الحكم القاسي بالدفن حية في قبر صخري بين الأموات , يجري المؤلف سوفوكليس على لسانها هذه الكلمات السياسية الواعية التي لا تزال تحرك القلوب ونجد لها صدى في عقولنا بعد أكثر من 25 قرنا , تقول أنتيجون ـ كأنها استشهادية من فلسطين ـ لا بد أن أموت , لقد عرفت ذلك كل عمري , وكيف أمنع نفسي عن هذه المعرفة ... إذا كان علي أن أموت مبكرا , فإنني أعتبر ذلك مكسبا ً: فمن على الأرض يعيش وسط حزن كحزني ويخفق في أن يرى موته جائزة غالية؟ ... فلو أنني سمحت لابن أمي أن يتعفن وتركته جثة غير مدفونة , لكان هذا هو العذاب ... وإذا كانت أفعالي تصدمك . وتراني بسببها حمقاء . فلنقل أني قد اتهمت بالحمق من أحمق !

يحاول هيمون ابن كريون وخطيب أنتيجون أن يعيد لوالده البصيرة بعد أن أعماه الغضب والكبرياء وجنون القوة , يقول له أجمل ما يقال لديكتاتور , لا تصبح لإيجابياته أية قيمة إذا ما صاحبها الجور والعسف والبغي والطغيان , يقول هيمون : إن رجل الشارع يخشى طلعتك , إنه لا يقول أبدا في وجهك شيئا لا يرضيك , ولكن مهمتي أن أصيد لك الهمسات في الظلام , فأرى ; كيف تبكي المدينة هذه الفتاة الصغيرة . إنهم يقولون أهذا الموت الوحشي من اجل عمل عظيم؟ ... إنها تستحق تاجا لامعا من الذهب .  تأخذ كريون العزة بالإثم ويقول : وهل طيبة على وشك أن تعلمني كيف أحكم؟ فيضع الإبن المحب كلمته الأخيرة أمام الحاكم الذي استشرى فيه داء البغي فلا حيلة في شفائه : ليست هناك مدينة على الإطلاق يحكمها رجل واحد بمفرده !
مع خروج هيمون محتجا يدخل العراف الحكيم الأعمى ترسياس , فنرى كيف يكون بصيرا من فقد عينيه ويكون الأعمى هو من فقد بصيرته , يقول ترسياس : على الأعمى أن يسير مع دليل يرشده . ولا يرى كريون , فاقد البصيرة , هذه الحكمة البدهية , ومع الغرور والعناد والتخبط الناتج عن الانفراد بالرأي والقرار الخاطئ , رغم انف العقيدة والحكمة والحب , ينتهي بيت الطاغية كريون بالدمار , فيقتل الإبن نفسه وتتبعه أمه حزنا وهي تلعن زوجها كريون الذي خرب الديار على مذبح شهوة التسلط والإنفراد بالرأي وسطوة القوة الغاشمة .  إننا يمكن أن نرى في كريون وجه صدام حسين الذي خرب الديار في العراق , لكننا نرى فيه كذلك مصير الدولة العظمي الوحيدة ـ أمريكا ـ التي تسير حثيثا , بسياساتها الخرقاء , لتخريب الديار على مدار الكرة الأرضية . مؤججة ومنتجة العنف والإرهاب وكراهية الآخر والدعوة إلى محاربته , إننا لا نشتم أمريكا يا سيد صموئيل بولس عبد المسيح , بل هي التي تشتم نفسها بانحيازها الكامل للمحتل الصهيوني وتبريرها الدائم لممارساته العنصرية المتعصبة التي تستبيح الآخر وتكفره ولا تري له أي حق من حقوق الأمم والشعوب . إن أمريكا عدو لنا , وهي التي اختارت أن تكون هذا العدو , ومن واجب كل فنان أن يكون الدليل المرشد لتوضيح الرؤية وتجنب العثرات .

 

فقمت بالرد على ردها في مقال حمل عنوان :

وعن المسرح غير المسيس والسياسة غير المتأسلمة .. أجيب ..!
وتم نشره بجوار ردها يوم 25 – 4 – 2004

أتقدم بخالص الشكر للأستاذة الكاتبة لاهتمامها بالرد على تعليقي على مقالها السابق ، وإنعاش ذاكرتي بهذه الأعمال المسرحية العظيمة . فهذا يدل على سمو شخصها واحترامها لآراء قراء هذه الصحيفة الموقرة من مختلف الأطياف ، فشكراً جزيلاً لها . لكن لتسمح سيدتي أن أعبر عن اختلافي معها حول ما تضمنه ردها مع تذكيرها بأن الأختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية ،ولكني أحب أولاً أن أوضح لسيادتها بعض النقاط الهامة :

+ أنا لست امريكياً ، ولا مؤيداً للسياسة الأمريكية ، بل واختلف معها اختلاف أعمق من اختلاف الكاتبة ، وخلافي معها ليس سياسياً فقط ، بل ودينياً وأخلاقياً أيضاً . فاما عن اختلافي السياسي فهو رفضي التام لإنحيازها الأعمى لدولة إسرائيل، مع ضرورة الفصل والتمييز بين إسرائيل كدولة، وبين بني إسرائيل كشعب.

كما أختلف معها لشنها الحرب على أفغانستان والعراق، وهذا الخلاف يتوافق تماماً مع موقف كنيستي القبطية، وموقف كنائس الشرق الأوسط، ومجلس الكنائس العالمي، وحاضرة الفاتيكان .. لأن الدين المسيحي يدعو إلى المحبة والسلام ويرفض الحروب ويقاوم سفك الدماء .

ونرى أن انحياز الحكومة الأمريكية للحكومة الإسرائيلية قد ألحق ضرراً بالغاً بالمسيحيين داخل الوطن العربي، وأن حربها ضد العراق جعل المسيحيين في العراق يعيشون في رعب خشية أن يستغلها المتطرفون فرصة لإبادتهم بحجة أنهم يتبعون نفس دين المحتل. أما على الصعيد الديني ، فليت الكاتبة ومعها بقية إخواننا العرب والمسلمين يعرفون أن المسيحيين الشرقيين يرون في امريكا العدو اللدود للدين المسيحي، وذلك لكونها افرخت لنا أخطر الأديان المضادة للدين المسيحي، كدين المرمون، ودين شهود يهوه، والسبتيين، وبقية الفرق المسيحية المتهودة، والتي قاومتها الكنيسة المسيحية منذ عصر الرسل من ألفي سنة  ( أنظري الإنجيل المقدس : سفر أعمال الرسل 15 ).

+ كما سمحت أمريكا لانطون لاوي رئيس كهنة جهنم ليجاهر بعدائه الشديد للدين المسيحي والأستهزاء بالمسيح والإنجيل والكنيسة والمسيحيين، فأسس ما يسمى بكنيسة الشيطان، وألف كتاب أطلق عليه الإنجيل الشيطاني، والإنجيل الأسود، والقداس الأسود، وكثير من الرموز المعادية للدين المسيحي على نحو سافر ومقزز، وصار لكنيسته الشيطانية فرعاً كبيراً في ألمانيا، ثم سرعان ما اننتشرت في كل أوروبا، وكل البدع الحديثة المضادة للمسيحية نبتت وترعرعت فوق التراب الأمريكي. والسيد بوش نفسه ينتمي إلى كنيسة مسيحية صغيرة من جملة الكنائس المتهودة مثار اختلاف وتحفظ بقية الكنائس المسيحية العالمية الكبرى، نظراً لتفسيراتها الخاطئة حول معركة (هرمجدون) والمجىء الثاني للمسيح، ودعم إسرائيل كواجب ديني . وأما على الصعيد الأخلاقي، فخلافاتنا معها لا حصر لها. ولا أختلف مع الكاتبة فإن أمريكا أصبحت الآن عدوة للكثير من الأمم والشعوب. لكن نقطة الخلاف تكمن في رد الفعل على هذا العدوان، فأنا كرجل دين مسيحي ملتزم بتعاليم ديني التي تنهاني عن كراهية العدو والتحريض على قتاله، لأن مؤسس ديني قال : احبوا اعداؤكم. باركوا لاعنيكم. احسنوا إلى مبغضيكم وهذه التعاليم السامية نجد صداها  في الإسلام أيضاً، فالله يخاطب نبي الإسلام في القرآن قائلاً :

( فأعف عنهم وأصفح إن الله يحب المحسنين ) سورة المائدة 13 . ويخاطب المسلمين قائلا :

 وان تعفوا وتصفحوا وتغفروا فان الله غفور رحيم ) التغابن 14 و( قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله )

* لست عدواً لك ولا للعرب  ولا لأي إنسان، لأن ديني المسيحي يمنعني من أكون على عداء مع أحد حتى لو عاداني.

* كما  لست مع خلاف مع الفنان صبحي الذي احترمه كفنان كوميدي ساهم في رسم البسمة على شفاهنا قبل تسييس فنه .
أما بالنسبة للفنانين المسرحيين العظام الذين أشرت إليهم، فأسمحي لي أقول لك أنه لا توجد أدنى مقارنة بين أعمالهم وبين عمل ماما أمريكا لأن هؤلاء الفنانين وإن كانوا قد تطرقوا في بعض أعمالهم الفنية لمظالم الحكام، إلا أنهم عالجوا المسألة بحساسية فنية راقية ركزت على مقاومة الظلم بالعدل، والكراهية بالحب، والعنف بالتسامح ، وهذا مالم ينطبق على مسرحية ماما أمريكا ' التحريضية '. والعظيم ( سوفوكليس) عندما وضع هذه الكلمات على فم (انتيجون ) :

لابد أن أموت .. لقد عرفت كل ذلك كل عمري .. لم يكن يرمي إلى ما ترمي إليه الكاتبة من محاولة الربط بين ما فعلته انتيجون وما فعلته ' إستشهادية فلسطين ' فهذا ترابط شاذ لأن الأولى لم تقتل نفسها ولم تقتل آخرين معها، بل سلمت نفسها للحاكم الظالم ليقضي عليها ثمناً لموقفها الأخلاقي والإنساني تجاه جسد اخوها الميت والملقي في العراء بدون دفن . والمعنى الرمزي هنا هو إبراز فضيلة التضحية بالنفس من أجل الآخرين، وليس التضحية بهم؟؟؟

سوفوكليس ، كان من المؤمنين بمبدأ الموت من أجل الحياة، وليس الموت من أجل الموت.والموت من أجل الحياة نراه بوضوح في شخص الأم الأرملة التي تميت شبابها وتكدح ليل نهار لتحيي أطفالها. والأب الذي يميت شبابه وصحته من أجل توفير احتياجات زوجته وأطفاله. أنه موت من أجل حياة الآخرين .. وهو المفهوم الذي قدمه المسيح بشكل أكثر وضوح من خلال تعاليمه وحياته.  فأين هذا الفكر السامي من تفجير الأشلاء وقتل الآخرين ؟ وصحيح أنه ' من واجب الفنان أن يكون الدليل المرشد لتوضيح الرؤيا وتجنب العثرات ' لكن بشرط أن يكون له رؤية سليمة وسلمية تدعو إلى السمو.. أنه يتشبه بالنخلة التي يرمونها بالحجارة فتلقي لهم بثمراتها؟ ويوم يحرض الفنان على الكراهية والعنف يتحول من فنان إلى مهيج سياسي، وفقد قيمته كفنان يهتم بالإنسان كإنسان ولو كان الفنان صبحي يهتم بالإنسان كإنسان لكان خصص عملاً فنياً يتناول فيه المآسي التي حدثت للإنسان الجزائري والسوداني والعراقي.  بل كان خص عملاً لطائفة من شعبه تعاني الكثير من هضم حقوقها ثم أن عملاً فنياً يتناول أمريكا وإسرائيل لا يصلح أن يقوم به فنان واحد من بلد واحد، بل يقوم به نخبة من كل الفانين العرب حتى يكون على مستوى الحدث، ولا يستخدم فيه الهزل والتهريج، بل الإبداع الفني الذي ينال إعجاب العالم ويخجل غطرسة القوة.عمل يستمد روحه من كفاح غاندي ونلسون مانديلا، وليس من إرهاب ابن لادن والزرقاوي . فالدعوة للعنف لا تجلب إلا المزيد من العنف، وهناك بلدان انتصرت بدون عنف، سويسرا ليس لها جيش، لكن أموال العالم عندها. اليابان ليس لديها جيش، لكنها ترعب الاقتصاد الأمريكي، وكذلك ألمانيا.

 إن سلاحنا هو العلم، والحرية وإرساء قيم العدالة والمساواة وتبني الخطاب السياسي المعتدل وتدعيم العلاقات الدولية لصالح شعوبنا. سئمنا من الحروب، ونريد العيش في سلام.. نريد الأجنبي يأتي لبلادنا ليشاهد تاريخنا وحضارتنا وتنشط حركة السياحة في بلادنا لدعم اقتصادنا المنهار. وأنت يا أستاذة صافي لك تجربتك الإنسانية الخاصة في تغيير المسارات نحو الافضل.. ويمكنك المساهمة في نشر قيم التسامح لأنك في الأصل فنانة وأديبة وتملكين ناصية الكلام. فضلاً على كونك امرأة طبيعتها ترفض العنف وتحرص على الحياة. ويمكنك الاقتداء بنبيك طوال العهد المكي وكيف كان يغفر ويسامح للذين أهانوه وألقوا عليه التراب ومخلفات الشاه المذبوحة وألقوه بالحجارة حتى أدموا رجليه. وكيف قابل كل ذلك بالإحسان والترفع والسمو عن الاحقاد والكراهية والرغبة في الانتقام. وبإمكانك كإمراة مسلمة حنون تهتمين باليتيم والسائل والمحروم، فلقد قال القرآن وأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر. لكن يتامى بلدك يتعرضون للقهر في الشوارع، وفقراء بلدك تنهرهم الناس.
بإمكانك أن تكوني صافي الفنانة الإنسانة .. وناز المسلمة المتدينة، أي السيدة الأديبة المتدينة الاستاذة صافيناز كاظم، التي نحترمها ونقدرها لفنها وشاعريتها وتدينها

(بشرط أن يكون معتدلاً ) .

مع تحياتي ومحبتي .

 صموئيل بولس عبد المسيح .

 

 

التكملة في الكتاب المطبوع

 

 

 

إلى كتاب :

نحن والآخر

 ج 2